إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الإنسان الجديد هو «الإنسان ــ المجتمع»

هبة جناد - الاخبار

نسخة للطباعة 2019-07-13

ينشغلُ العالمُ اليوم بباحثيه ومنظّريه في ما يتّصلُ بالعلوم الإنسانية بدرس «الإنسان الاجتماعي» وسلوكه والبحث عن سعادته، وقد تنوّعت فروع هذه المدارس بما لا يتّسع لذكرها في هذا المقام، وفي ظلّ الانهيار القيميّ والتفكّك المجتمعيّ وبالتالي المؤسّساتي في بلادنا، يبدو من المفيد أن نضيء على جانب من المدرسة النهضويّة التي أسّسها المفكّر أنطون سعادة لمناسبة مرور سبعين عاماً على اغتياله فجر الثامن من تموز 1949. سعادة الذي حدّد مطلبه الأسمى بالسعي «لحياة أجمل في عالم أجود وقيم أعلى»1 لم يتناول الإنسان كفرد مستقلّ، بل بوصفه «كائناً اجتماعيّاً» لا ينفصلُ عن محيطه ولا وجود لكينونته إلا بارتباطه بمجتمعه، ينحطّ بانحطاطه ويرتقي بارتقائه، يقول سعادة في مقدمة كتابه العلمي «نشوء الأمم»: «لقد كان ظهور شخصيّة الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النّفسيّة البشريّة وتطوّر الاجتماع الإنسانيّ. أمّا ظهور شخصيّة الجماعة فأعظم حوادث التّطوّر البشريّ شأناً وأبعدها نتيجة... وأشدّها تعقّداً»2، ولأنّ شخصية الجماعة «مركّب اجتماعيّ ـ اقتصاديّ ـ نفسانيّ»3 وجَب على الفرد الذي يمثّل أهمّ مكوّنات الحياة الاجتماعية وقائد مسيرتها نحو التطوّر والفاعليّة والإنتاج أو العكس «أن يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعورَه بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسَه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمَه نفسّية متّحده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه»4، ومن هنا كان اجتراحُهُ لمفهوم «الإنسان - المجتمع».

«الإنسان الحقيقيّ» لدى سعادة «هو المجتمع لا الفرد»، هو الكائن الحيّ عبر أجياله المتعاقبة، له الاستمراريةُ والبقاءُ والارتقاء، الخلودُ أو الفناء، وله سماتُه النفسية وقيمُه ومثُلُه، ولأنّه الناظمُ لمصالح الأفراد وما تفرزه من شرائع في السياسة والاقتصاد وغيرهما، أمّا الفرد بوصفه «مجرّد إمكانيّة إنسانية»5 كان لزاماً عليه أن ينخرط مع جماعته ويغنيها في رحلته القصيرة جداً نسبياً في هذا الوجود. نظر سعادة إلى الإنسان من «مستوى فكريّ جديد» يرفعه «من حدود فرديّته المنحصرة في إمكانيتها إلى مطلق اجتماعيّته المنفتحة على الكون»6.

بديهياً لم يوجد الإنسان منعزلاً، ما حتّم عليه التفاعلَ مع محيطه ليضمنَ مصالحه في البقاء والاستمرار ولاحقاً في الارتقاء، لا قيمة لأيّ إنتاج يقدّمه فكرياً كان أو ثقافياً أو ماديّاً إلا وَفق ما تستسيغُه وتحتفي به جماعتُه. من هنا صار محكوماً بخيارين: إمّا أن يسعى لنجاحه الفرديّ البحت الذي يفنى بفنائه وقد يتعارض مع نجاح المجموع فيسقط لاحقاً، أو أن يضمن أن يعود الخير العام عليه وعلى جماعته بالعمل لإنجاح المجموع. يرى سعادة أنّ «النجاح القومي العام هو مؤمِّن بطبيعته النجاح الفردي... إنّ غرض النجاح الفردي المادي هو السعادة التي لا يمكن أن توجد في المجتمع التعيس»7.

الإنسان الفرد لا وجود قيميّاً له إلّا بارتباطِه بالمجتمع المسؤول عن تحديد هذه القيم «شرط الحقّ، في الإنسانية، ليكون حقاً، أن لا يعلن نفسه ساعة ويختفي... لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به العدد، بل يمتدّ في المجتمع بلا حدود»8 وتسري هذه القاعدة على المثُل العليا في جميع أطوار نشوء المجتمع وتطوّره.

الإنسان الفرد لا ثراءَ نزيهاً له إلّا بارتباطه بالمجتمع «إنّنا نرى أنّ مبادئ النجاح الفردي غير المحدود تصل إلى الاصطدام بمبادئ النجاح القومي والاجتماعي... كما هو حال معظم الإقطاعيين وأصحاب الثروة في بلادنا الذين يأتمرون مع الرأسمال الأجنبي المدعوم بالسياسة الاستعمارية على استغلال ذلّ الأمة وسقوطها»9.

الإنسان الفرد لا وجودَ روحيّاً أو قانونيّاً له يُرضيه إلّا بارتباطه بالمجتمع «البناء الروحيّ فهو... نتيجة تفاعل عقول أبناء الأمة الواحدة وتمكّنهم من إظهار رابطة عقلية تربطهم في الشرائع والقوانين والتقاليد الاجتماعية واللغة والأدب والتربية»10.

الإنسان الفرد لا حرّية له ولا قوّة، ولا حياة راقية له ولا سعادة إلّا بارتباطه بالمجتمع، «لأنّ حياة الفرد مستمدّة من حياة المجموع»11.

لم يميّز سعادة في تناول الإنسان بين ذكر وأنثى، وإنْ كان أوّل ما يتبادر إلى ذهننا لدى بحثنا عن المرأة في أقواله: «لن يكون العملُ قومياً حتى تشترك فيه المرأة وتكون عضواً عاملاً فيه»12، إلّا أنّ سعادة في الواقع لم يُفرد درساً خاصّاً بالمرأة ودورها على الطريقة النسوية، بل تناول مجموع الأفراد المكوّن للمجتمع بكلّيته بصرف النظر عن الجنس والعرق والإثنية واللون والمذهب أو أيّ تصنيف فئوي آخر. لا نجد في آثاره كاملة حقوقاً تُمنح أو تُنتقص من فئة دون أخرى، ولا فرق لديه بين رجل وامرأة إلّا بمقدار ارتقاء رابطة هذا الإنسان بمجتمعه، وما يقدّم من فاعلية ويمتلك من كفاءة بوصفه «إمكانية فردية» في سيرورة الحياة الاجتماعية، والفيصل بينهما هو العدل. من الوجهة الحقوقية كفِل دستورُ حزبه في شروط العضوية لـ «كلّ سوريٍّ ذكراً كان أم أنثى»13 التساوي في الحقوق والواجبات، وكانت المرأة في حزبه الرفيقة والأمينة والمسؤولة والشهيدة. وبذلك يكون واجب المرأة أن تسهِم في البناء والنهضة كما الرجل تماماً: «وكما يجب على الرجل أن يعمل في سبيل أمتنا، كذلك نريد من المرأة أن تكون عضواً عاملاً في مجتمعنا»14. أمّا من الوجهة الاجتماعيّة فيقول سعادة: «الرجل والمرأة نفسان متّحدتان وملكان متساويان في الحقوق والواجبات… وإذا اتفق أن استبدّ الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل، فما ذلك إلا نتيجة انحطاط أخلاقي في المستبِد»15.

لن يكونَ لأمّة من الأمم بلوغُ المجد والرفعة بدون عمل مجموعها بكلّ مركّباته لتحقيق ذلك، وفق منظومة تكفل لكلّ فرد القيام بدوره الفاعل في هذا النهج. لأنّ «««إنسانية سعادة» إنسانية منظّمة مسؤولة لا فوضى مائعة»16.

إنّ الدارس لتطّور نظرة علم الاجتماع إلى الإنسان ما قبلَ سعادة وبعدَه، يُدرك تفرّد الرجل في طرح هذا المفهوم الجديد، ولا مجال لعقد المقارنات هنا. وإن كان التجديدُ سمةَ مدرسة سعادة الفكريّة فإنه لم يقتصر على هذا المفهوم الذي يستحقّ بحثاً مستقلّاً لإيضاحه بشكل جليّ، لذا من المُجدي الدعوة لإعادة قراءة نظرته الجديدة إلى الحياة والكون والفنّ والفلسفة والمجتمع وغيرها، التي أحدثت ثورة في عصره وما زالت حاجة ملحّة راهناً، علّنا ندرك عبقريّاً من بلادنا خسرتهُ أمّتُنا والإنسانية يوم الثامن من تموز.

المراجع

(1) الصراع الفكري في الأدب السوري – طريق الأدب السوري

(2) نشوء الأمم، المقدّمة

(3) المرجع السابق

(4) المرجع السابق

(5)الأعمال الكاملة، المجلد الثامن، نظرة سعادة إلى الإنسان

(6) المرجع السابق

(7) الأعمال الكاملة، المجلد الخامس، دروس قومية اجتماعية – النجاح الفردي والنجاح القومي

(8) الأعمال الكاملة، المجلد السابع، تعاليم وشروح في العقيدة – المجموع والمجتمع بقلم الزعيم

(9) الأعمال الكاملة، المجلد الخامس، دروس قومية اجتماعية – النجاح الفردي والنجاح القومي

(10) الأعمال الكاملة، المجلد الأول، الفلسفة الاجتماعية معنى الأمة وصفتها 1

(11) الأعمال الكاملة، المجلد الأول، التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي

(12) الأعمال الكاملة، المجلد الثالث، كلمة الزعيم في حفلة مديرية السيدات

(13) دستور الحزب السوري القومي الاجتماعي

(14) الأعمال الكاملة، المجلد الثالث، كلمة الزعيم في حفلة مديرية السيدات

(15) الأعمال الكاملة، المجلد الأول، نظرات في «المساواة» -5

(16) الأعمال الكاملة، المجلد الرابع، من عهد زينون إلى عهد سعادة


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019