إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

إلى سعادة في ذكرى استشاهده

يوسف عبد الحق

نسخة للطباعة 2019-07-08

إقرأ ايضاً


"كلنا نموت ولكن قليلين منا من يحظون بشرف الموت من أجل عقيدة" انطون سعادة.

فجأة، وبدون تفكير مسبق، طلب مني قسمي، ان أكتب اليك في ذكرى أستشهادك، وها انذا البي الطلب. يحتضنني شعور لا استطيع تفسيره! فقط استطيع ألقول ان في روحي توق، وفي نفسي شوق لأعود اليك...

اجدني كالعاشق المتيم، وقد غاب عنه الحبيب! إكفهرّ حولي الفضاء ودكنت سحب في الاجواء، فساقني قسمي اليك لاستسقي جرعة امل من نبعك الرقراق... ولاغذي نفسي الجائعة من ثمار جنائنك. تُرى، ماذا كان سيحدث لي لولا عشقي لك؟ ومن كنت سأكون لو لم اهتدِ الى مدرسة نهضتك؟ لا استطيع الاجابة، ولا تهمني الاجابة على ما كنت ساكون. فها انذا مشبع بفكرك، مقتنع بتعاليمك حتى نخاع العظم، واعلم جيدا أنني بك متيّم واعلم انك تعلم أنني بك متيّم!

تفتحت عيناي في حياتي هذه خلال نفس السنة التي في تموز من شهورها صلبوك أحفاد الحاخامات الذين صلبوا الفادي، فاعتقدوا انهم قتلوك! ولكنهم جهلوا انك شبهت لهم عندما اطلقوا على جسدك الرصاص، لكن روحك بُعِثَت حيةً وتجلت للعلا، حيث انت الآن وكل آوان والى دهر الداهرين!

وكانت أكثر الكلمات التي كنت اسمعها في طفولتي، غير دقات قلب امي، هي "تحيا سورية" يرددها شقيقي وجمع شباب، عشرات المرات كل يوم! ولولا تكرار تلقيني لالفظ كلمات الطفولة المعهودة لكنت نطقت ب "تحيا سورية"!

أنا مؤمن في وجداني، أن كل طفل يولد في امتنا، اذا انعدم من حوله تكرار الكلمات الموروثة ليقلدها، وتٌرك حرا لينمو ويتعلم، لكان سوريا قوميا إجاماعيا بالولادة! ولقد وضحت لنا أن ما أتيت به من فلسفة العصر وفكر الزمن الجلي هو من لدن أمتنا ليس إلا، وقلتها بوضوح تام: "أنا لم آتكم بالخوارق بل بالحقائق الراهنة التي هي انتم"! أي ان الحقيقة الراهنة هي سوريتنا بالاصالة، وطبيعي إذا، أننا نولد بنفسية مكونة من الحقيقة الراهنة، التي حدثتنا عنها! غير انه بعد ولادتنا الى هذا الكون، سرعان ما تبدأ عملية تلقيننا دروسا حفظها اهلنا عن اهلهم وهؤلاء عن اهلهم هم، واولائك ايضا عن جدودهم وجدودهم عن السلف، فنتعلم ما تعلموا، في المجتمع وفي المدرسة، بعميلة مركّزه – عن قصد او غير قصد - تهدف لغسل ادمغتنا من "الحقيقة الراهنة" واستبدالها بالتعبئة الملائمة لنزوات الاهل والمجتمع المحيط والمطابقة لغايات زعيم الطائفة – صاحب الفرارنشيز – وكل طائفة فرانشيز – شركة حصرية - يملكها متنفذ او متنفذون، يعتمدون على عملية "التثقيف" الطائفي في اولى سني الطفولة فنتدرج على تعلم الشوائب التي تتراكم في عقولنا لنصبح على قناعة بأن الذي تعلمنا ان نغني ونصفق له هو المرجع وهو المنقذ وهو القائد المهيب وهوالذي يرد الحيف عنا وهو البطل الذي يحمي الطائفة! وهو وهو وهو... وبعد ان تكتمل السيطرة على العقول، يكبر الشباب ويصبحون "حمّالة بواريد"! وكلما عاكس الحظ زعيم الطائفة ينادي "يا غيرة الدين" فينتخي الشباب للسلاح وتتدرب ميليشات وعساكر تُقاتل فَتقتلُ وتموت الى ان تأتي قدرة قادر ويتوقف الاقتتال، فيعود من تبقى من الشباب الى بيوتهم ويبقى سلاحهم معهم، لان "السلاح زينة الرجال" ويخبؤونه في مستودع الطائفة إلى ان يعود صوت الوالي الاعظم ثانية "يا غيرة الدين" فتتفجر براكين الحروب مرة اخرى و يستولي غضب الثأر على العقول ويغرق الوطن من جديد في بحر الدماء!

