شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2018-06-05
 

حول القانون 10 وإعادة الإعمار في سورية

طارق الأحمد

لا يختلف أحد سواء ممّن يعيش داخل سورية أو خارجها، بين مَن هو سوري ومَن يتعاطى بالشأن السوري على أنّ إعادة الإعمار هي واحدة من أكبر الاستحقاقات المدنية الكبرى التي ستبدأ مع نهاية الحرب السورية…

وللعلم فهي قد بدأت في الكثير من المناطق – ولو بشكل أقلّ من الزخم المتوقع حصوله – بعد استتباب الأمن بالشكل الرئيسي، فإنّ شكل إعادة الإعمار هذه وطريقتها هما المسألتان الأكثر سخونة ومدعاة للتجاذب خاصة بين الدول التي تودّ أن تحارب سورية عن طريق إعادة الإعمار ولو بطرق أخرى.

التجارب السابقة لدول أنهكتها الحروب ودمّرت أجزاء كبيرة منها تشير إلى أنّ تلك الدول الغربية نفسها، وهي خليفة الدول الاستعمارية، بالإضافة إلى دول أخرى تحضّر شركاتها من أجل ورشات إعادة الإعمار في هذه الدول. وهي تتعاطى في هذا الشأن وكأنّ هذه الدول التي هُدمت جزئياً أو بشكل كبير هي عبارة عن كعكة تريد تلك الدول حصصاً من هذه الكعكة. وبعض هذه الدول تريد الحصص الأكبر.

وبالتالي، فإنّ الشعب الذي يرزح تحت نير الحرب، ومن خلال سياسات إعادة الإعمار الملتبسة، فإنه يعود ليرزح تحت نير سطوة مستدامة لها، قد تطول فترتها وآثارها عن فترة الحرب التي يعيشها…

وإنْ كانت الحرب تُعدّ بالسنوات، ففي مستتبعات وآثار إعادة الإعمار على طريقة اقتسام الكعكة بين الشركات الكبرى الغربية سليلة الدول الاستعمارية، يرزح هذا الشعب عادةً لعقود وليس لسنوات فقط تحت وطأة آثار إعادة الإعمار فيها حتى ولو تمّت إعادة الشوارع والجسور والطرق والأبنية الكبيرة الفارهة وغيرها.

إنّ هذه التجارب وجدت في لبنان، كما وجدت في العراق، كما وجدت في دول أخرى كثيرة، وإنّ إعادة الإعمار التي تأتي على شكل عقود ضخمة توزع بين الشركات الكبرى التي ترتبط بمشاريع سياسية كبرى أيضاً وتتبع لسياسات دول غالباً ما تشترط تحقيق هذه المشاريع بالتلازم مع شروط سياسية على الدولة نفسها. هذا كله يؤدّي إلى نتيجة أنّ يرزح هذا الشعب تحت وطأة مفاعيل إعادة الإعمار ولو أنها تسيّر العجلة الاقتصادية.

لكن فرادة الحرب السورية والتي يخوضها السوريون مع حلفائهم الأقوياء والقوى الحيّة والمناضلة، أنها تتميّز بفكرة أساسية وهي المعرفة التامة بأنّ الحرب التي بدأت بتسونامي إعلامي هائل تمثل بعشرات القنوات الفضائية التلفزيونية الهائلة التي أسّست خصيصاً من أجل كيّ الوعي السوري وتأطيره بطريقة تجعل السوريين يتقاتلون مع بعضهم البعض لأسباب تنبش التاريخ وتمزق المجتمع وتقوم على ضرب بعضه ببعض… فهذه المعركة قابلها السوريون بمعرفة أنهم في معركة كبرى لرفع منسوب الوعي، كما أنهم في معركة مباشرة وعسكرية وحربية مع الإرهاب الذي هو مفرزات هذه الحرب.

وأذكر أنني في محاضرتي حول طريقة إعادة الإعمار الواجبة في مؤتمر فلسفة إعادة الإعمار الذي عُقد في دمشق في العام 2015 باكراً وفي منتصف سنوات الحرب، تحدّثت عن ضرورة إعادة هوية المدينة السورية الثقافية والفكرية من الناحية العمرانية لوضع الأسس الصحيحة لكيفية إعادة الإعمار بأن تكون بأيدي السوريين فقط، أولئك الذين صمدوا، وليست كجوائز للدول ذات التمويل الكبير والتي ستعقد مؤتمرات ما يسمّى بالدول المانحة من أجل اقتسام الكعكة السورية، بالإضافة إلى وضع معايير لإعادة بناء مدننا، كي لا تكون تكراراً لمدن العشوائيات وإنما تلزم من يريد أن يبني بأن يلتزم معايير وجود عدد من المكتبات والمسارح ودور الثقافة، بالإضافة إلى المستشفيات والمدارس في كلّ حيّ، لتتحقق الصحة الفكرية لمن يقطن هذا الحيّ بقدر ما تتحقق الصحة البدنية والبيئية الواجبة، خاصة أنّ المعركة التي خضناها في سورية هي معركة تتعلق بالصحة الفكرية بامتياز.

