إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أين البشر الذين يصنعون التاريخ؟

أدونيس - الاخبار

نسخة للطباعة 2019-07-15

أجِدُ في الذكرى السبعين لإعدام أنطون سعادة مناسبةً لإعادةِ التأمُّل في حدَثِ الإعدامِ ذاته، وفي الحزب الذي أسَّسَهُ ولا يزالُ قائماً، وفي طبيعةِ المرحلة السياسيّة ـــ الثقافيّة التي كانت سائدةً آنذاك، ولا تزال متواصِلةً بشكلٍ أو آخر.


أوجِزُ، اعتباراً واستبصاراً، ما يَنتُج عن هذا التأمّل، بالنسبة إليَّ، في النقاط التالية:

1. تَمَّ الحكمُ بإعدام أنطون سعادة، في محاكَمةٍ تفتقِرُ إلى احترام أبْسَطِ أشكالِ العدالة، واحترامِ القضاء نفسه، واحترامِ الإنسانِ وحقوقه. فلم يكُنْ هذا الإعدام عُدواناً على شخص اسمُه أنطون سعادة، بقدْر ما كان عدواناً على القانون نفسِه، وعلى القضاء، وعلى العدالة، وعلى الإنسان بوَصْفِه إنساناً. وفي هذا ما يشير إلى الخلل البنيوي في لبنان آنذاك، سياسياً وثقافياً وقانونياً.

2 . أحاط بهذا الإعدام ــــ العدوان صمتٌ لبنانيّ ـــ سوريّ في دوائر الأحزاب العلمانيّة نفسها، وبين المفكِّرين والمُثَقَّفين، من الاتّجاهات كلّها. صمْتٌ يدينُ الثقافة، والإيديولوجيّات، والعملَ السياسيّ نفسَه، عدا أنّه يُضمِرُ نوعاً من التّواطُؤِ ضدّ الفكر، وضدّ الحريّة، وضدّ الحقيقة. إضافةً إلى أنّه يخدم الطغيان والتبعيّة في مختلف أشكالهما.

3. كان هذا الصّمت برهاناً ساطِعاً على أنّ الإنسانَ في العالم الإسلاميّ ـــ العربيّ لا قيمةَ له، في حدّ ذاته، بوصفِه إنساناً، وعلى أنّه مجرَّدُ شيءٍ بين الأشياء، مجرّدُ وظيفةٍ، مجرَّدُ رقمٍ في جماعة، في قبيلة، في أمّة. والمصلحة، تبعاً لذلك أكثرُ أهميّةً من الإنسان ذاته، ومن الحقيقة والحريّة والعدالة. فانْتِماءُ الأفراد إلى طوائفِهم ومذاهبهم وأهوائها يتقدّم على انتمائهم إلى القضايا الفكريّة والإنسانيّة والوطنيّة، وعلى الحقوقِ والحريّات والقيم جميعاً.

وفي مناخ هذا الصمت وضوْئه ما يتيحُ لنا أن نرى كيف أنّ هذه السنوات السبعين التي مرَّتْ على هذا الإعدام كانت مَسْرَحاً مُتَواصِلاً لمختلِفِ أنواع التّصَدُّعات والانهياراتِ الإسلاميّة العربيّة، أفراداً وجماعات، يتوسّطُها الانهيارُ الفلسطينيّ الذي تتَوحَّدُ فيه، على نَحْوٍ مُفرَدٍ، الفاجعةُ التي لا مثيلَ لها في التاريخ الحديث، والمهزلةُ التي لا مثيلَ لها في التاريخ الحديث، هي أيضاً.

4. أليس في هذا كلِّه ما يفسّر العجزَ الإسلاميّ ـــ العربيّ عن بناء دولةٍ واحدةٍ بالمعنى المدَنيّ ـــ الإنسانيّ، وعن تحقيق أيّ تقدُّمٍ خلاّقٍ في أيّ ميدانٍ معرفيّ أو علميٍّ أو تقنيّ، إضافةً إلى انعدام المشاركة الإسلاميّة ــ العربيّة في بناء المستقبل البشريّ. وها هو العالم يشقُّ دروبَه عاليَةً، من دون حاجةٍ إلى ملايين العالمِ الإسلاميّ ـــ العربيّ، إلاّ بوصفِهم «جنوداً» و«وقوداً» ـــ وتابعين، طائعين.

أفلا يعني ذلك أنّ هذا العالمَ سائرٌ إلى الانقراض، بوصفِه حضارةً، كما انقرَضَت قبله أُمَمٌ كثيرة ـــ إلاّ إذا استيقظ على نحوٍ يقطَعُ نهائيّاً بين ماضيه السياسيّ ـــ الثقافيّ، وحاضره. وهي قطيعةٌ لا يمكن أن تتمّ خارِجَ الفصل الكامل بين ما هو دينيٌّ، وما هو سياسيٌّ ثقافيٌّ اجتماعيّ.

