شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2019-08-02
 

الحرب على سوريا: التاريخ السري إن حكى

د. تيسير كوى

يقول أستاذ العلوم السياسية السابق إن قصة الحرب على سورية يجب أن تحكى على نحو دقيق وصادق. فقد بدأت هذه القصة قبل زرع دولة اسرائيل في منطقة الهلال السوري الخصيب وهو الزرع الذي كانت الحركة الصهيونية معنية في المقام الأول به وبمتابعته مهما كلف الأمر، ومعنية من ثم بتنظيم سير عملية الزرع على نحو يضمن بقاء اسرائيل سيدة قوية مهيمنة “إلى الأبد”. وأدرك أركان هذه الحركة بعد أن تم لهم إنشاء دولتهم في فلسطين أن السهولة النسبية التي أنشئت بها الدولة ستتاَكل مع مرور الزمن ومع نضوج صحوة الشعوب المحيطة بها. وتوصلوا بعد الدرس المعمق، الى أن هذه الصحوة يجب أن لا تتم، وإذا تمت فيجب أن تكون نصف صحوة أو صحوة عابرة سرعان ما تخبو ثم تموت بفضل الاجراءات المعاكسة اللازمة كافة. وبناء عليه عكف القائمون على هذ الدولة على تحقيق ما يحميها حتى تصبح بالفعل حقيقة راسخة نهائية لا يجرؤ أحد أو شعب على مجرد التفكير بإزالتها. ومنذ البداية كان لدى الإسرائيليين شك عميق في نوايا غيرهم تجاههم بما في ذلك نوايا أقرب المقربين لهم، لا سيما الذين ساهموا معهم في انشاء دولتهم، لهذا قرروا من البدء الاعتماد على أنفسهم بالمقام الأول والاستعانة بآخرين متى تطلب الأمر ذلك على أن يكون هؤلاء الآخرون أغبياء أوصالحين لتحويلهم الى أغبياء.


ومما تعلّموه من التجارب أن الثقة بأي شعب أو حاكم أو حكومة من شعوب أو حكومات دول العالم لا سيما الدول المحيطة بهم يجب أن تكون دائما عرضة لإعادة النظر وأن لا تكون أبدًا كاملة أو راسخة. تعلموا من تجربتهم في إيران، على سبيل المثال، أن لايركنوا الى نوايا أي دولة تقطنها أكثرية إسلامية محمدية أو دولة فيها حركات تحريرية تقدمية. فبعدما كانت إيران عونا وحليفًا موثوقا لهم انقلب الوضع بين ليلة وضحاها وأصبحت إيران في عداد أعداء اسرائيل والراغبين الجادين في القضاء عليها. وعليه من المنتظر أن تكون ثقتهم بتركيا دائمًا موضع إعادة نظر رغم أنها حليف رئيسي وموثوق به في الوقت الراهن.

إن بذور انهيار ما كان يسمى الاتحاد السوفياتي زُرعت فيما عُرف بربيع براغ (1968) الذي كان في جوهره تمردا فوضويًا مخربًا مدعومًا بقوة وموجهًا من حلف الناتو. وقد نجح هذا “الربيع” في إشاعة فكرة مفادها أنه بالامكان استخدام أسلوب هذا التحرك لتفسيخ الاتحاد السوفياتي أو تفكيكه وهو ما حصل بالفعل الى حد ما في النهاية. أما في الدول المحيطة باسرائيل مباشرة فقد عمد الاسرائيليون الى القضاء مباشرة أو مداورة على كل حركة قد تنجح في اشاعة الوعي في شعوب هذه الدول وتوحيدها ومن ثم إدخالها موحدة الى القرن العشرين وما يليه، أو اضعاف هذه الحركات. لقد نجح الاسرائيليون نجاحًا باهرًا وتمكنوا على سبيل المثال من إشعال “ثورات” في لبنان مستخدمين هشاشة الولاء الوطني العام فيه. ثم تمكنوا بعد ذلك من الضغط – ودائما بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية – على المملكة الأردنية الهاشمية لبعقد صفقة سلام معهم بعدما أفلحوا في عزل مصر ودول شمال أفريقيا كلها والسودان عن أي نشاط عملي فاعل ضدهم. أما مع دول شبه الجزيرة العربية فقد نشأت بين حكام تلك الدول وإسرائيل علاقات ود وتعاون سرية ثم علنية خاصة في مجالات الأمن. ومن ثم سجلوا نجاحًا باهرًا في اقناعهم بأنهم (أي اليهود) من أهل الكتاب الذين يقتصر خلافهم معهم على أمور عقائدية يمكن تجاوزها أو التغلب عليها بالحوار والنوايا الحسنة!

