شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2019-07-08
 

أثر الثامن من تموز في الأدب السوري «حدثني الكاهن الذي عرّفه»

الياس عشي - البناء

في العودة إلى الأحداث المفصلية في تاريخ الأمم والشعوب، لا بدّ من أن يتوقف الباحث الأدبي أمام أثر ذلك الحدث على الشعر والنثر، أسوة بوقوف باحثين آخرين على أثر الحدث ذاته على الفكر الفلسفي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو السياسي، أو كلّ ذلك مجتمعاً.

انطلاقاً من هذا المدخل أرى أنه قد حان الوقت كي نفتح في الثامن من تموز ذكرى استشهاد الزعيم أنطون سعاده، قوسين أدبيّين في زحمة المداخلات، والأبحاث، والمقالات السياسية والقانونية والحزبية، التي تضيق بها مِساحة المكتبات العامة والخاصة، مضيفين، إلى ما نعرفه، معلوماتٍ كانت غائبة، أو مطموسة، أو ضائعة، أو مكتومة في ذاكرة من عاش أو رافق، أو شارك، في ذلك اليوم الأسود من تاريخ لبنان.

الخطوط الأولى

ولقد وجدت أنّ أؤسّس لدراسة جدية تتناول الآثار الناشئة عن هذا الحدث. وهي، بالتأكيد، آثار غزيرة في الكمّ، ومتعددة في الصياغة، وهي تتراوح بين الشعر العمودي، وشعر التفعيلة، والقصيدة النثرية، وبين المقالة، والخطابة، والقصة، والمسرح، وأدب الأطفال.

في دراسة أدبية أولى، ستتبعها دراسات، سأتناول «حدثني الكاهن الذي عرّفه» للكاتب السوري القومي الاجتماعي المبدع سعيد تقي الدين.

بالعودة إلى مجموعته الكاملة الجزء الثالث – الخطب والرسائل – صفحة 51 ، نقرأ في حاشية «حدثني الكاهن الذي عرّفه» ما يلي: «خطاب لم يُلقَ، أُعدّ ووزّع في ليل تموز. استجوبني الأمن العام بشأنه في اليوم التالي، ودخل السجن بسببه عشرات الشبّان، ولكنه بعد ذلك، صار يُلقى علناً وينشر في الصحف».

استوقفني في الحاشية إرجاع النصّ إلى فنّ الخطابة، ولكنك، وأنت تقرأه، ترى نفسك أمام أديب بارع خرج على المألوف في الأسلوب الخطابي، ودخل في إبداعية الشكل والحوار والصياغة، وفي إبداعية قصصية بعيدة عن المتداول والمألوف، وعن الشكل الأكاديمي الصارم للقصة القصيرة.

إنّ سعيد تقي الدين يلتقط الحدث – الدهشة بواقعيته المميّزة، يلتقطه من ضيعة الكاهن التي قصدها مراراً لمقابلة «المحترم» الذي عرّف سعاده قبل تنفيذ حكم الإعدام به، ويلتقطه من الكاهن الخائف والملتاع والناقم: « ولكن صوته – أيّ صوت الكاهن – ولهجته وخشوعه وانفعاله وبكاءه، كلها تماوجت مع وقائع ما كان يرويه» «فإذا نحن وسعاده في السجن، في الكنيسة، في المقبرة، في حفرة من الأرض في المحكمة العسكرية في هدوء البطولة أمام الجلادين».

وتتوقف عن القراءة، تخشى، لو قرأتَ، أن تتعرّف على وطن يغتال مفكريه، وطن كانت عاصمته بيروت أمّ الشرائع، فصارت واحدة من محاكم التفتيش.

والقارئ الذي لم يتعرّف على الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولا على سيرة مؤسّسه أنطون سعاده يشعر أنّ قصة ما تولد على هذه الأوراق، وأنّ أزمة ما قد بدأت ملامحها بالظهور، وأنه لا بدّ من متنفس له كي يخرج من هذا السجن الذي وصل إليه الكاهن وأوصلنا معه ليرى ونرى معه، الزعيم في زنزانته «مفترشاً بساطاً من قذارة ورقع نائماً نوماً طبيعياً».

بتؤدة يقترب الكاهن من سعاده، ويطلب منه أن يعترف، فيجيب الزعيم: «ليس لي من خطيئة أرجو العفو من أجلها، أنا لم أسرق، لم أدجّل، لم أشهد بالزور، لم أقتل، لم أخدع، لم أسبب تعاسة لأحد».

إنه التواصل الوجداني الدافئ والحميم بين رجل دين ورجل فكر، بين شخصيتين آمن كلّ منهما بطريقته، واتفق الاثنان على أنّ الخير هو الدين الأسمى.

الپانوراما المأسوية

بعد هذا الحوار الراقي يدخل المشهد في پانوراما مأسوية تعيد إلى الذاكرة مشاهد تاريخية مماثلة، بدءاً بإعدام سقراط، وانتهاءً بكلّ شهيد من شهداء الفكر الحر:

1 – طلب سعاده، بعد خروجه من الزنزانة، وسوقه إلى مكتب السجن مكبّل اليدين، أن يرى زوجته وبناته، فقيل له «ذلك غير ممكن».

2- وطلب مقابلة الصحافيين، فأخبروه «أنّ ذلك مستحيل».

3- فسألهم ورقة وقلماً، «فرفضوا».

4 – قال: «إنّ لي كلمة أريد أن أدوّنها للتاريخ».

يقول الكاهن: «فسكتنا جميعاً، في صمت يُلمس سكونه، ويسمع دويّه».

منبر الخطابة

هنا تعود القصة لتقف على منبر الخطابة.

هنا يفسح سعيد تقي الدين في المجال لزعيمه كي يقف خطيباً: «أنا لا يهمّني كيف أموت، بل من أجل ماذا أموت. لا أعدّ السنين التي عشتها، بل الأعمال التي نفذتها. هذه الليلة سيعدمونني، أما أبناء عقيدتي فسينتصرون، وسيجيء انتصارهم انتقاماً لموتي. كلنا نموت، ولكنّ قليلاً منّا من يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة».

بهذا الخطاب أمام الكاهن، وضباط أجهش بعضهم بالبكاء، صار سعاده بطلُ القصة بطلاً ملحمياً، ولكنه بطلٌ من لحم ودم يدخل في ذاكرة الناس والأشياء الجميلة، ويستقرّ فيها إلى الأبد.

وبأسلوب هادئ ورشيق، يغادر أنطون سعاده منبر الخطابة، ويمشي باتجاه السيارة التي ستقلّه إلى مكان حدّد لإعدامه «بخطىً هادئة قويّة يبتسم كأن الإعدام شيء نُفذ به مرات عديدة».

وتتوالى الأحداث سريعة، وتصل الأزمة إلى ذروتها، والانفعال إلى أشدّه، حين يقول الكاهن: «في تلك اللحظة وددت لو خبّأته بجبّتي، لو تمكّنت من إخفائه في قلبي أو بين وريقات إنجيلي».

ويتكامل مشهد الموت، ويقسو، حين يمرّ سعاده قرب نعشه المصنوع من خشب الشوح «وتطلع الزعيم إلى نعشه، فلم تتغيّر ملامحه ولا ابتسامته».

وماذا بعد؟

1 – طلب للمرة الثالثة أن يرى زوجته وبناته الثلاث، وللمرة الثالثة رفض طلبه.

2 – عند وصول الزعيم إلى المكان المخصص لإعدامه قفز من السيارة، مكبّلاً، واتجه إلى عمود الموت.

3 – رضخ للقانون «فعصبوا عينيه».

4 – آخر كلماته «شكراً» قالها لمن أزال الحصى من تحت ركبتيه ثمّ تدلّى رأسه، وتمزّق جسده!

اللمسة المسرحية

وإذا كان سعيد تقي الدين قد استطاع ببراعته أن يزاوج بين القصة والخطابة بدون أن يقع في الاستطراد، فإنه في «مشهد الموت» سعى للمسة مسرحية لا ينقصها شيء لتتحوّل إلى مسرحية متكاملة في الزمان والمكان والأشخاص.

الخاتمة

وأخيراً لا بدّ من السؤال: هل التنوّع، في النصّ الواحد، يؤثّر على جمالية النص، وعلى هيكليته، وعلى مستقبله في الذاكرة الأدبية؟

الجواب نسبي، تحدّده صياغة الكاتب، وقدرته على الإمساك بمفاصل النص من بدايايته إلى نهاياته. ففي «حدثني الكاهن الذي عرّفه» امتزج الخطاب بالسرد بالمشهد المسرحي، وتنقل سعيد بين الواقع واللون، بين الوصف والحوار، بين الجمل القصيرة والأخرى الطويلة، ولكنه حافظ على وحدة الموضوع فلم يقع في الاستطراد، ولا في الإطناب، بل أرخى ثقله على الحدث الأساس الذي من أجله كتب النص، وهو إعدام سعاده في فجر الثامن من تموز.

وجاء هذا التنوّع، كما أرى، انتصاراً للنصّ، فذاع، وتناقله الناس، وقرأوه، وحفظوه، وانتشر كما النار في الهشيم.

**فصل من كتاب يعده الياس عشي يحمل العنوان ذاته.**


 

جميع الحقوق محفوظة © 2019 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه