إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

شمس سورية: وضّاحة... فضّاحة

نزار سلّوم - البناء

نسخة للطباعة 2018-03-15

الارشيف

حدث ذات مرّة، أن جثم الجليد على هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان، فساد صقيع قاتل، وحلّت ظلمة قاتمة وحالكة.. سادت ملايين من السنين.

ولمصادفة فلكية، أو لحكمة كونية:

أوقدت الشمس موقدها، ففاض لهبها، وانتشرت أشعتها، وتغيّر توضّع الأرض، فبدأ الجليد ينداح عنها، وحلكة الليل تنحسر متراجعة أمام تقدّم لهب الشمس ودفئها وأحزمة نورها البهي.

حينها تماماً، بدأت رحلة البشر تسجّل أولى خطواتها على هذه الأرض.

وحدث ذات مرة، أيضاً، أنَّ البشر الذين توطّنوا في أعالي سهول وهضاب ما بين النهرين العظيمين دجلة والفرات، وصولاً إلى شاطئ البحر في الغرب الذي عبره، لاحقاً، وعبر التاريخ، سينقلون للعالم ما خصّتهم الشمس به وما أنتجوه وأبدعوه من ثقافة.. وحضارة، حدث.. ولمصادفة فلكية، أو لحكمة تاريخية، أو لتوافق المصادفة مع الحكمة أن خصّتهم الشمس بأبهى ظهوراتها، فبدت كمرجل الكون، فخرجوا من كهوفهم وبدأوا رحلة الإنسان والإنسانية ومغامرته في هذا الكون.

منذ ذلك الوقت تماماً، نشأت تلك العلاقة الربانية بين هؤلاء الناس والشمس.. فبدوا كسلالة نورانية تحمل مفتاح باب تاريخ الإنسان، ولا تزال.

وحدث ذات مرة أيضاً وأيضاً، ويا للمصادفة الفلكية: أن توارت الشمس وغابت، ويا للمصادفة التاريخية: أن النور بهُت وشحُب وهزُل. وبدأ:

عصر الجليد العقلي، فتجمّد الفكر وتحجّر، وسقط ليل طويل.. طويل.. ثقيل وكالح وسادت برودة السكون وصقيع الموت.

مهلاً.. مهلاً، أيّها السّادة، لا تجزعوا وينتابكم اليأس وتخيّم عليكم الكآبة.. فالحكاية لم تنته بعد.. بل إنها ستبدأ الآن، فقد حدث ذات مرة، لحكمة تاريخية:

أن لملمت الشمس أشعتها وكثفتها في حزمة نور، لتخترق ذلك الليل الحالك وتمزّقه، ولشدّة كثافة النور، استبقت دورة الفلك، فقصّرت شهر شباط واقتطعت من أيامه اثنين لتستعجل الأول من آذار، ولتضع وليداً مقدوداً من لهبها، حيث تطل من صنين، في غابة الصنوبر في الشوير، في جبل لبنان، من أعمال سورية. وليد سيُسمّى ويكنّى بوالديه، فيما هو ولحكمة تاريخية سيُخرج أبناء الشمس من عصر الجليد العقلي ليحرّرهم ويفتح آفاق تاريخهم المعاصر.

وسيكون على الفتى الشويري أن يوقد لهب النهضة وشعلتها ابتداءً من العام 1932، وسيتولى تلامذته مدّ هذا اللهب إيماناً عميقاً لتبقى دليلاً على قيامة سورية، حيث وفي الأول من آذار من كل عام يهرعون إلى قمم جبال سورية وتلالها ليوقدوا الشعلة الشمسية حيث تتناقلها الأجيال المتعاقبة متراساً في وجه الليل والصقيع.

أما قلتُ لكم، مهلكم الحكاية بدأت الآن.. ولكن مهلكم أنتم أيضاً أيها السّعاديون، أيها القوميون الاجتماعيون، أتفعلون هذا كله.. وتتحدثون بهذه الطريقة الغريبة، ومَنْ تتحدّثون عنه هو رجل وحسب… بلى رجل كباقي الرجال؟!

أهو نبي؟! أهو رسول؟ أو أقله قديس؟! إذ تشعلون النار وترتبون الطبيعة جبالها وتلالها ووديانها وتحيلونها معبداً؟!

أية معجزة اجترح، وأية أعجوبة فعل؟!

صدقتم.. صدقتم.. لكن مهلكم فلا تأخذوا علينا لهفتنا وفيض إيماننا وحماستنا..

بلى، وكما قلتم، أنطون سعاده:

لم يولد نبياً،

ولا هو برسول مرسل،

ولا حتى قديس.!

ولكنه، ولحكمة تاريخية:

رأى شعبه يعفّر برأسه التراب، جاثياً على ركبتيه، تائهاً لا يعرف الوقوف، ممدّداً كجثة تبحث عن قبر لها. بلى، وكرجل نوراني، نظر وتحرّى وبحث ونقّب ورأى:

رآنا راكعين، فعلّمنا كيف نقف وننتصب.

رآنا راكعين للاحتلال الأجنبي فعلّمنا كيف نبني سيادتنا ونثق بأنفسنا.

