شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2019-05-03
 

التراشق الناري مع القطاع: سباق التهدئة والتصعيد

يحيى دبوق - الاخبار

يثير التراشق الناري الأخير بين إسرائيل وقطاع غزة أكثر من علامة استفهام حول الآتي، وقدرة الوسيط المصري هذه المرة أيضاً على تهدئة «خواطر» الغزيين، عبر استجلاب «عطايا» إسرائيلية اقتصادية مؤقتة، مع وعود جديدة بتطبيق الالتزامات لاحقاً، كما هي العادة المتبعة منذ أشهر. في هذا الإطار، من المفيد الإشارة إلى أن رؤية إسرائيل للأوضاع في غزة تتسم بـ«اللااستراتيجية»، بمعنى أن تل أبيب تسعى الى إمرار الوقت، من دون أن تملك حلولاً للمعضلة. ما يدعو إليه سياسيون إسرائيليون من «حلول» تستند إلى القوة العسكرية، يهدف فعلياً إلى تحصيل تأييد الجمهور اليميني، وهو ليس واقعياً، ولذا ترفض المؤسسة العسكرية اتباعه، على اعتبار أن اليوم الذي سيلي انتهاء الحرب سيكون نفسه اليوم الذي سبق هذه «الحلول»، وربما أسوأ منه: مواجهة وتراشق ناري، أو اجتياح كامل وعودة إلى مستنقع غزة.

على ذلك، يعدّ الوضع الراهن أفضل الممكن إسرائيلياً، في ظلّ سوء الخيارات الأخرى. والوضع الراهن لا يعني فقط استمرار حصار القطاع الذي يتخلّله «تنفيس» اقتصادي دوري بين الحين والآخر، بل يتعلق أيضاً بحالة الانقسام القائمة بين غزة ورام الله، والتي ترغب إسرائيل في استمرارها كونها تخدم مصالحها. يعني هذا أن إسرائيل ستواصل العمل على استبعاد الحلول العسكرية، التي يزايد بعض الداخل بها ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وفي الموازاة التقليل قدر الإمكان من التهديدات الغزّية، عبر ربط سلاح المقاومة ووجودها بالعطاء الاقتصادي.

على أن استراتيجية إسرائيل المعلنة هذه شهدت تراجعاً نسبياً لمصلحة المقاومة، التي فرضت على الاحتلال التخفيف من مراهناته. لكن تلك الأفضلية لم تلغِِ بشكل كامل المعادلة نفسها، بل عدّلت فيها إلى الحد الذي باتت معه التهدئة ممكنة مقابل عطاءات اقتصادية ومعونات، وهو ما كانت إسرائيل ترفضه ابتداءً، كما كانت الفصائل ترفضه أيضاً. هل يعدّ هذا نجاحاً فلسطينياً أم إسرائيلياً؟ الأكيد أن تراجعاً مشتركاً حصل بالفعل، وإن كان الميزان يميل لمصلحة الفصائل، ربطاً بظرفها الأكثر من قاهر، و«التكالب» عليها من جميع الجهات.

على هذه الخلفية، توصّل الجانبان، برعاية مصرية، إلى تهدئة تنص على موجبات متقابلة، جرى العمل على تأجيل استحقاق الشقّ الإسرائيلي منها نتيجة «ضائقة» نتنياهو السياسية، ما دفع تل أبيب إلى الطمع في تأجيل إضافي، بل والدعوة إلى تجزئة الموجبات، خشية ردود فعل سلبية لشركاء نتنياهو خلال مرحلة التفاوض على تأليف الحكومة. لكن الفصائل رفضت هذه التجزئة، التي تعني ترحيل تنفيذ الجزء الأهم من التفاهمات إلى ما بعد تأليف الحكومة، وهو ما يفتح باباً على تأجيل لاحق على اعتبار أن الاستحقاقات والتجاذبات السياسية في إسرائيل لا تنتهي.

*المماطلة الإسرائيلية الأخيرة ليست استثناءً، بل سبقها تاريخ طويل من التعنّت*

والجدير ذكره، هنا، أن المماطلة الإسرائيلية الأخيرة ليست استثناءً، بل سبقها تاريخ طويل من التعنت إزاء اتفاقات تهدئة سابقة جرى التوصل إليها في الأشهر الماضية، مع أو من دون حملات انتخابية، الأمر الذي يعني أن المماطلة صفة ثابتة لتل أبيب، وليست نتاج «الظروف القاهرة» التي تدّعيها في الغرف المغلقة. على خلفية ذلك، جاءت صواريخ القطاع «بالخطأ» لتسقط على مدينة بئر السبع، ثم لتسقط مرتين متتاليتين على تل أبيب، وأخيراً «بالخطأ» ربما على شاطئ مدينة أشدود، وكذلك على تخوم مستوطنات غلاف غزة، وهو ما يمكن أن يتكرر في المستقبل.

لكن، هل تتسارع الأحداث نحو مواجهة؟ يصعب الجزم في مدى ما يمكن أن يذهب إليه كل من الطرفين في محاولة اختبار الطرف الآخر، عبر الضغط عليه من خلال التنقيط الناري وملامسة التصعيد دون سلوكه الفعلي. لكن الخطوات الميدانية التي عمدت إليها تل أبيب في الأيام القليلة الماضية، تشير إلى أنها تريد مواصلة المماطلة، وإن كانت مستعدة لتنفيذ بعض من موجبات التهدئة، بما لا يشكل مادة تجاذب ومزايدة خلال التفاوض القائم على تأليف الحكومة. في مقدمة خطوات إسرائيل «التهويلية» الحديث عن نشر منظومات القبة الحديدية وقائياً، والاستعداد الميداني لمواجهة برية، وتظهير التدريبات التي تحاكي حرباً واحتلالات جغرافية. بالطبع، لا تهدف إسرائيل من استعراضها الدفاعي والهجومي إلى تهيئة مسرح العمليات لمواجهة واسعة، بل مؤازرة الوسيط المصري في الضغط على فصائل غزة لدفعها الى التراجع عن مطالباتها، وهو ما بادرت إليه القاهرة عبر المسارعة إلى «استدعاء» وفدين من «حماس» و«الجهاد» إلى القاهرة للحؤول دون التصعيد.

هو عود على بدء إذاً، وتأجيلٌ بعد تأجيل، ما يحتّم على فصائل غزة الانزياح قليلاً إلى الرهان على منسوب أعلى من الضغوط، يكون كافياً لتليين موقف العدو ودفعه إلى تنفيذ التزاماته، بلا أعذار وتجزئة وتأجيل متواصل.


 

جميع الحقوق محفوظة © 2019 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه