إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

عبد المهدي ومكافحة الفساد: «طريقك مسدود مسدود»؟

وائل الركابي - الاخبار

نسخة للطباعة 2019-03-16

أربعون منفذاً من منافذ الفساد يتطلّع عادل عبد المهدي إلى سدّها. طموحٌ يعترضه الكثير من العقبات، في ظلّ ما يرى خبراء أنها بيئة مشجّعة على الفساد وراعية له، أنتجتها المنظومة السياسية الحالية نفسها، فأنّى لها محاربتها؟ إزاء ذلك، يسود تشاؤم إزاء قدرة عبد المهدي على «صبّ الزيت» على الفاسدين والمفسدين، على رغم إجراءات اتخذها أخيراً، لا تزال متواضعة ومحدودة الفاعلية.

في ثانية جلسات العقد التشريعي الجديد للبرلمان العراقي ـــ التي التأمت السبت الماضي ـــ فنّد رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، أربعين وجهاً للفساد الضارب في أعماق الدولة. رقمٌ سرعان ما يحيل على ذاكرة العراقيين الجمعية؛ لارتباطه بـ«نصب الكهرمانة»، وسط العاصمة بغداد. تقول إحدى قصص كتاب «ألف ليلة وليلة» إن كهرمانة، وهي فتاة ذكية وشجاعة، استنقذت والدها الذي يملك «خاناً» لإيواء المسافرين، وعربةً لبيع جرار الزيت، من حادثة سرقة اشترك فيها 40 لصّاً. في ليلة شتاء باردة، نهضت الفتاة من فراشها بعد سماعها أصواتاً غريبة، لتشاهد اللصوص وهم يختبئون في الجِرار الفارغة، ويطلّون منها برؤوسهم لمراقبة رجال الشرطة الذين أحاطوا بالمكان. أسرعت إلى والدها وأخبرته بما رأت، ليتفقا على إحداث ضجة في «الخان» حتى يخفي اللصوص رؤوسهم، وكان لهما ما أرادا. عندها، ملأت كهرمانة إحدى الأواني بالزيت، وراحت تصبّه في الجِرار واحدة تلو أخرى. صرخ اللصوص، ما أوقعهم سريعاً في يد الشرطة. اتصال هذه القصة بالراهن العراقي إنما يكمن في أحد أخطر الملفات وأكثرها استعصاءً منذ سقوط النظام السابق (نيسان/ أبريل 2003)؛ إذ إن أيّاً من رؤساء الوزراء السابقين لم يستطع «صبّ الزيت على الفاسدين»، إمّا لعجزه عن ذلك وإمّا لاستفادته و«حاشيته» من الوضع القائم.

خلال حديثه المذكور، أوضح عبد المهدي أن ملفات الفساد تشمل «تهريب النفط، وملف العقارات، والمنافذ الحدودية، والجمارك، وتجارة الذهب وتهريبه، والسجون ومراكز الاحتجاز، والسيطرات الرسمية وغير الرسمية، والمكاتب الاقتصادية في المؤسسات والمحافظات والوزارات»، إضافة إلى «تجارة الحبوب والمواشي، والضرائب والتهرب منها، والإتاوات، ومزاد العملة والتحويل الخارجي، والتقاعد، وملف السجناء، وملف الشهداء، والمخدرات، وتجارة الآثار، والزراعة والأسمدة والمبيدات، وتسجيل السيارات والعقود والأرقام، والإقامة وسمات الدخول، والأيدي العاملة الأجنبية، والكهرباء، وتوزيع الأدوية، وتوزيع البطاقة التموينية، والرعاية الاجتماعية، والسلف المالية المصرفية، والتعيينات، وبيع المناصب، والعقود الحكومية».

*اتفق عبد المهدي والحلبوسي أخيراً على إلغاء دوائر معنية بـ«ضبط المال العام»*

ولئن حدّد رئيس الوزراء عناوين الفساد بـ«40 عنواناً»، إلا أن عدداً من الخبراء الاقتصاديين المحليين يؤكدون أن «عناوين/ مفاصل الفساد تتجاوز الأربعين»، معتبرين أن «المأزق العراقي لم يكن يوماً يتمثل في تحديد مفاصل الفساد وسردها، بل إن الآليات المتبعة في وقف هذا الزحف ما زالت تحتاج إلى روح العصرنة». ويلفت هؤلاء إلى أن «الحديث عن استعادة الأموال المنهوبة وعقارات الدولة وأملاك صدام حسين ومئات المليارات في الخارج، أصبح في طور النسيان»، مضيفين أن الحديث يدور حالياً حول حماية ما بقي من أموال العراقيين، علماً أن العراق يحتلّ المرتبة 168 من أصل 180 دولة ضمن مؤشر مدركات الفساد لعام 2018، بحسب «منظمة الشفافية العالمية».