أما نحن، اتينا اليك، يا اشرف الشرفاء وابصر العلماء واحكم العقلاء، فزرعت فينا قوة التمرد على اصحاب الفرنشيزات ورسمت لنا دربا بديلا عن الطريق المؤدية الى حضائر العبودية، فتحررت نفوسنا من قيود الباشوات وانتصر فينا "الوجدان القومي"، وهو من اعظم إكتشافاتك العلمية والفلسفية والاجتماعية في هذا العصر، وتَوحّدَ ولاؤنا للارض التي عليها ومنها ومعها تكونت شخصيتنا السورية المميزة وتماهت نفوسنا في الروحية القومية الاجتماعية وارتقينا إلى عالم "الأمة الفاضلة" التي تصونها مزايا الاخلاق والتفاني، الأمة التي وحَدتَ أبناءها في عصبة الولاء الروحي، الأمة التي كل ما فيها خير وكل ما هي عليه حقٌ وكل ما يزينها جمال طبيعي!

لهذا طلب مني قسمي لاقول لك يا زعيمي، بوركت هذه الثروة الهائلة التي وهبتها لسوريانا، والتي نسجتها قيما ومبادئ سامية ومهرتها بدمائك الطاهرة تحت أجنحة فجرما زال يشهق امام عظمتك وقُبيل شفق الثامن من تموز الذي تلوّن من دمائك الى الابد، ومع نسيمات تطهرت بأخر نفس من انفاسك! وكلما عاد تموز ويومه الثامن تخمد اصوات الموج في المتوسط وتتصاعد حبيبات مشرقطات من رمال لامست ركبتيك، تتصاعد لتشعل الفضاء بريقا ساطعا يزين الكون، وترتعد الدنيا ثلاث عشرة مرة، ولكل رصاصة رعد يدوّي وسيبقى مدويا لكي تسمعه وتعيه أجيال لم تولد بعد، لانك انت الدهر القادم وغيرك في غياهب الماضي يعمهون!

اجدنا اليوم، أكثر من كل يوم، بحاجة للعودة اليك وللتواصل معك ولقراءة قسمنا مرة خامسة او عاشرة لا ادري، لان في العودة اليك نجد بلسما لجراحنا الروحية ونستمد قوة تعزز مسيرتنا، ولنعترف لك في عليائك، ان لا خلاص لكيانات امتنا من بحورالجهل والاقتتال والعبودية والخنوع ولا ينقذنا من سجون الطائفية والولاءات لاصحاب الفرنشيزات إلا الفُلك الذي صنعت لاجل أمة كادت ان تنقرض قبل مجيئك إلى هذا الكون لتنادي الذين يرغبون العبور أن يعتلوا سفينة الخلاص، فسمعنا نداءك وانقذتنا من الغرق المحتوم لكل امة غبية تأكل وتشرب وتتناحر وتقتل وتُقتل بالطائفية المستترة بالدين غطاءً والدين منها براء! ولقد علمتنا أن الدين أيمان بين الانسان والخالق العظيم، فوقيتنا من التخبط في مستنقعات الطائفية والكيانية وغذيتنا بعظمة نهضتك وتصميمها لبلوغ قمم النصر، وسنبلغ تلك القمم حيث سنقف امامك وقفة عز، وبصوت واحد، لا نشاز غربي او شرقي فيه، ولا دخل للاديان والمذاهب ، فقط بعزيمة الوجدان القومي نقف صفا واحدا، وبصوت واحد، وعلى أنغام "سوريا لك السلام سوريا انت الهدى" تعلو هتافاتنا السورية القومية ألاجتماعية: تحيا سورية ويحيا سعادة...

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019