عندما صدر القانون 10 هذا العام وتحديداً في شهر نيسان 2018 تمّت مراعاة نقاط جوهرية وأساسية في هذا القانون. ومن أهمّ هذه النقاط عدم تكرار تجربة افتراس الأسماك الكبيرة للأسماك الصغيرة في مشاريع إعادة الإعمار. بمعنى أنّ هذا القانون يتيح ليس فقط لرأس المال الصغير والمتوسط والكبير وإنما يتيح لكلّ مالك من الملاك سواء أكان داخل سورية حالياً أو كان يعيش في الخارج وبغضّ النظر عن نوعية الانتماء السياسي الذي ينتمي إليه سواء كان معارضاً أو موالياً، فإنه صاحب حق وملكية. وبالتالي فهذا القانون هو أول قانون يُعطيه الحق بأن يكون مالكاً لأسهم في شركة تنشأ لإعادة إعمار المنطقة سواء أكانت مهدّمة بشكل كلي أو جزئي، وبالتالي فنحن لا نتحدّث هنا عن تغيير ملكيات على شكل عواصف جامحة تجتاح مناطق بأكملها وتحوّل ملكياتها من الأفراد القاطنين في تلك الأحياء المهدّمة إلى شركات معينة لأصحابها المعينين، وإنما القانون يتيح لهم إمكانية أن يصبحوا مساهمين بقدر ما يملكون من مساحات أرضية أو شققية حالياً لكي يصبحوا حملة أسهم في شركات مساهمة تنشأ خصيصاً لكلّ منطقة على حدة، ولكن كلّ من يغوص في هذا الشأن ويعرف حجم التعقيد والتشابك المتعلّق بملكيات الأفراد والمجموعات للعقارات السكنية أو التجارية أو الأراضي ولكون بعضهم داخل أو خارج سورية. وما جرى فعلاً من حرق لوثائق في الكثير من المناطق، كما جاء على لسان السيد وزير الخارجية وليد المعلم في مؤتمره الصحافي الأخير… فإنّ إنتاج أيّ قانون عصري وجيد ويراعي الحقوق لهو من الأمور الصعبة جداً لمن يدخل في القضية بجدية وأخلاقية عالية، وليس لمن لم يقرأ القانون ويريد أخذ دوره في استعار الحرب الإعلامية على سورية حتى في موضوع إعادة الإعمار، خاصة أنّ أولئك الذين فعلوا ذلك هم أولئك أنفسهم الذين ساهموا بأدوارهم في الحرب على سورية في كلّ القضايا السابقة الأخرى.

إنّ أيّ قانون وضعي معمول به في سورية هو ليس نصاً دينياً مقدّساً، وإنما هو قانون وضعي وضعه مختصون في الشأن. وبالتالي فمن لديه مقترحات أو آراء نابعة من خبرة ودراية ومعرفة، فإنّ من يعلم في الشأن من الداخل في سورية يعرف بأنّ عشرات الندوات والمؤتمرات واللقاءات قد عقدت، كما أسلفنا منذ بدايات ومنتصف الحرب حول الموضوع وقد شارك فيها المختصون والمعنيون. وبالتالي فإنّ القوانين التي تصدر تكون بمثابة خلاصات لكلّ ما جرى. وبالتالي فإنّ الباب مفتوح من أجل وضع الآراء في هذا الشأن في مكانها الصحيح، وهذا لا يتمّ في الظلام أو الخفاء أو من أجل استباق عملية معينة، وإنما في النور وبشكل مؤسسي… وإنّ دراسة موضوعية لهذا القانون سوف تكشف لنا بأنّ هذا أول قانون يستطيع كما أسلفنا أن يحفظ حقوق جميع أصحاب الأراضي، وأنّ المهل الزمنية الموضوعة هي ليست من أجل نزع ملكياتهم وإنما من أجل تثبيتها بأسرع وقت، وأنه حتى لو لم يتمّ هذا التثبيت فإنّ ما يتعلق بالجانب العملي من الموضوع هو من أجل انتخاب مندوبين لهؤلاء الملاك في تلك الشركات المساهمة من أجل أن لا يأتي ما يعيق حركة إعادة الإعمار. وهذا موضوع يختلف اختلافاً جذرياً عن غاية أولئك الذين يريدون عرقلة أيّ مشروع متعلق بإعادة الإعمار، بحيث تبقى تلك المناطق مهدمة وغير نظيفة وخطرة للسكن والتجوّل، وبالتالي يصبح الشعب في يأس كامل من أيّ عملية إعمار يمكن أن تجري في البلد ويصبح بعد ذلك قابلاً للقبول والرضوخ لتسليم هذه المناطق للشركات الكبرى التي تريد أكل الكعكة بكاملها كما أسلفنا، وتحويل البلد إمبراطوريات مالية ضخمة… كما جرى في العديد من البلدان، بالإضافة إلى أمر هو في غاية الأهمية وهو أنّ هذا القانون قد راعى كما تحدّثنا ضرورة وجود مراكز ثقافية ومسارح ومرافق عامة كافية في تلك المناطق. وهو الأمر الضروري جداً لكي نظهر وجه سورية الحقيقي عند إعادة الإعمار.

أخيراً تعالوا نقرأ هذا القانون بشكل دقيق ونناقشه ويمكن إجراء حوار أو تعديلات على أيّ من مندرجاته. ويمكن القبول طبعاً بأيّ آراء محترمة تأتي من أيّ كان من الخبراء كي تقوم إعادة الإعمار في سورية بالشكل الأحلى الذي نودّه لبلدنا…


 

جميع الحقوق محفوظة © 2018 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه