شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2020-01-28
 

على طريق أبجدية فلسفة سعادة (2) الروح في الفلسفة المدرحية

حنا الشيتي

‌أ الروح وعالم الغيب

ذكرنا في الحلقة السابقة أن الفلسفة المدرحية هي فلسفة وجودية لا تتدخل في ما وراء المادة ولا في مسائل الإيمان الديني. لكننا نعرف عن سعادة قوله أن الحياة ذات أساس مادي-روحي، وقد أطلق على فلسفته إسم الفلسفة المادية-الروحية، أو المدرحية، وفاقاً لكونها تسير على هذا المبدأ. فهل يشكِّل هذا الإقرار بوجود الروح أي انتقاصٍ مما تعلنه عن حياديتها في المسائل الدينية؟ إذا كان الجواب بالنفي، وهو كذلك، فهل الروح التي يؤمن بها المؤمن برب العالمين هي غير الروح التي تقول بوجودها الفلسفة المدرحية؟ وإذا كان الجواب على هذا أيضاً بالنفي، وهو كذلك، فكيف توفِّق الفلسفة المدرحية بين المقولتين؟

الحقيقة أنه قد أثار هذا التضارب الظاهري ولزمنٍ طويلٍ إرباكاً كبيراً للعديد من تلاميذ سعادة الذين انبروا لشرح فلسفته بعد اسشهاده. ولعل ذاك الإرباك مرده إلى أن الفلسفات الغربية التي تسلِّم بوجود الروح هي بمجملها فلسفات دينية تتبنى بالضرورة المدلول الديني. فظن أولئك التلاميذ، الغارقين في الفلسفات الغربية، أن الإقرار بالروح هو أيضاً إقرارٌ بعالم الغيب، مما يضع الفلسفة المدرحية في تناقضٍ مع نفسها بين قولها بأنها فلسفة وجودية وبين إقرارها بوجود الروح، ووقعوا في حيص بيص. بعضهم تغاضى عن مدلول الفلسفة المدرحية للروح وتفادى البحث فيه، وبعضٌ آخر راوغ، وآخرٌ شطَّ يساراً، باحثاً عن تفسيرٍ لفلسفته بين مذاهب الفلسفات المادية. فإذا بالروح عندهم - في أفضل الأحوال، تأخذ معنى الوعي، بينما يحصره آخرون بالقيم المجتمعية، وغيرها تفسيرات كثيرة، لكنها كلها هي في جوهرها ليست إلا تفسيرات مادية، نافية للروح. نعم، القيم المجتمعية هي قيم روحية بطبيعتها، لكنها ليست هي والروح شيئاً واحداً. وكذلك الوعي، الذي هو ظاهرة من الظواهر العقلية في الإنسان، لكن الروحَ خاصةٌ نجدها في كل مظهر من مظاهر الحياة، سواء الإجتماعية منها وغير الإجتماعية، والعاقلة وغير العاقلة. وهذا يعني أن الروح ليست موجودة في الإنسان حصراً، بل أيضاً في الحيوان والفطريات والنبات. يقول سعادة أن ألإنسان ليس إلا مظهراً من مظاهر الحياة العامة، ولا بد بالتالي من جعل السؤال "من أين جاء الإنسان؟ ضمن سؤالٍ أوسع: من أين جاءت الحياة؟"(1)

ما يغيب عن بال أولئك المرتبكين، أن الروح ليست شيئاً مقيماً في عالم الغيب، يتوهمه المؤمنون وينكره العلمانيون. بل على العكس تماماً، فما الروح إلا هذه الحركة الذاتية المعبرة عن الحياة، أو الدالة عليها في الجسم الحي! كما يقول سعادة، الحياة تفعل ذاتياً من الداخل، وأنها ""تنمو وتنتعش وتمتد وتتسع"(2). الكائن الحي يتنفس ويشرب ويسعى، اما الجسم الذي فقد الروح وفارق الحياة، فهو جثة هامدة لاحراك فيها، وقد تحولت لمجرد كتلة من عناصر عضوية. الروح موجودة في كل كائن حي، وكل إنسان يعرف هذا. فإذا كان الشرطان الضروريان لإقرار الحقيقة هما: الوجود والمعرفة، فقد إستوفت الروح هذين الشرطين لفرض حقيقتها في هذا العالم لا في عالم الغيب وحسب. الخلاف بين المؤمنين، وغير المؤمنين هو على مصدر الروح ومصيرها بعد الموت، وليس على وجود الروح. أما الفلسفة المدرحية، فبدل أن تتدخل في المسائل الخلافية التي لا مجال للبت فيها بالمعرفة الإنسانية، تبني على ما هو لا لبس فيه بأن الروح حقيقة فعلية من حقائق الوجود، وبأن الحياة هي مركب من روح فاعلة في عناصر عضوية. ولما كانت الكيمياء، كما يذكِّرنا سعادة، قد أثبتت "وحدة العناصر (المادية) الّتي تؤلّف ما هو عضويّ وما هو غير عضويّ" (3)، نخلص إلى النتيجة أن الحياة ذات أساس مادي-روحي.

