إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

«الهلال الخصيب والتحديات الراهنة»

توفيق مهنا

نسخة للطباعة 2017-12-28

الارشيف

شرفٌ لي أن أكون بينكم على هذا المنبر الثقافي والحضاري والإبداعي، أن أكحّل عينيَّ بوجوهكم بعزمكم بعطاءاتكم بتضحياتكم في سبيل الأمة والوطن، منذ بزوغ الحضارة التي كانت صور ذخراً لها وكانت مدماكاً ومجذافاً لبنائها.

شرفٌ أن أكون بينكم وأنتم المقاومون، منكم الشهداء والجرحى والمعوّقون، منكم الأدباء والشعراء والمفكّرون.

وكم أعتزّ أن أكون في ذكرى تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي في هذه المدينة الرائدة.

حزبنا له تاريخ طويل برجاله وأعضائه وعطاءات مقاوميه في رحابها. يصادف هذا اليوم ذكر انطلاقةٍ انتفاضةٍ بادر إليها شعبنا في فلسطين في العام 1987.

في 8 كانون الأول 1987 دخل الحجر في صياغة التاريخ، وكتب أطفال الحجارة بدمهم بمقالعهم بطريّ أعوادهم، كتبوا صفحات المجد ليذكروا العالم بفلسطين، ليذكروا العالم بقضية تساوي وجودنا، هي محور صراعنا القومي ومحور كفاحنا. في العام 1987 ظنّ العالم أن فلسطين سقطت من الذاكرة، من الوجدان من المستقبل، وأن المهرولين المستسلمين والمطبّعين قد نجحوا في إسقاطها من مركز الصدارة والاهتمام.

وظنّ العدو أنه قد نجح بعد عقود من احتلال فلسطين ومن انكسار تلو انكسار، منذ أن أٌنشأ كيان الاغتصاب عام 48، ظنّ هذا العدو أنّ الأجيال بعد الهزائم والنكبات والنكسات ستنسى فلسطين.

أيها الحفل الكريم إني أنتمي إلى حزبٍ تأسس في العام 1932، أتعرفون ما هو قَسَم العضوية في حزبنا؟ على ماذا نحلف؟ أذكروا فلسطين هذا هو عنوان قسمنا، اذكروا كل جزء مغتصب من أرضنا القومية بدءاً بفلسطين وكيليكيا والاسكندرون.

نشأنا على هذا الايمان، وعلى هذا المعتقد وهذا القسَم، وكأن سعاده باعث النهضة ومؤسس الحزب كان يستشرف ويقرأ التاريخ لا بماضيه وحسب، بل بمستقبله، يستشرف أن زمناً قد يأتي وتنهار فيه سلم القيم القومية والوطنية والالتزامات زمن رديء تقوده الأنظمة المتخاذلة ويقوده يهود داخل باعوا فلسطين وقضيتها، ونتذكّر هنا السيد المسيح كيف باعه الخائن يوضاس بفضة من اليهود.

يوضاس في الماضي، استُنسخ بيوضاسات في زمننا، لكن فلسطين حيةً في عقيدتنا في قضيتنا في نضالنا، وفي نبض شعبنا، رغم كل الويلات والنكبات والنكسات.

وهذا اليوم الذي يُصادف بعد ثلاثة عقود على انتفاضة فلسطين يؤكد المقولة إن الأجيال التي لم تولد في فلسطين، إن الأجيال في كل مكان تولد، وتبقى وتبقى حاملة راية فلسطين لأن فلسطين هي جوهر الصراع، صراع الوجود، صراع المصير، إما أن نكون أو لا نكون. صراع وجود لا صراع الحدود. هذا ما دأبنا في كل أدبياتنا القومية أن نتكلّم عنه ونعقدن ونعبئ ونثقف.

من وعد يهوه إلى وعد بلفور فوعد ترامب

هذه الوعود تارة باسم الله المزيّف يهوه، وتارة باسم القوة الاستعمارية بريطانيا وأميركا، تُغدق على عدو وجودنا القومي، لتعطيه حقاً في أرضٍ ليست له، تعطيه وطناً في أرضٍ ليست ولم تكن على مرّ الزمان وطناً له.