رآنا راكعين للتمزّق والتجزئة فعلّمنا كمال الوحدة.

رآنا راكعين للطائفية والمذهبية فأرشدنا إلى حيث يكون الدين.

رآنا راكعين للقبلية والعشائرية والعائلية فغيّر مكان إقامتنا وأسكننا في المجتمع.

رآنا راكعين للذلّ فعلّمنا كيف يكون العز.

رآنا راكعين للاستبداد فعلّمنا طريق الحرية.

راكعين: للضياع، للفوضى، للغموض.

راكعين.. وراكعين منذ أكثر من ألف عام ونحن كذلك، فجاء مَن يستأصل مرضاً مزمناً عمره أكثر من ألف عام، وتقولون أين المعجزة؟!

جاء مَن يشفي مريضاً مقعداً بالياً مهترئاً منذ أكثر من ألف عام، ليعود جباراً قوياً منتصباً، عقله تاجه.. وتقولون ما هي الأعجوبة؟!

هو «سقط زند» الشمس، التهب في ذلك الليل الطويل، فأيقظ شعب سورية وأعاد غرس النور في مقلتيه..

هو ليس نبياً ليُعبد

ولا رسولاً ليُتبع

ولا قديساً ليتشفّع..

بل فقط وفقط نبراساً هادياً لنا كي لا نهوي مرة أخرى في هذا الليل المتجدّد ونركع، وهذه المرة، إلى الأبد.

وشمس سورية، لمن لا يعرفها،

شمس: وهّاجة، وضّاءة، وضّاحة.. وفضّاحة

فضّاحة لا تبقي على سرٍ شخصي أكان أو استراتيجياً أو جيو ــ استراتيجياً، وتغوص في الأفكار لتنشر أقبحها وأشنعها وإن تخفى تحت يافطات الحرية وحقوق الإنسان..!

وبالمناسبة: مع هذه الأسرار والأفكار فضحت لنا شمسنا الوهّاجة عالم الغاز والبترول والطاقة.

ولم يكن مفاجئاً لنا: أن «إسرائيل» موجودة دائماً في هذا الشريط الفضائحي المشوّق.

هل ثمّة من لا يرى، الآن وخصوصاً الآن، كيف أن شخصاً فرداً، أو حزباً، أو تجمعاً، أو دولة، أو حلفاً إقليمياً أو دولياً، أطال إقامته تحت شمس سورية إلا وانكشفت عورته وبانت حقيقته وسقط قناعه وامّحى مكياجه.. وبدا عارياً كما هو تماماً.

تعالوا معي لنستعرض هذا الشريط ولنحصي هذه الأقنعة ولنشاهد هؤلاء العراة راجياً أن تتحملوا قباحتهم وبشاعتهم وشناعتهم وقذارتهم.. .

برقع / قناع: الديمقراطية والحرية: سقط سريعاً وبانت الوجوه العارية المرتزقة، حيث أعيد تدويرأصحابها مباشرة وإلحاقهم في صفوف العصابات المسلحة. مع استثناءات لوجوه بسيطة وبريئة وحالمة ومضللة وأحياناً عنيدة وغبية .

برقع / قناع: أصحاب نظرية الإسلام هو الحل، الذين كانوا يتشاوفون علينا وعلى غيرنا، بأنهم هم في مواجهة «إسرائيل» و«المشاريع الغربية»! وإذ بهم أدوات في استراتيجية «إسرائيل» نفسها وهذه المشاريع.

برقع / قناع: القوى والأحزاب التي أنشأت تعايشاً كاذباً بين الدين والقومية.. سقط البرقع وسقطت القومية الواهية وتبدّت الوجوه عابسة حاقدة تسير خلف علم أسود قاتم.

برقع: الكذبة والمنافقين والوصوليين والانتهازيين واللصوص الذين تخفّوا في نسيج المجتمع بهيئات ملائكة وقديسين وأولياء و… ولن نكمل العدّ.. فالتشابه كفيل بأن يعرّفكم عليهم جميعاً، فيما الشريط يكشف تحت شمس سورية الفضّاحة أحد أكثر برقعين إقليميين خباثة ولؤماً وحقداً:

برقع المملكة السعودية حامية الحرمين والمسلمين!! سقط وبانت العائلة ودينها الوهابي وصفقات القرن التي تُجريها وتقايض فيها بما ليس ملكها: فلسطين.

برقع تركيا: العلمانية الأتاتوركية!! سقط فبانت تركيا الإخوانية العثمانية، ولم تكن قبعة أتاتورك سوى قناع لطربوش سليم الأول العثماني.

يستمرّ شريط العرض متسارعاً لنرى قناع الحضارة الغربية من أولها إلى آخرها المتشاوفة بدولها الأميركية والأوروبية، يسقط دفعة واحدة وإذ بها ترعى وتغذّي وتدعم وتنتج «الإرهاب والإرهابيين» حسب متطلبات السوق الاستثمارية، الاقتصادية والجيو ــ سياسية.

رأفة بكم وبأحاسيسكم وحتى لا تتلوّث رؤيتكم أكتفي بهذا المقدار من هذا الشريط القذر الذي تسكنه وتتمثل به أكثر من ثمانين دولة!!