‌ب الشعور والروح

لو توقفنا عند هذا الحد لا نكون قد أضفنا إلى معارفنا شيئاً كثيراً، ولا حصلنا على أي فائدة عملية. فإذا كنا نسعى لفهم العلاقة التفاعلية بين الروح والمادة، والدور الذي يقوم كلٌ منهما فيها، لا بد لنا أولاً من أن نمهد لهذا بدرس خصائص الروح والنواميس التي تجري عليها. وهو ما سنفعله في ما يلي من هذا البحث، على أن نتقدم إلى درس العلاقة التفاعلية في الحلقة المقبلة.

صحيح أن الروح ليست شكلاً نتمكن من قياس أبعاده، أو شيئاً نزينه بالإرطال والأواقي، لكنها كحركة يمكننا تمييزها من خلال تتبع نهجها وفعاليتها. ولعل القول التالي لسعادة يعطينا مثالاً على ما أعني: "... وأشار (الزعيم) إلى الروحية الموحّدة في شعور واحد وفكرة واحدة، والظاهرة في مظاهر الشبيبة وفي كلام الخطباء"(4). الواضح هنا أن نهج كلام الخطباء وتفاعل الشبيبة مع كلام أولئك دلَّ على الروحية الواحدة التي اشتركوا فيها جميعاً. وعلى هذا فأفعال الإنسان، أنَّى تكون مراميها، والتي بإمكاننا تبيُّنها بسهولة، هي في طبيعتها ليست إلا تعبيراً عن الروح الفاعلة فيها، والتي هي أيضاً تعبيرٌ عن الحياة. لكن يثير اهتمامنا قول سعادة بأن الروحية الواحدة هي وليدة الشعور الواحد، ويهمنا أن ندرس العلاقة بينهما. هذا وسوف نعود بعدها لدرس اشتراك عامل "الفكرة الواحدة" مع الشعور في توليد الفعل، والذي اسقطناه هنا عمداً تسهيلاً للبحث.

والحقيقة أن "الشعور" كما "الروح" خاصةٌ أساسيةٌ في الحياة، نجدها في كل كائناتها، وتبقى مقتصرة عليها حصراً دون الجماد. فكما أن "الروح" خاصة لا نعرفها إلا في الحياة، كذلك هي خاصة "الشعور". وقد قال الشاعر "ما لجرحٍ بميتٍ إيلام"، أي أن الميت لا يملك القدرة على الشعور بالألم مهما عظم. أما العلاقة بين "الشعور" و "الروح" فوثيقة جداً، واستعمال سعادة لهما، يبدو وكأنه يعتبرهما شيئاً واحداً أو مترادفين، كما في قوله مثلاً أن ""القوميّة هي الرّوحيّة الواحدة أو الشّعور الواحد المنبثق من الأمّة" (5). لكن التدقيق أكثر واستقراء المعنى الذي يريده من سياق الكلام في النصوص، يظهر أن سعادة يعتبر العلاقة بينهما كتلك التي بين الفعل والقوة. فإذا كانت الروح هي االحركة الذاتية أو الفعل الداخلي للحياة، فالشعور هو قوة الحياة المولِّدة للحركة فيها. وهكذا فبينما يقول سعادة هنا بأن الروح قد ظهرت في أفعال الخطباء والشبيبة، هناك قول له يذكر فيه أن الشعور هو من قوى الحياة. في محاضرته الثانية يقول سعادة: ""أوضحت بالمقاييس المحصورة هذه القوة (قوة الحياة)، قلت إنها قوة السواعد الحرة، قوة القلوب، قوة الشعور، قوة الإحساس المرهف، قوة الأدمغة، قوة التفكير والتوليد والإبداع والتصور" (6). واعتقادي أنه يمكننا القول بأن الروح هي الشعور مفعَّلاً، أو القول بأن الشعور هو الروح بالقوة. الشعور هو القطب السلبي من حركة الحياة والروح هي القطب الإيجابي منها.

