إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

إعادة تموضع

حسّان يونس

نسخة للطباعة 2019-12-30

يورد نذير فَنْصَه رئيس تحرير جريدة ألف باء الدمشقية الشهيرة وعديل حسني الزعيم وأمين سره الخاص في كتابه “أيام حسني الزعيم، 137 يوم هزت سورية”، رواية متعثرة لجريمة تسليم انطون سعاده إلى النظام اللبناني كي يلقى حتفه. وهو يحاول فيما بين السطور أن يلتمس الأعذار والمبررات لحسني الزعيم، فيذكر عدة مرات أن حسني الزعيم قدم وعودا قاطعة بأنه لن يسلم انطون سعادة، واقسم على ذلك بشرفه العسكري أمامه وأمام ابراهيم الحسيني، رئيس الشعبة الثانية في الجيش السوري وقائد الشرطة العسكرية آنذاك والذي رفض تنفيذ أوامر الزعيم بتدبير اغتيال انطون سعاده او تسلميه. وفي سياق هذه الرواية المتعثرة يذكر نذير فنصه بشكل عابر أن رياض الصلح رئيس وزراء لبنان آنذاك، كان نسيبا لمحسن البرازي رئيس وزراء حكومة حسني الزعيم وصديقه الحميم، وصاحب التأثير الطاغي عليه. فقد كانت عقيلتا رئيسي الوزراء في لبنان وسورية تنتميان إلى عائلة الجابري السورية الكبيرة. وعند هذه النقطة نفترق عن نذير فنصه وروايته لأيام سورية، لندخل فيما أورده صقر أبي فخر في كتابه “أعيان دمشق” متتبعين خيوط الحكاية التي نسجها صقر أبي فخر في تحليله لتأثير العائلات السورية الكبيرة والتي ورثت نفوذها من الإرث العثماني في نهاية القرن التاسع العشر .

وفقا لصقر أبي فخر كانت سورية ولا زالت تخضع، وان بشكل غير مباشر، لنفوذ تكتل عائلات تمثل استمرار مراكز النفوذ التي تكونت في العقود الأخيرة من عمر السلطنة العثمانية وهو تكتل عائلاتي تجمع سياسيا خلال مرحلة الانتداب الفرنسي وبعده فيما سمي “الكتلة الوطنية” وشكّل على الدوام حاجزا منيعا أمام أي طرح علماني ليبرالي في سورية ومحيطها. كان أول ضحايا هذا التكتل، الزعيم الوطني والمفكر العلماني الليبرالي الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الذي اغتيل عام 1940 م بتأثير فتاوى أصدرها مشايخ محسوبون على الكتلة الوطنية، وجرى تحميل مسؤولية الاغتيال قانونيا على بعض البسطاء الذين كانوا أدوات تنفيذ الجريمة فيما حمّلت شخصيات أخرى مثل أكرم الحوراني وصقر أبي فخر مسؤولية الجريمة أخلاقيا وسياسيا على زعماء الكتلة الوطنية سعد الله الجابري، لطفي الحفار وجميل مردم بك. اللافت أن اسم عائلات الجابري والبرازي يعود ليرد في ملابسات انهيار حسني الزعيم أمام الضغوط التي مورست عليه لتسليم انطون سعاده وتصفيته وفق لرواية نذير فنصه الواردة أعلاه، ما يعني أن هناك خيطا متصلا يربط حوادث اغتيال كافة الزعماء الذين فتحوا جبهة العلمانية في سورية وتتصل بداية هذا الخيط بهذا التكتل العائلاتي ذات التوجه الإسلامي المحافظ .

يقودنا هذا الخيط إذا ما تتبعناه إلى السبعينات، إذ انه بعدما تعرضت العائلات المذكورة لعملية اغتيال اقتصادي جزئي نتيجة عمليات التأميم التي تمت في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات عادت لتلملم أشلائها في السبعينات مع وصول الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى السلطة، حيث أدرك أن استقرار نظامه يحتاج إلى توافق، وتبادل مصالح مع الوسط التجاري المحافظ اللاعلماني في دمشق وكان ذلك، فجرى نوع من تقاسم السلطة مع الأوساط البرجوازية الدينية في سورية.

واستمر هذا التقاسم الذي افرز توازنا داخليا ظهرت نجاعته في مواجهة تحدي الإخوان خلال عقد الثمانينات ،استمر حتى مجيء الرئيس بشار الأسد إلى السلطة، حيث جرى الإخلال بهذا التوازن من خلال ظاهرة رامي مخلوف وشركته القابضة وما ارتبط به من احتكارات اقتصادية ضخمة زاحمت العائلات المذكورة في مجال الاقتصاد، ومع انهيار الاستقرار الداخلي والخارجي لسورية في العام 2011 ، ظهرت إلى الواجهة أسماء رأسمالية محدثة مثل سامر الفوز، وسيم القطان، حسام القاطرجي، محمد حمشو، خرجت من جوف الأزمة لتزاحم العائلات البرجوازية التقليدية ولتزاحم كذلك رامي مخلوف وتنال من هيمنته الاقتصادية.

إلى جانب تقليم أظافر العائلات البرجوازية المحافظة قبل الأزمة السورية وخلالها اقتصاديا، إلى جانب ذلك تم تقليم دورها المعهود في ضبط وتجييش المجتمعات السورية المحافظة من خلال إعطاء الضوء الأخضر لوزارة الأوقاف كي تتوسع وتتمدد وتمارس وصاية دينية على المجتمع السوري خارج إطار نفوذ البرجوازية السورية التقليدية، بالإضافة إلى إعطاء الضوء الأخضر لتنظيم القبيسيات كي يمارس التمدد هو الآخر، مع العلم أن تنظيم القبيسيات ينتمي كمنشأ، وكبيئة حاضنة، إلى ذات الوسط الدمشقي المحافظ، ما جعل هذه الأوساط البرجوازية المحافظة التي اعتادت فيما مضى اغتيال العلمانية وبعض رموزها مثل عبد الرحمن الشهبندر وانطون سعادة، ما جعلها في وضع إعادة التموضع والتقاط الأنفاس ومحاولة العودة إلى التأثير من خلال الأطر التي أتاحتها التوازنات الجديدة، وهو ما يعني أن سورية عادت إلى مخاض من غير الممكن تحديد مولوده فيما إذا سيكون ذا ملامح علمانية أم لا.

هل سيستطيع التكتل اللاعلماني المعروف تاريخيا التقاط أنفاسه والتلطّي خلف وزارة الأوقاف أو القبيسيات أو سواه من التنظيمات الدينية المتآلفة مع النظام لممارسة دوره في منع انبثاقة علمانية في المجتمع السوري أم أن الانبثاقة العلمانية ستجد طريقها إلى النظام السوري بالرغم من المظاهر الدينية التي يتعمد النظام إلصاقها بنفسه؟ وهل هذه المظاهر الدينية هي مجرد قوى وظيفية تجتهد كي تتقمص دور التطرف في محاولة لملء الفراغ في المجتمعات المحافظة لا أكثر؟

* الفينيق *


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2020