إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

سياسة الاحتواء الاستراتيجية الروسية

ناجي الزعبي - البناء

نسخة للطباعة 2018-10-03

في العلوم العسكرية وحتى السياسية التكتيك يخدم الاستراتيجية ويصبّ في صالحها، وفي المعارك التي يصعب أو يتعذّر حسمها بالنقاط يصبح التكتيك أكثر جدوى لمساهمته في حسم المعركة بالنقاط.

بتنسيقها الأمني مع تركيا استطاعت روسيا ان تتيح لسورية تحقيق انتصار استراتيجي في حلب مهّد لانتصار الغوطة والقلمون وريف حمص وحماة وبمعركة جنوب سورية، كما دفع تركيا للاستدارة باتجاه محور المقاومة – بمساعدة غبية – من ترامب الذي حاصر الاقتصاد التركي وأطاح بسعر الليرة التركية لتخسر 80 من قيمتها، ثم مكّن روسيا من ان تدفع تركيا باتفاق إدلب لتقايض أزماتها الأقتصادية بتعاون روسي إيراني، ولتحضر على مائدة التسويات بحلة جديدة مناهضة للإرهاب بعد ان كانت راعية له، ولتكون ذراعاً يفكك حالة الإرهابيين بها ويمهّد لاجتثاث الإرهاب باليد التركية وهذا إنجاز فذّ لا يمكن إنكار بلاغته.

كما مكّن التنسيق الأمني مع القوات الأميركية من إنجاز كلّ العمليات الروسية الجوية والسورية البرية دون تسجيل حادثة اصطدام أميركية سورية روسية واحدة، ايّ انّ سورية وروسيا كانتا تحاربان أميركا وتحيدانها بنفس الوقت وتلك أيضاً بلاغة فذّة…

ومكّن التنسيق الأمني الروسي مع العدو الصهيوني الجيش السوري من تطهير الجنوب السوري واحتلال مواقعه السابقة دون تدخل من العدو، كما مكّن الجيش الروسي والسوري من عقد المصالحات وبناء جسور من الثقة بين المواطنين الملتحقين بصفوف الدولة مما ساهم وسهّل المعركة وسرّع بالانهيارات في صفوف الإرهابيين وخسارتهم المعركة.

قد يقول قائل انّ الروس صرحوا بأنهم أبعدوا ألف مقاتل إيراني وما يناهز الـ 24 راجمة صواريخ وأنواعاً أخرى من الأسلحة مسافة 150 كم عن تخوم الجولان المحتلّ، هذا في الشكل لكن في الجوهر سينتشر الجيش السوري الذي دارت المعارك منذ سبع سنوات ونصف من أجل إبعاده وإقامة منطقة عازلة على غرار دولة لحد وسعد حداد حلّ محلّ القوات المبعدة «إنْ كانت قد أبعدت»، فصحافة العدو نفسه تقول إنه لا يوجد ما يمنع الجيش السوري من أن يرتدي الإيرانيون او أيّ قوة أخرى زيّ الجيش السوري ويتواجدوا في الأماكن التي يقرّرها.

مكّنت هذه العمليات العسكرية الجيش السوري من بسط سيطرته على ما يفوق الـ 90 من أراضيه وامتلاك فائض قوة غير مسبوق يتيح له التصدّي لايّ قوة في الإقليم وتحقيق توازن في الردع ويمهّد لإحداث التفوّق بعد ان كانت قطعاته مشتتة على عشرات الجبهات وميادين القتال، هذا بفضل التنسيق الأمني الروسي مسبوقاً بتضحيات الجيش السوري والقوات الرديفة ومحور المقاومة.

ولو تخيّلنا انّ الروس لم يلجأوا للتنسيق الأمني ودخلوا في صراع مع تركيا، ومع القوات الأميركية، ومع العدو الصهيوني في آن واحد، فيما كانت للجيش السوري أولوياته في تطهير الإرهاب وكنسه وبسط السيطرة على كامل التراب السوري في معركة باتجاهات عدة، ألم يكن هذا سيشتت جهده ويبعثرها ويعرّض سورية لخسائر أفدح ولخطر التفكك والتقسيم؟

كان الصبر السوري والروسي الاستراتيجي تكتيكاً يَصبّ في صالح المهمة الاستراتيجية التي شارفت على الانتهاء والاكتمال، ووفر الصبر فائض قوة متفوقة وقدرة على الحشد، وفي هذا التوقيت وبعد اتفاق إدلب الذي جرّد أميركا والبوارج الأوروبية التي تجوب المتوسط متأهبة لإيقاع عدوانها وضرباتها على سورية من ذريعة التدخل، وأنهى مسرحية الكيماوي، قام العدو بخطوته الإجرامية الحمقاء وأسقط الطائرة الروسية.

عزّزت هذه الجريمة من عزلة العدو الصهيوني وأميركا الأخلاقية والسياسية والدبلوماسية وجرّدتهم مع الأوروبيين من المسوغات والذرائع للعدوان على سورية، وتركت الساحة لمحور المقاومة وحلفائه، كما مكّنت – الهدية الصهيونية المؤلمة المجانية – لروسيا من التخلص والتحلل من أعباء التنسيق الأمني معه في الوقت الذي أصبحت فيه سورية وحلفاؤها قادرون أكثر من السابق على التصدّي لأيّ عدوان صهيوني بعد التفرّغ شبه الكامل للجيش السوري من أعباء المعركة الداخلية مع الإرهاب.

في هذا التوقيت أيضاً يخرج قائد المقاومة ليوجه رسالة حاسمة في تناغم مع مجريات الأحداث في سورية واتفاق سوتشي وإسقاط الطائرة الروسية، يقول فيها إننا لسنا فقط أقوى من جيش العدو بل لقد أنجزنا مهمّتنا. وهي رسالة نقرأها على أنها إشارة لامتلاك المقاومة ليس فقط الصواريخ الدقيقة بل لأسلحة حاسمة في المعركة وقوة بشرية من ملايين العقائديين المتأهّبين للالتحاق بصفوف المقاومة لخوض المعركة الحاسمة مع العدو.

وأشرت رسالته الأخرى بضيق المقاومة من الانتهاكات الصهيونية للمجال الجوي اللبناني بامتلاكها أسلحة مقاومة للطائرات على الأغلب.

كما جاءت العملية السعودية الإمارتية الصهيونية بالإملاء الأميركي في الأهواز لتزيد من العزلة الدولية والحرج لدول العدوان وتجرّد كلّ حلفائهم من ذرائع الاعتداء على سورية وتكسيهم تعاطفاً دولياً.

بالتالي فقد خسر العدو الصهيوني رهانه على جرّ روسيا وإيران لمعركة ليست وفق حسابات البلدين، وخسر رهانه على امتلاك معلومات عن حقيقة القدرات السورية العسكرية، وقدرات الدفاع الجوي السورية تحديداً برغم الغارات الجوية وعمليات الاستطلاع بالقوة التي قام بها.

كما وسّع الكابينت الصهيوني بقراره المضيّ بالاعتداء على سورية وإيران والمقاومة الهوة بينه وبين روسيا ودفعها لتسليح الجيش السوري بشكل غير مسبوق، وجعل من سورية قلعة حصينة مدجّجة بالسلاح والرجال.

كسب الدبّ الروسي معاركه السياسية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية، وقدم نفسه كشريك للمجتمع الدولي لا كعدو واستبدل صورة العداء بالحقبة السوفياتية، وعزز هذه المكانة، فهل كان تنسيقه الأمني مع العدو الصهيوني تواطئاً؟ ثم كيف يحارب الإرهاب الذراع الأميركي ويتواطأ مع الذراع الأخرى!

والقيادة السورية أدارت كلّ معاركها وتحالفاتها فحققت كلّ الإنجازات والانتصارات التي أخذت تعبّر عن نفسها وحققت إيران بصبرها وحنكتها تعاطفاً دولياً وجبهة داخلية متماسكة وحضوراً اقليمياً ودولياً لا يمكن إنكاره وتجاهله.

الصبر السوري والروسي الاستراتيجي مكّن سورية من تحقيق تحوّلات استراتيجية غير مسبوقة نقلها لمرحلة تاريخية فاصلة ساهم الدور الروسي والإيراني وحزب الله والقوات الرديفة في الوصول اليها.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018