5. كلُّ مُمارَسةٍ لا تَقرأ الواقعَ في ضوءِ النظريّة، والنظريّةَ في ضوءِ الواقع، يتحوّلُ فيها الفكرُ إلى شكلٍ من أشكال التّدَيُّن، والتعليم الدينيّ، ويتحوّلُ فيها العملُ هو أيضاً إلى نوعٍ من الطقسيّة الدينيّة. وفي هذا الإطار، يمكن أن نصفَ الأحزابَ كلَّها اليوم، من دون استثناء، وفي مقدّمتها الأحزاب التي تنهضُ على القِيَم العلمانيّة، بأنّ «داءَ السّلطة» الذي ينخَرُ عقلَ العالم الإسلاميّ ـــ العربيّ، وروحَه، وجسمَه، هو نفسُه الذي ينخر الجسْمَ « المُعارض » ـــ أي ينخر هذه الأحزابَ كلّها، واحداً واحِداً.

في هذه المناسبة، تفرض التجربة التي أسّسَ لها أنطون سعادة، على كلّ فردٍ عامِل فيها، سؤالاً جذريّاً هو التالي: كيف أمارِسُ عمليّاً ما أرفضُه نظريّاً؟ وهو سؤالٌ يتخطّى هذه التجربة، بوصفها حزباً، ويشمل التجاربَ الحزبيّةَ الأخرى في العالم الإسلاميّ ـــ العربيّ: تجاربُ « تَحْبَلُ » بها أفكار التّقَدّم، لكنّ أفكارَ التخلُّفِ هي التي « تُرضِعُها ».

*أهناك قراءةٌ جديدة لرؤية الحزب في ضوء التجاربِ التي عاشَها، وفي ضوء التجاربِ التي عاشَتها وتعيشها المنطقة العربية؟ أهناك قراءةٌ جديدة لرؤية الحزب في ضوء التجاربِ التي عاشَها، وفي ضوء التجاربِ التي عاشَتها وتعيشها المنطقة العربية؟*


6. ينقَلُ عن أنطون سعادة أنّه قال في أواخِرِ أيّامه «أنا أموت، أمّا حزبي فباقٍ». وكان يعرف خيراً منّا جميعاً أنّ المهمَّ ليس البقاء بحدّ ذاته، بل هو كيفيّةُ هذا البقاء، وفي أيّ مستوى؟

هل بقيَ حزبُه «واحداً»، وما معنى هذه الواحديّة، اليوم؟

هل بقيَ مُجَزَّأً، وكم عددُ «أجزائه»، ولماذا؟

هل بقِيَ هذا الحزبُ مستقلاًّ حُرّاً سيِّدَ نفسه وإرادته، منفَتِحاً في الوقت نفسه على الجميع، حتى على الذين يخالفونه الرّأي، أم الأمرُ شيءٌ آخر؟

أهناك قراءةٌ جديدة لرؤية الحزب في ضوء التجاربِ التي عاشَها، وفي ضوء التجاربِ التي عاشَتها وتعيشها المنطقة العربية؟

أسئلةٌ أطرحُها من خارج، آملُ أن يعيد طرحَها بصيغةٍ أو بأخرى، من داخل، أولئك الذين لا يزالون عاملين فيه، مُحَيِّياً فيهم شجاعةَ البقاء والعمل ــ وأن يعيدوا طَرْحَها، فيما يتذكّرون التضحياتِ الكبرى التي قدّمها الحزب على مدى ثمانين عاماً، والآلامَ الكبرى التي عاشوها في بيوتهم وعائلاتهم، وفي أعمالهم وعلاقاتهم وأصدقائهم ـــ ثمناً لنضالهم الكريم الأبيِّ الفريد.

وآمَلُ، لمزيدٍ من الوضوح والجذريّة، أن يقترنَ طرْحُ هذه الأسئلة بقراءةٍ مُحيطةٍ لأحداث العالم العربي، منذ إعدام أنطون سعادة، وتحديداً منذ منتَصَفِ القرن العشرين المنصرم، من أجل أن يطرحوا أسئلةً جديدةً تفرضها هذه القراءة المُحيطة.

7 . أود أن أشارك في صياغة بعض هذه الأسئلة:

أ ــ هل العالمُ الإسلاميّ العربيّ في وضعه الراهن عدوٌّ للحريّة؟

أهو، إذاً، عدوٌّ للتغيُّرات الخاصّة ببنى المجتمع، وثقافته؟

ب ــ لماذا لا نجد في هذا العالم فَرْقاً بين «النظام» والمعارَضة - ثوريّةً أو غير ثوريّة، إلاّ في اللفظ، وإلاّ في الدرجة ــ لا درجة التحرُّر طبعاً، بل درجة التبَعيّة والاستعباد؟

ج ــ هل تمثِّل الحريّةُ المشكلةَ الإنسانيّةَ الأولى والكبرى في العالم الإسلاميّ العربيّ؟ وإذا كان هذا صحيحاً، فكيف يمكنُ الإنسان أن يفكّر حقّاً؟ وكيف يمكن أن يسيرَ حقّاً على طريق التقدُّم؟

طبعاً قبل هذا كلّه، يجب أن نثق دائماً بأنّ الإنسان هو في جوهره كائن خلّاق، وأن البشر الخلّاقين هم الذين يغيرّون العالم ويصنعون التاريخ.

(باريس، تمّوز 2019 )


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019