الخبير الاقتصادي، باسم أنطوان، يقول إن «6 آلاف مشروع متوقّف عن العمل في البلاد، بسبب طفرة الفساد المالي والإداري، فضلاً عن أن البطالة مستشرية في صفوف الشباب، وهو خطر لا تدركه الأحزاب الحاكمة التي تهيمن على مفاصل الاقتصاد»، متهماً تلك الأحزاب بـ«الوقوف وراء قضم هيكلية الدولة العراقية». ويضيف أنطوان، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «أبرز مغذّيات الفساد تعدّد الدوائر المعنية بمحاربته، ما يربك عمل تلك الأجهزة»، التي تضمّ «هيئة النزاهة»، و«ديوان الرقابة المالية»، و«مكاتب المفتشين العموميين» (ألغيت أخيراً)، و«لجنة النزاهة البرلمانية»، فضلاً عن المكاتب والشركات الدولية التي عملت على تدقيق الأموال العراقية، فضلاً عن «المجلس الأعلى لمكافحة الفساد» برئاسة عبد المهدي شخصياً، الذي أسّسه الأخير مع تسنّمه رئاسة الوزراء من دون أن يكون له «ناتج حقيقي حتى الآن»، شأنه شأن بقية الإجراءات التي اتخذها الرجل، والتي ما زالت ـــ من وجهة نظر الخبراء ـــ «غير فاعلة... ولا تشي بتقليص أو إنهاء مأزقٍ يُعدّ من أبرز ملامح ما بعد 2003»، على رغم أن كثيرين عوّلوا على عبد المهدي في مسألة مكافحة الفساد في دوائر الدولة ومؤسساتها، وإنهاء سطوة الأحزاب عليها. وفي هذا الإطار، يرى أنطوان، وهو مستشار معتمد في رئاسة الوزراء، أن «المنظومة السياسية الحالية لا يمكنها إنتاج قوانين وإجراءات رادعة توقف نزف المال، لأنها هي التي أنتجت تلك البيئة وخلقتها».

وفي مقابل تلك النظرة المتشائمة، ثمة قدر ضئيل من التفاؤل أثاره تصويت البرلمان على قرار يقضي بإلغاء «مكاتب المفتشين العموميين»، في خطوة يعتبر مصدر حكومي أنها «تأتي في سياق الإعداد لخريطة جديدة لمحاربة الفساد تشمل مفاصل أخرى في الدولة»، مضيفاً في حديثه إلى «الأخبار» أن «إلغاء تلك المكاتب هو بوابة لإلغاء عدد من الدوائر الأخرى المختصة بمحاربة الفساد، إذ اتفق عبد المهدي ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، أخيراً، على تنسيق عالي المستوى بشأن إلغاء عدد من الدوائر الصغيرة والكبيرة، التي تعمل ضمن جهود ضبط المال العام».

بدوره، أكد النائب في البرلمان العراقي، رعد الدهلكي، وجود «توجه حكومي وبرلماني واسع لترشيق الكثير من الدوائر والمؤسسات العاملة في مجال مكافحة الفساد»، مشيراً في حديثه لـ «الأخبار» إلى أن «البرلمان سيشهد طفرة نوعية في محاربة الفساد والقضاء عليه، خاصة بعد التنسيق الأخير بين عبد المهدي والحلبوسي». وأضاف أن «دوائر كثيرة في مؤسسات الدولة تقف بالطابور بانتظار الترشيق والمأسسة، خاصة تلك التي تقف حائلاً أمام مكافحة الفساد، وأي مؤسسة نراها تشكل عصا في عجلة مكافحة الفساد سنعمل على دمجها أو إلغائها بما يتناسب مع الوضع القائم»، متمسكاً بـ«تفاؤل عام في مجلس النواب بخطوات رئيس الوزراء باتجاه محاربة الفاسدين».

لكن الخبراء الاقتصاديين يذهبون في تحليلاتهم إلى أن «المسألة أبعد من ترشيق في دوائر الدولة، أو تشكيل مجالس جديدة»، إذ يشيرون إلى «خلل دائم في البنية الإدارية للدولة»، في ظلّ صراخ يومي من قِبل غالبية الأحزاب بضرورة محاربة الفساد، ودعوة بعضها إلى تسليم «التدقيق المالي» لمختصين عراقيين ودوليين يحددون بدورهم الخلل الإداري، ويقترحون تعديلات إدارية وقانونية، وهو أمرٌ حصل جزئياً في عهد رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، لكنه لم يؤدّ إلى أي نتيجة.

-----------------------------------------------

دعوات للتحقيق في وفاة رئيس «هيئة النزاهة»

نعت «هيئة النزاهة»، أمس، رئيسها القاضي عزت توفيق جعفر، إثر حادث مروري في محافظة دهوك، شمال العراق، بسبب «الأمطار الغزيرة التي هطلت، وعدم التزام السائقين بتعليمات المرور»، وفق بيان «المديرية العامة للمرور في محافظة دهوك». كذلك، نعى رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، جعفر، معتبراً أن «العراق فقد قاضياً نزيهاً». لكن قوى وشخصيات سياسية شككت في عرضية الحادثة. إذ لم يستبعد «ائتلاف النصر»، بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، أن تكون «مدبرة... لمنعه من كشف ملفات الفساد»، داعياً إلى «تحقيق أمني مهني». أما النائب محمد الكربولي، فتساءل «عما إذا كانت الحادثة قضاءً وقدراً، أم بفعل فاعل؟»، مطالباً الجهات التحقيقية بالإجابة عن سؤاله. كذلك، أعربت «كتلة الجيل الجديد» عن أسفها لوفاة جعفر، داعيةً إلى «التحقيق في أسباب الوفاة، وبيان نتائجه للرأي العام». وكان جعفر قد أعلن، مطلع العام الماضي، أن «هيئة النزاهة ستعلن نتائج التحقيقات الخاصة بملفات الاستثمار، والنفط، والسجون، والمشاريع المتلكئة في عموم المحافظات، إضافةً إلى ملف تزوير العقارات في شهر آذار»، مشدّداً على أن «مكافحة الفساد في البلاد تتطلب قراراً سياسياً».


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019