سمعتم بالأمس كيف احتفى نتنياهو رئيس حكومة العدو بقرار رئيس الولايات المتحدة الأميركية باعترافه بالقدس عاصمةً للدولة اليهودية «إسرائيل»، وقال «إن القدس هي منذ ثلاثة آلاف سنة هي لأجداده، وأنبياؤه مشوا بين طرقاتها ومعابدها». أريد هنا أن أؤكد على أهمية البعد الثقافي والحضاري في صراعنا مع هذا العدو، لا الصراع السياسي والعقائدي والكفاحي فقط. منذ ثلاثة آلاف سنة، يحيون فكرة زائفة أن القدس هي قدسهم، إنها الخديعة الكبرى.

الخديعة التي يحاولون أن يجرّوا الفكر الإنساني نحوها، فلسطين قدساً وأرضاً هي أرض كنعان، هي أرض أجدادنا نحن لا أجداد اليهود.

كما صور، كما صيدا، كما الجنوب، كما الأردن، كما كل أرض كنعان، كلّ أرض ما بين الفرات والنيل هي أرضنا نحن وتسبق وجودهم العابر بآلاف السنين، حضارتنا ضاربة فيها، تراثنا هويتنا إبداعنا إنشاءاتنا عمراننا ضاربة في هذه الأرض قبل هذا الوجود العابر لقبائل يهودية عابرة.

هذا الوجود العابر لهذه الجماعات لم يكن بالإمكان أن يكون له وجود لولا ملكي صادق، ملك القدس. ملكي صادق الكنعاني هو صاحب الأرض ومفتاح المدينة في يده، هو الذي بمضيافيته بكرمه بهويته الحضارية سمح بوجود ما. هذه حقيقة تاريخية، يجب أن لا نغفل عنها أبداً لذلك أحببت أن أضيء على هذه المسألة، مستشهداً برئيس هيئة علماء الآثار اليهود في «اسرائيل» الدولة الغاصبة البروفسور اسرائيل فينكلستاين اسمعوا ماذا يقول «لم تكن تقوم هنا، أي في القدس، مملكة لداوود وليس هناك من الشواهد الأثرية ما يثبت أن اليهود مرّوا من هنا». وأضاف «أن وجود باب الهيكل لسليمان بن داوود مشكوك فيه». ويضيف «أنه خلال عشرات السنوات من البحث الأثري والعلمي لم تُكتشف أدلة أو براهين أثرية»، وبعده انضمّ إليه عدد من علماء الآثار لتأكيد نظرية البروفسور التي أكدتها الوقائع الأثرية. عندما كان يُعثر على آثار كنعانية كل البحث كل العلماء سواء أكانوا يهوداً أم بعثات أجنبية مموّلة وعلى قرن من الزمن وأكثر التي كانت تأتي إلى فلسطين بقصد أن تتبين أو تكتشف أو تلتمس أثراً ما لوجودٍ يهوديٍ مزعوم كانت تصطدم بالحقائق أن كل الآثار هي أثر كنعانية.

والآثار الكنعانية هي آثارنا نحن. هي حضارتنا نحن، لذلك في هذا اليوم بالذات نردّ على نتنياهو وعلى التزوير والزيف والادعاء والباطل بأن لهم حقاً تاريخياً أو حضارياً أو دينياً في أرضنا.

وعد ترامب كوعد بلفور كوعد يهوه. في إحدى محاضراتي قلت «لو كانت هذه الأرض لليهود فهل من داعٍ ليهوه ليعدهم بها؟».

هذه هي اللصوصية بعينها، هذه هي السرقة والنهب بعينهما تماماً، كما فعلت بريطانيا، وكما تفعل أميركا اليوم عبر رئيسها دونالد ترامب.

سقوط الولايات المتحدة الأميركية من عالم الإنسانية الأدبي

في مقالة لسعاده في العام 1924 تحت عنوان «سقوط الولايات المتحدة الأميركية من عالم الإنسانية الأدبي» لماذا أسقط سعاده هذا الرائد القومي «الولايات المتحدة من عالم الإنسانية الأدبي»، لسبب رئيسي أن الكونغرس الأميركي في العام 1920 صادق على اتفاقية سايكس بيكو وصادق على وعد بلفور. وعند هذا المفصل رأى سعاده أن كل الشعارات التي كان يطرحها رئيس الولايات المتحدة آنذاك ويلسون حول حقوق الإنسان وحول حقوق الشعوب وحول حق تقرير المصير، كلها اُطيح بها عندما تخلّت الولايات المتحدة بسياستها عن هذه الشعارات وعن هذه المبادئ المعروفة في التاريخ مبادئ ويلسون وانحازت إلى القوى المستعمرة بتقسيم أمتنا بسايكس – بيكو وبإعطاء شرعية لوعد بلفور. لذلك اعتبر أنها سقطت من عالم الإنسانية الأدبي.