يا للهول، بلى أكثر من ثمانين.. بل مئة.

لأن ما يجري في هذا الهلال الخصيب من غربه إلى شرقه ومن شماله إلى جنوبه، ليس صراعاً وحسب، ليس معركة وحروباً وحسب، بل إن ما يجري، وبكل ما للكلمة من معنى: هو صناعة الجحيم!!

صناعة الجحيم: بسوداويته وسواده،

بأفاعيه وسحاليه،

بمستنقعاته الوسخة،

بناره المدمّرة الحارقة،

برماده وجثثه،

بشياطينه وأبالسته..

هو الجحيم بعينه ولا شيء سواه.

أنتركهم، أيّها السوريون، ليصنعوا جحيمنا، أأرضنا داشرة ومشاعٌ حقاً؟!

أنتركهم يغيّرون «الموصوف القرآني» برمته، فيحيلون الجنة، التي هي دمشق بغوطتيها إلى جهنم!!

قطعاً: لا، مستحيل.

فإن كانت بلاد الشمس قد منحت الإنسانية أسطورة الخلق، وألواح حمورابي، وأسطورة جلجامش وغيرها.. وغيرها.. فإن ما يقوم به الآن الجيش السوري وعلى يمينه وشرقه الجيش العراقي وعلى يساره وغربه الجيش اللبناني وتُحيط به قوى المقاومة الشعبية، وقوى المقاومة اللبنانية، وفي الجنوب القوى الفلسطينية التي تزيّنها عروسة فلسطين عهد التميمي ورفاقها. وخميرة هذا العجين كله ليست سوى سرايا نسور الزوبعة الحمراء… إن ما يقوم به هؤلاء الأبطال ليس إلا صناعة الأسطورة الحديثة التي تشير خاتمتها إلى أن سلالة الشمس وضعت حداً لصنّاع الموت، وقوى الجحيم.. قوى الجحيم كلّها لن تقوى عليها.

في خلفية شريط العرض، يمكنكم أن تلاحظوا كيف أنَّ المنصّة السورية هي التي اعتلاها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليعلن عن نهاية الحقبة الأحاديّة القطب الأميركية، وليؤكد بداية نظام عالمي جديد تحتل فيه روسيا مكاناً مركزياً..

والحال، العالم كله يتغيّر، ابتداءً من هذا المنصّة وتحت هذه الشمس المقدّسة.

الآن، وبعد هذا وذاك، وبعد قرن ونيّف على ولادة سعاده نتساءل:

أما زلنا بحاجة إليه؟

أما زال شعبنا بحاجة إلى سعاده وحزبه ونهضته؟.

لنتأمل قليلاً:

الفردي، والعشائري، والعائلي، والقبلي، والمذهبي، والطائفي كل منهم وغيرهم يحتاج إلى سعاده كي ينعتق من سجنه الضيق وملكيته المأسورة ليخرج إلى وسع الوطن ورحابته وآفاقه.

لن أتابع العدّ.. إزاء إلحاح الأمكنة، فأيّ منها في سورية لا يحتاج سعاده؟

الموصل وسنجار وبعشيقة وتل أبيض ومنبج واعزاز وعفرين مع أهلهم المنتمين إثنياً وطائفياً إلى السريان والآشوريين والكلدان والايزيديين والأكراد والعرب وغير إثنية أخرى وغير طائفة ومذهب.. تحتاج إلى سعاده كي ترى أن حدودها الطبيعية في أعلى جبال طوروس، وتسمياتها الإثنية ليست سوى لوناً من ألوان سورية الواحدة الموحّدة.

دمشق وبيروت وبغداد تحتاج إلى سعاده كي تتلاحم أكثر وأكثر وتخرج عن استحيائها وعن قسوة البعد التي حلّت بها بفعل الكيانية البغيضة.

القدس، بلى القدس، خصوصاً الآن، تحتاج إلى سعاده كي تتذكر أنها ولدت إيلياء، أي منزل الله، وألا أحد في الكون، مهما كان شأنه أو تسريحة شعره؟ يمكن أن يُحيلها إلى منزل الشيطان.

سعاده أخرج القدس من كونها مسألة صراع ديني بين مسلمين ويهود إلى كونها مسألة قومية من الطراز الأول.

أمكنة مسلوبة، أرض محتلة، وطن نازف من كل صوب، شعب في المحرقة، قسم شعوباً، على باب الجحيم.. كله يحتاج إلى سعاده وحزب سعاده ونهضة سعاده. ومَن لا يحتاج، معانداً، فلن يتمكن حتى أن يرجمنا بحجر، لأنه سيغرق في الظلام راكعاً لا يعرف القيامة. أما نحن، أما أنتم، فسنبقى أصحاب طريق العز، نطرق باب الحرية، فروحنا فداء سورية، وسنبقى، عاماً بعد عام، وجيلاً بعد جيل، نواظب على إيقاد شعلة النهضة، لتبقى تلال سورية وجبالها وقممها وآفاقها وضّاءة:

وهّاجة،

وضّاحة،

وفضّاحة إلى الأبد..!!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018