لم يبق أمام الإسرائيليين الا العراق وسورية وعلى هذا تكفّل الأميركيون، حلفاء اسرائيل الأساسيون، فحرضوا العراق على التقاتل مع حكام إيران الجدد الذين تخلصوا من الشاه، فوقع العراق في الفخ وقاتل الايرانيين عقدًا من الزمن تقريبا، بتأييد مطلق وشبه علني من حكام دول شبه الجزيرة العربية والولايات المتحدة، وبتأييد مبطن لإيران من الإسرائيليين والأميريكيين (عملية كونترا).

مع إخراج العراق من المعادلة المشرقية، بقيت سورية. وكان الإسرائيلييون قد توصلوا الى أن حكامها “لا يحلبون ولا يجلبون” وبناء عليه خططوا للقضاء عليها على نحو حازم نهائي عبر تفكيك الدولة السورية وإشاعة أجواء من البغضاء والحقد بين أبنا الشعب السوري. وقد استلهموا “ربيع براغ” الذي كان في رأيهم واسطة تفكيك الاتحاد السوفياتي وعليه فقد أشاعوا أن المنطقة العربية ستشهد ربيعا عربيا منظما يهدف إلى إحقاق العدل والمساواة والرخاء. لم يهم الإسرائيليون إلا أن يحل هذا “الربيع” في سورية فقط من دون الدول العربية كلها.

وقع اختيار الغرب على تركيا لكي تكون رأس الحربة في الحرب على سورية لقاء جائزة ثمينة هي جزء لا يستهان به من شمال سورية الغني بالماء والبترول والغاز في حال نجحت هذه الحرب في تفكيك الدولة السورية وجعلها دويلات صغيرة مذهبية متناحرة متقاتلة. تم اختيار تركيا لأسباب منها أنها عضو عريق قديم في الحلف الأطلسي وأن الأتراك كانوا يروجون جديًا لفكرة إحياء الخلافة العثمانية. يذكر في هذا المقام أن الإخوان المسلمين، أو بعضهم، يشير حاليا الى أن سورية والعراق كانتا “أملاك عثمانية يجب أن تعود عثمانية”. لكن ما غاب عن ذهن رجب طيب أردغان أن في الذاكرة السورية عن تركيا وعن الفترة العثمانية من تاريخ سورية ما لا يحبه أو يحن إليه أحد من السوريين الذين لا تكن الأغلبية الساحقة منهم بأي شعور بالولاء والمحبة للعثمانيين.

أما من جهة إسرائيل والحرب على سورية، فالهدف كان تفكيك سورية وإغراقها بعدد هائل من المحاربين المرتزقة وبعض من يحمل فكرة الخلافة الاسلامية. وكان التفكير الاسرائيلي- الناتوي أن نجاح خطة التفكيك في سورية سيمكن حلف الناتو من استخدام هذه الخطة عينها بعد ذلك في روسيا والصين والدول الأخرى كافة التي لا تريد أن تخضع للهيمنة الأميركية – الإسرائيلية أي لا تريد السلم الاسرائيلي الذي يضمن بقاء اسرائيل قوية مهيمنة على فلسطين وما حولها من أرض الهلال السوري الخصيب. وبالنظر لما حصل في إيران، يخطط الإسرائيليون في النهاية لتفكيك تركيا نفسها على اعتبار أنها دولة إسلامية قد يخرج منها “مارق معتوه” (بالنسبة لهم) من أمثال الإمام الخميني يغيرها من شيء الى شيء آخر ويبدل ولاءاتها على نحو جذري.

يقول أستاذ العلوم السياسية المتقاعد المطّلع على خفايا ما تتداوله أوساط حلف الناتو إن الإسرائيلي لن ينعم بهدوء البال حتى تتحول كل دولة يمكن أن تكون عدوة له، أو يمكن أن تعمل على إنهاء وجوده، إلى دويلات لا حول ولا قوة لها. يريد الإسرائيلي بالفعل أن يضعف الجميع وأن تبقى “دولته” هي “ذات الجلال والإكرام والخلود. ويتابع، المعروف أن يهوذا الأسخريوطي (يوداس) خان معلمه السيد المسيح. رجب طيب أردغان يخون بلاده وجيرانه إذ لا ينفك عن اشاعة الموت والدمار في سورية دون أن يرف له جفن. انه بالفعل يوداس المنطقة.

أنهى أستاذ العلوم السياسية حديثه فقال أن على تركيا بالذات أن تخرج من الحرب السورية من دون أي مكسب معنوي أو جغرافي أو سياسي لأن العكس يعني أن تركيا لن تكون أبدا جارًا صالحًا وآمنا لأي دولة من دول منطقتها لأن أي مكسب تحصل عليه سيعني أنها نجحت في معالجة مشاكلها الداخلية العميقة والعويصة من طريق شن عدوان لئيم دموي على جار مسالم من جيرانها بدلا من إعمال العقل والتعقل في هذه المعالجة.

*الفينيق*


 

جميع الحقوق محفوظة © 2019 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه