إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

مقاطعة «إسرائيل» أكاديميّاً بوصفها نوعاً من المقاومة

رزان إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2018-07-13

ما إن تتخذ مؤسسات رسمية أو جامعية قراراً بمقاطعة أكاديمية لـ«إسرائيل» حتى تجد الردّ جاهزاً، بأنّ القرار غير مسؤول، وأنّ هذه الجهات المقاطعة غير قادرة على التمييز بين رأي سياسي ونشاط علمي، وأنه يفترض من عالم الأكاديميا التحرّر من عالم السياسة، بل ولا تعدم من يدّعي أن هذه القرارات هي في الصلب من معاداة السامية، وهما ردّان كانت حكومة المحافظين في بريطانيا قد تبنّتهما في خطوة منها للتضييق على حملة مقاطعة «إسرائيل» التي يتبنّاها اتحاد الجامعات والمعاهد البريطاني «يو سي يو» الذي صوت منذ التأسيس عام 2007 على مقاطعة المؤسسات الأكاديمية «الإسرائيلية»، إلا أن اللجنة التنفيذية للاتحاد حرصت على تعطيل هذه الحملة بالاستناد إلى الحجتين السابقتين.

في حديثه عن الأكاديمية «الإسرائيلية» في كتابه «فكرة إسرائيل تاريخ السلطة والمعرفة»، يضع إيلان بابيه من الأمثلة ما يثبت أن الأكاديميا «الإسرائيلية» كانت مرغمة على خدمة الصهيونية، ويؤكد أن كل واحدة من الجامعات «الإسرائيلية» بدءاً من السبعينات كان فيها قسم خاص بالتاريخ اليهودي، بل إن بعضاً منها فتح قسماً بِاسم «تاريخ أرض إسرائيل»، أو بِاسم «دراسات أرض إسرائيل»، أبرز ما فيها أنها سعت إلى تكريس الدراسات الصهيونية واليهودية لخدمة الولاءات الإيديولوجية «الإسرائيلية». من هنا، فإني أرى أن حديثاً عن فصل السياسي عن الأكاديمي وهي الحجة التي تبنّاها رافضو المقاطعة الأكاديمية لـ«إسرائيل» هي حجة بائسة، لأنّ «إسرائيل» نفسها لم تنفّذ هذا الفصل ابتداءً، فما من شكّ في أنّ البيئة الأكاديمية «الإسرائيلية» منذ البدايات خضعت للسياسة ولم تأبه بالإطار العام الناظم للدراسات التاريخية. والحال أن الغالبية العظمى من الأكاديميين «الإسرائيليين» هم أصحاب دعاية سياسية غايتها ترسيخ الرواية الوطنية، ومن ثم شرعنة ما جرى ويجري من سلب للأرض من سكانها الأصليين.

أقول الغالبية العظمى لأننا لا نعدم نقداً ـ وإن كان شحيحاً ـ من داخل الأكاديمية «الإسرائيلية» نفسها، يرى أصحابه بالدليل القاطع أن الأكاديمية «الإسرائيلية» تستخدم من المنهجيات ما يتماشى مع الادّعاءات الصهيونية بخصوص الأرض والشعب اليهودي. نذكر منهم ـ على سبيل المثال ـ سامي سموحة الذي رسم صورة عن الباحثين في العلوم الاجتماعية في «إسرائيل» في أوائل الثمانينات تظهرههم أنهم يعملون ضمن توجّهات متعجرفة عنصرية. وتجد في دراسات هؤلاء النقاد المهمّشين ـ ومنهم علماء اجتماع في حيفا أو في «جامعة تل أبيب» ـ من يثبت أنّ «الديمقراطية الإسرائيلية» مجرد نظام مركزي عرقي لا عقلاني لا يستوعب أي شكل من أشكال الاختلافات العرقية والإيديولوجية، وأن لا همّ للدولة سوى إيجاد مساحات أكبر لليهود على حساب العرب، حتى لا يكون للفلسطينيين في «إسرائيل» سوى هامش يضيق بهم جغرافياً واجتماعياً وسياسياً عن طريق الحكم العسكري، بما يعزّز نظرة صهيونية لا تخلو من التحجر الذهني والغرور.

وإن كان الشيء بالشيء يذكر، فكما كيمرلنغ الرجل الأكاديمي اليهودي المقعد الذي لم تمنعه إعاقته من إعادة النظر بالأكاذيب التي قامت عليها دولة «إسرائيل»، وهو من ترعرع في إحدى الضواحي التي بنيت على أنقاض قرية قالونيا الفلسطينية، كما هذا الرجل فإننا نستعيد ستيفن هوكينغ عالم الفيزياء البريطاني الشهير المقعد حين تراجع عن حضور دعوة «إسرائيلية» لحضور مؤتمر سنوي لاتحاد الجامعات والكلّيات يرعاه شمعون بيريز. وهو خبر أوردته صحيفة «غارديان» البريطانية التي توضح استلامه رسالة من نعوم تشومسكي عالم اللسانيات المعروف موقّعة من عشرين أكاديمياً يذكّره فيها بسياسة التمييز الممنهجة التي تتبعها «إسرائيل» في تعاملها مع الفلسطينيين، مع تفاصيل أخرى يقرؤها الراحل هوكينغ الذي يتّخذ قراره بعدها بأن يكون من بين المنضمّين إلى المقاطعة الأكاديمية لـ«إسرائيل» بسبب مواقفها السيّئة تجاه الشعب الفلسطيني. بل إننا سمعنا مؤخراً بالإحالة إلى يشاي فريدمان الكاتب في صحيفة «مكور ريشون» أن عدداً من الأكاديميين «الإسرائيليين» أنفسهم ينوون مقاطعة مؤتمر علمي ينظّمه الاتحاد العالمي لعلماء النفس والاجتماع للانعقاد العام المقبل 2019 في «تل أبيب»، وطالبوا بنقله خارج «إسرائيل» ردّاً على ما تقوم به «إسرائيل» من إنشاء مؤسسات «إسرائيلية» من مثل «ياد فاشيم» الرسمية التي أقيمت عام 1954 بموجب قرار «الكنيست الإسرائيلي» لتخليد ذكرى ضحايا المحرقة النازية، في وقت تدمّر فيه القرية الفلسطينية ويطرد أهلها منها من دون توقف.

لا يفوتني في هذا السياق استذكار ما أعلنته جامعة «تشوان التكنولوجية» حول قرارها بالمقاطعة الأكاديمية لـ«إسرائيل»، علماً أنها تعدّ واحدة من كبريات الجامعات في جنوب أفريقيا. ولا أدلّ على جدوى هذه المقاطعة لمن يشكّك فيها من استشراء الخوف «الإسرائيلي» منها، ومن ثم المسارعة إلى تشكيل لجنة لمواجهتها، بل إن خوفاً منها دعا «الإسرائيليين» إلى تهديد فندق في لوس أنجلوس برفع الدعوى عليه في حال قبوله استضافة مؤتمر كان المقيمون عليه قد أعلنوا حشداً لمقاطعة «إسرائيل» في جامعاتها. وكذلك يتناهى إلينا وصف رئيسة «جامعة بن غوريون» ريفكا كارمي لهذه المقاطعة بأنها «تطوّر خطير للغاية». فلا غرابة إذ يجابه هوكينغ تعقيباً على مقاطعته التي ذكرناها آنفاً بأنه يعاني شللاً في الدماغ وليس الجسد وقد حان أوان موته.

عموماً، نؤكد أنّ الذهاب باتجاه التأكيد على أهمية المقاطعة الأكاديمية لـ«إسرائيل» يدخل في الصلب من مكافحة ساحة إيديولوجية تطبخ القرار السياسي «الإسرائيلي» قبل تنفيذه وهي الساحة التي تعجّ بمن يدافع عن «إسرائيليته» بِاسم معاداة السامية، ولا تجد غضاضة في تكريس إمكانياتها البحثية كي تبرّر دور الضحية التي يلعبها الجلاد. وفي هذا ردّ على كلّ من يدّعي فصلاً قائماً بين الواقعين السياسي والأكاديمي، أما لأولئك الذين يسارعون لإلقاء تهمة معاداة السامية، يلقونها كيفما اتفق، فنذكّرهم بأن المقاطعة حملة لا علاقة لها بأيّ هوية إثنية أو دينية، وأنها في صميم إدانة كل أشكال التمييز العنصري أسوة بحملة المقاطعة ضد نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، وهو درس علّمنا إياه نيلسون مانديلا حين التفت إلى تضامن دوليّ أجبر الأمم المتحدة على اتخاذ موقف حاسم أثمر عن نهاية نظام الفصل العنصري.

ولنذكر أننا في وقت صرنا نظهر فيه عاجزين عن أيّ مقاومة عسكرية ناجحة، لم يبقَ أمامنا سوى التطلع إلى أشكال مقاومة أخرى، منها التوجه بكل إصرار نحو خطاب صارم يرفض كل أشكال التعاون الأكاديمي مع المؤسسات «الإسرائيلية»، كما يرفض أيّ مشاركة في نشاطات دولية أكاديمية مصمّمة للجمع بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين» في منبر واحد، لأنها توظف جميعها سياسياً ضد المصلحة الوطنية، كما لا يجوز التردّد في أيّ تعاون بحثي مع «إسرائيل»، وهو أضعف الإيمان.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018