ماذا يعني هذا في الرؤية التاريخية، يعني بالنسبة لنا أن معيارنا في العلاقات الدولية، معيارنا هو الحق القومي، مَن يقف مع حقنا القومي، مَن يقف مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، مع حقوقها هم في سلم العالم الإنساني وفي سلم الرقي الإنساني، ومَن يعتدِ أو يتنازل أو يتاجر أو يعقد الصفقات، فهو ليس أكثر من قرصان يحاول أن يتزيّن بالشعارات والمبادئ، لكنه قرصان ومستعمر ليس إلا. على قاعدة حقنا القومي بالدرجة الأولى نقارب موضوع القدس وفلسطين.

ما يحاول قادة اليهود والحركة الصهيونية في العالم بثّه، فكرة مخادعة أن اليهود هم أقدم من المسيحية، وأقدم من الإسلام في فلسطين، وكأن المسألة عندهم هي في الأقدمية التي لها علاقة بالبعد الديني المقدّس، ويُغفلون الحقوق القومية التي هي الأساس التي تتأسس عليها سائر الحقوق.

فلسطين هي جزء من أرضنا القومية ومقدّساتنا. ليس الموضوع مسألة البعد الديني على الإطلاق. أدياننا هي إنجاز حضاري، أنجيلاً أو قرأناً أو حكمةً، هي ذخرنا الروحي هي هويتنا الروحية، لكن هويتنا الروحية هذه مشدودة إلى هويتنا القومية. لا يظنّ أحد أننا يمكن أن نتنازل في أي مرحلة عن حبة تراب واحدة من ارضنا القومية تحت أي اعتبار، فالمقدس لا يتقدّم على الحق القومي، بل يقوم عليه.

ما هو مطروح اليوم في هذا الوضع المتفجّر في بلادنا، تصفية القضية الفلسطينية، كل الحرائق المشتعلة في الشام في العراق في لبنان كل الحرائق التي أتت مع هذا الربيع العربي وأي ربيع! كان لها في العهد الأخير هدف واحد تفجير دول الهلال الخصيب بالحروب والفتن لتمرير صفقة القرن.

صفقة القرن خلفيات وأهداف

إذا كان سايكس – بيكو ووعد بلفور نموذجين لمؤامرة القرن الماضي، فقرار ترامب اليوم هو نموذج لصفقة ومؤامرة في القرن الحالي، وتتساءلون كيف ذلك؟

منذ أن انتُخب، هذا الرئيس للولايات المتحدة الأميركية أعطى وعداً بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس. مَن سبقه من الرؤساء الأميركيين من العام 1995 عندما اتخذ الكونغرس الأميركي أول قرار بنقل السفارة من تل ابيب إلى القدس، تجنبوا قراراً تنفيذياً بنقل السفارة. كل الرؤساء تملّصوا تحت ذرائع الأمن القومي الأميركي تارةً وبذريعة أن الولايات المتحدة ترعى عملية التسوية والسلام في الشرق الأوسط.

ما هو السر أن الرئيس الأميركي الحالي نفّذ وعده؟ هل لأنه رفع شعاراً أثناء حملته الانتخابية فقط؟ لا نظنّ أبداً أن هذا هو الدافع وراء هذه الخطوة.

لنأخذ فكرة عن الخلفيات التي حكمت رئيس الولايات المتحدة أن يأخذ هذا القرار.

لننظر إلى القمة الأميركية السعودية التي حصلت بتاريخ 20-21- أيار- 2017، والقمتين الأميركية الخليجية، والقمة الأميركية الإسلامية وأهداف تلك القمم؟

بيت القصيد هنا، وصفقة القرن هنا، هنا البيع والشراء في هذه القمم. اربعمئة وخمسون مليار دولار ليست مقابل لا شي بل مقابل امرين إثنين:

الامر الاول أن تدعم الادارة الأميركية المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول الإسلامية باتجاه مواجهة عدو جديد مفتعل وهمي، اسمه الجمهورية الاسلامية في ايران. اربعمئة وخمسون مليار من أجل أن يصبح العدو إيران وضمان ان تكون الولايات المتحدة الأميركية شريكاً في محاربة النفوذ والتوسع والارهاب الايراني في القاموس الخليجي، وان العدو الصهيوني الجاثم على أرضنا القومية ليس العدو الأول، بل ربما شريك في هذه الصفقة لمواجهة ايران.

اما الهدف الثاني الذي أراده رئيس الولايات المتحدة فهو التنازل عن القضية الفلسطينية وعن القدس كذلك الأمر. إن مَن يخض حرباً ضد ايران ينسَ فلسطين ويتخلّ عن كل الحقوق والمصالح للشعب الفلسطيني وللأمة جمعاء. لذلك والصحافة «الاسرائيلية» والصحافة الأميركية تنشر مواقف وتصريحات لا تُعَدّ وتحصى عن أن المملكة العربية السعودية ودولاً عربية أخرى هي في صورة قرار ترامب منذ فترة، ولم تمانع أو تعترض أو تحرك ساكناً.

نعتقد اعتقاداً راسخاً بأنّ هذا القرار الأميركي ليس قراراً أحادياً معزولاً عن موجبات الحلف الاميركي السعودي مع دول عربية باتجاه تثبيت عدو جديد هو إيران، وتجاوز كل ما له علاقة بفلسطين وقضايا الأمة.

صفقة القرن تقوم على المبادئ التالية:

– لا عودة لحدود 1967. التسوية الجارية هي باب للتنازل والتفريط. ونتساءل ماذا حقق هذا النهج التسووي لنا غير التنازل والتفريط؟ صفقة القرن تقوم على ما دون حدود 1967. المفاوضون متوهمون بأنهم يستطيعون تحصيل دولة على حدود 1967، وواهمون أكثر أن القدس تكون عاصمة هذه الدولة المفترضة، القدس بهذا المشروع الأميركي «الاسرائيلي» والرجعي العربي هي عاصمة لكيان العدو الغاصب، وهي خارج أي بحث في مسار التسوية.

– صفقة القرن تقوم على ضمان استمرار المستوطنات، لا بل السماح وغضّ النظر عن بناء مستوطنات جديدة.

في فضاء هذا القرار المشؤوم اتخذ العدو قراراً بإنشاء أربعة عشر الف وحدة سكنية.

– من مضامين هذا القرار – الصفقة إسقاط حق العودة، وان اعتبار القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني يمهد عملياً لإسقاط حق العودة، وترحيل أبناء القدس خارجها، إلى غزة إلى سيناء إلى الأردن إلى المنافي الخ.

– الأبعاد الحقيقية لا تتصل فقط بالقدس ومصير أهلها ومصير أبنائها وأملاكهم ومقدساتهم، كما أشار السيد حسن نصر الله، هو لإسقاط حق العودة ولتوطين الفلسطينيين خارج ارضهم. وهذا هدفٌ مركزيٌ مُستهدف الوصول اليه.

الحلف الأميركي الصهيوني السعودي

– ليس مستبعداً بعد فترة أن يلجأ الرئيس الأميركي إلى التصعيد أكثر في مواقفه. فلنتوقف أمام وثيقةٍ خطيرة أعدّها وزير خارجية المملكة العربية السعودية عادل الجبير.

الوثيقة تتحدّث عن إقامة حلف أميركي سعودي «اسرائيلي». وفي الوثيقة بند ينص على إسقاط قرار اتخذته الجامعة العربية في العام 1951-1952. ماذا ينص القرار؟ ينص قرار الجامعة العربية على عدم إعطاء الجنسية للفلسطينيين في أي دولة عربية، ضماناً لحق العودة. هذا القرار في وثيقة الجبير مطلوب إسقاطه من قرارات الجامعة العربية تأكيداً وتكريساً لنهج أن لا عودة ولا حق عودة على الإطلاق. بل توطين الفلسطينيين حيث هم.

مع هذه الوقائع لا نستغرب ما يكشفه كل من رئيس جهاز الاستخبارات «الاسرائيلي» ورئيس اركان جيش العدو غادي إيزنكوت. اذ يقول بالحرف في تصريح له «ليس مصادفة ان نسمع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يقول باللغة العربية ما نقوله نحن بالعبرية». أليس هذا دليلاً دامغاً على أن هناك حلفاً عربياً «اسرائيلياً» ينشأ برعاية أميركية لتصفية قضية فلسطين وإيجاد أعداء آخرين بدل العدو «الإسرائيلي»؟

أليس في هذا إثبات كامل على حجم التواطؤ الذي يُسخر الجامعة العربية لتسير في هذا الاتجاه؟

الجامعة العربية اليوم هي المنصة لتنفيذ أجندات تآمرية تارة ضد العراق، تارة ضد الشام، ضد ليبيا ضد فلسطين، منذ أسابيع قليلة كان هناك توظيف لهذه الجامعة ضد لبنان عبر قرار اتخذته هذه الجامعة باعتبار المقاومة إرهاباً. وكانت على وشك أن تُسقط عضوية لبنان من الجامعة، كما حاولت أن تفعل مع الجمهورية العربية السورية.

هذه المناسبة، مناسبة تأسيس حزبنا السوري القومي الاجتماعي، أؤكد بأن العروبة التي نفهمها ونعمل لها، وتتضمّنها غاية حزبنا، هي العروبة المبنية على بناء القدرة العربية في مواجهة أعداء الأمة.

وأي عروبة لا تسير في اتجاه فلسطين وباتجاه احتضان المقاومة ومحورها، وباتجاه مقاومة هذا العدو اليهودي الصهيوني وهذا الاستعمار المتمثل اليوم بالإدارة الأميركية على أرضنا والذي يحاول أن يخلق لنا عدواً وهمياً، هي عروبة مشبوهة، وهي عروبة زائفة…

القدس وديعة السماء على الأرض. هذه قدسنا بكل ما فيها، بإرثها الحضاري وبهويتها القومية ومعينها الديني، بكنيسة قيامتها بمسجدها الاقصى، يؤمن المؤمنون بالديانتين المسيحية والإسلامية أمها المعراج إلى السماء

لمواجهة هذه المرحلة من المؤامرة وهذا الظرف العصيب على المستوى القومي والإيماني، ما هو المطلوب؟

ما العمل:

هل المطلوب فقط الاستنكار والإدانة والشجب؟ ألا يوجد خطوات مسؤولة وجدّية ومقدامة وجريئة لنردَ بها على هذا الوضع التآمري وعلى صفقة القرن؟ آن الأوان، حان الوقت لأبطال التسوية وروادها ودعاتها ومبشّريها أن يُعاد النظر بنهج التسوية. هذا استسلام وليس تسوية، التسوية التي تقوم على تَوَهُم أن هذا العدو يمكن أن يعطي شيئاً، بل هي تقود إلى التنازل والتفريط.

لذلك بدءاً من السلطة الفلسطينية ليس مطلباً غير طبيعي أو منطقي أو مسؤول أو فيه نوع من الإنشائية أو المثالية.

إن اتفاق اوسلو يجب أن يسقط لنعطي الدليل على أن شعبنا حي، ويستمرّ بالانتفاضة والمقاومة. اتفاق اوسلو مرّ عليه أكثر من عشرين سنة. ولم تحصد السلطة الفلسطينية وشعبنا بسببه إلا الخيبات والتنازلات والنكبات. كفانا تجريب نهج فاشل وخيار خائب. لننتقل إلى نهج الصمود، نهج الانتفاضة والمقاومة سبيلاً أنجع لاسترداد حقوقنا والحفاظ على ما بين أيدينا كي لا تتراكم الخسائر وتستمر المآسي.

يقول سعاده مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي «القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره»، هذا الزمن يجب أن نثبت فيه أن قوتنا هي التي تؤمّن حقوقنا القومية وتحفظ مصيرنا.

لذا فإن الرد الطبيعي والفوري على صفقة القرن المشؤومة ووعد ترامب الاستعماري:

– وقف التنسيق الأمني.

– إلغاء الاتفاقات والمعاهدات من كامب دايفيد إلى وادي عربة.

– تأكيد خيار الوحدة الوطنية الفلسطينية المستند إلى ثوابت الانتفاضة والمقاومة والحق القومي.

– طرد السفراء الصهاينة من الدول العربية وإغلاق السفارات.

– إسقاط الرهان على سياسة الولايات المتحدة الأميركية واعتبارها شريكاً لعدوّنا لا راعياً نزيهاً أو محايداً بل تأكيد أنها طرفٌ متآمر علينا.

إذا لم نتخذ مثل هذه الإجراءات الفورية والضرورية، كيف لنا أن نتأمل بإسقاط وعد ترامب؟ وكيف لنا أن لا نخاف من أن وعد بلفور الجديد لن يشق طريقه إلى التنفيذ، كما شق وعد بلفور في العام 1917 وعده إلى التنفيذ؟ وتم إنشاء الكيان الصهيوني على أرضنا.

عندما نقول بالقوة نهجاً لا بالدبلوماسية نهجاً لاسترداد حقوقنا نستند إلى قوة عظيمة في شعبنا. هذه القوة فعلت، ومقاومة شعبنا في فلسطين تفعل، في لبنان فعلت كسرت العدو ومشروعه واجتياحه وغيّرت مجرى التاريخ في كثير من المحطات.

نحن لا نركن إلى القرارات الدولية، يوجد الكثير من القرارات، ولا داعي لأن نذكرها بدءاً من القرار 181 وصعوداً. هذه القرارات عديمة الجدوى وعديمة الفعالية، ان لم تستند إلى قوة الأمة إلى قوة المقاومة إلى قوة شعبنا. لذلك هي مناسبة أن نعيد تأكيد أن هذا الوعد الخطير إن لم نتصدَّ له ونسقطه في القدس، يجب أن لا نتفاجأ بعد فترة ان يصدر وعدأً جديداً يعتبر فيه العدو الجولان أرضاً هي جزءٌ من الكيان الصهيوني أو مزارع شبعا مثلها ولا نعرف ماذا بعد؟ قد يصبح غداً ادعاء بالعراق في حق ما لليهود، ولذلك في هذه المناسبة القومية، هلالنا الخصيب المشتعل بالنار وبالحرائق أمام تحدٍ، سايكس – بيكو مهّد لبلفور أي التقسيم مهّد للصهينة.

مجلس التعاون المشرقي هو الردّ

لذلك الدعوة هي إلى وحدة هذا الهلال بدوله. وعلى الأقل قيام التنسيق بين دوله لمواجهة هذه المأساة.

لا نفترض أننا على أبواب مرحلة بسيطة، نحن في الشام نحقق انتصاراً مدوّياً على الارهاب. لكن أمامنا مرحلة كبيرة وطويلة ومعقدة حتى نقول إن الانتصار أصبح منجزاً نهائياً التهويد للقدس وبناء المستوطنات، هناك مخططات لفرض دور أميركي «إسرائيلي» في صناعة مستقبل الشام أو العراق بأشكال مختلفة. ومن هنا لا بدّ أن نؤكد على فكرة مركزية، تحرّكنا من أجل تحقيقها. وهي ضرورة قيام مجلس تعاون مشرقي في الهلال الخصيب يضمّ العراق والشام ولبنان كمرحلة اولى. أن هذا المجلس الذي ينسق ضد العدو «الاسرائيلي» وضد الإرهاب وضد التخطيط والتنسيق وإقامة الدويلات والكانتونات هو السبيل لبقاء هذا الهلال الخصيب خصيباً.

الهلال الخصيب، خصيب بثروته وتراثه ويزداد خصباً بإرادة المقاومة تُخضّبُ ترابه. إن نَهَجنا وسلكنا درب التوحيد نصل إلى محطة يمكن أن نرى فيها مستقبلاً يُطوى معه مشروع إسرائيل الصغرى والكبرى لتقوم بدلاً منه وحدتنا. وحدة أمتنا التي يؤهلها تاريخها ودورها أن تبني عالماً عربياً جديداً.

هذا العالم العربي الذي يُسيَّر بالرموت الأميركي، هو ليس العالم العربي الذي تسعى لقيامه النهضة السورية القومية الاجتماعية والحزب السوري القومي الاجتماعي الداعي إلى وحدة سورية لتكون هذه الوحدة الحجر الأساس والدرع والترس للعالم العربي. إن العالم العربي يصبح عالماً منسياً إذا ما تحكم بخياره الحلف الأميركي «الاسرائيلي» والأنظمة العربية المستسلمة.

نواجه التحدي. ولكن ثقتنا بأن فينا قوة تغيّر وجه التاريخ، هي المعادلة التفاؤلية الدائمة التي عبّرت عن انتصار فكرتها وجوهرها في كل ساحة. سنشهد في فلسطين وفي أمتنا وفي دول العالم العربي العالم بيارق انتفاضات جديدة، تُبشر بعصر نهضة حقيقية وبعصر انتصارٍ أكيد.

* محاضرة ألقيت في ندوة أقامتها منفذية صور في الحزب السوري القومي الاجتماعي في نادي التضامن بتاريخ 18 كانون الأوّل 2017.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018