لقد أثبت العلم أنه حتى الخلايا البيولوجية تعمل على حفظ بقائها، رغم أنه على هذا المستوى البدائي، تتقلص الحياة وتمتد طبقاً لتحسساتها الآنية. وهذا يعني أنها تجمع ما بين قوة الشعور بالحاجة لاستمداد مقومات بقائها من المحيط، وبين الحركة الروحية الظاهرة في العمل على سدها. أما إذا وجّهنا نظرنا إلى عالم الحشرات والحيوانات الدّنيا، فإنَّنا نقرأ في كتاب نشوء الأمم أن دافع البقاء المولد للحاجة إلى حفظ النّوع هو أظهر خصائص اجتماع الكائنات الحية في ذاك العالم (7). وهذا لا شك ارتقاء عما قلناه عن الخلايا البيولوجية، إذ لم تعد مقتصرة على التحسسات الآنية، لكن تبقى جميع الأعمال التي تقوم بها هذه الكائنات وليدة الشعور بالحاجة. كذلك يشير سعادة في ذلك الفصل من الكتاب إلى حقيقة هامة تجعلنا نفهم الشّيء الكثير من أسباب تصرّف تلك الحيوانات والحشرات وفي مقدمتها "أنّ الأفعال الدّماغيّة وما ينتج عنها من الأعمال كالسّعي في طلب الغذاء والاعتناء بالنّتاج تزيد وتنقص في الحيوان الجنسيّ (الملكة) وفاقاً لنقص أو زيادة أسباب العناية بالنّتاج" (8). وسوف نجد أن هذا الناموس يبقى مستمراً، وإن مُطرَداً، في أفعال الإنسان.

‌ج الشعور والفكر

كنا قد أسقطنا عامل "الفكرة الواحدة" من قول سعادة فوق، ولا بد لنا من درس تأثير هذا العامل أيضاً، كي نكوِّن ولو فكرة عامة عن التطور الذي أحدثة ظهور الفكر في حياة الإنسان، ومكنته من إحداث هذا الفارق الهائل، بين مجرى حياته وسائر الكائنات الحية. والحقيقة أن الشعور والفكر هما بعرف سعادة كلٌّ نفسي(9)، بل إن سعادة يعتبر بأن ""الشعور الإنساني ذاته متصل بالفكر اتصالا وثيقا في المركب العجيب الذي نسميه النفس" (10)، وعليه فقول سعادة هذا مؤسَس على العلاقة البيولوجيّة المثلّثة الأضلاع: الجسم ــ النّفس ــ المحيط، التي تفيدنا بأن النفس هي ما يولد أفعال الإنسان كلها.

ما زلنا إلى الآن نتحدث عن الروح والشعور في حياة الفرد، لا في حياة المجتمع، لكن ما أن نُدخِل عامل الفكر إلى بحثنا، يصبح لا مفر لنا من أن نعطي هذه العناصر النفسية كلها بُعدها الإجتماعي. والسبب ليس فقط لأننا عبثاً نحاول، فلن نجد الفرد إلا في المجتمع، بل إننا حتى لو تخيلنا ذلك الفرد، فلن نتمكن من تصوره أعلى بكثير من الحالة الحيوانية بصرف النظر عن قوة ذكائه أو حتى نبوغه الفطري التي نود تخيلها فيه. فالمعرفة التي يكون الإختبار المباشر مصدرها الوحيد تبقى محدودة وابتدائية. أما الفرد، كما نعرفه فيتلقى كل معارفه، وقيمه ومناقبه من مجتمعه.

الحاجات النفسية

يشترك الإنسان مع سائر الكائنات الحية في كون الكثير من أفعاله هي بدافع إرضاء شعوره بالحاجات المادية والبيولوجية، فنقرأ بالتالي لسعادة القول أنه "حين يجوع الإنسان يريد أن يأكل وحين يعطش يريد أن يشرب وحين يشتاق يريد أن يحبّ"(11). لكنَّ إزاء الإستمرار في تطبيق هذا الناموس هناك أيضاً إطرادٌ عنه، إذ تتولد في الإنسان حاجاتٌ نفسية أي شعورية وفكرية، تدفعه أيضاً للعمل على إرضائها. مثالٌ على هذا قول سعادة بأنّ "تأثير امتلاك أرض أو عقار في شخصيّة الممتلك شديداً جداً، بل إنّ الأرض أو العقار جزء من شخصيّته، ... بل أهمّ منه" (12). ويفيدنا هذا ان أفعال الإنسان، منذ بدايات تطوره، لم تقتصر على دافع الشعور بالحاجات المادية والبيولوجية كما هي الحال مع الحيوان. فأهمية الأرض بالنسبة للإنسان مثلاً تدفعه ليس فقط للإعتناء بها، بل أيضاً للقتال دفاعاً عنها، حتى الموت في سبيلها أحياناً، لأنها " أهم منه". وبدهي أن قيامه بعملٍ كهذا لا يكون بدافع سد حاجة بيولوجية أو مادية يشعر بها، بل نتيجة إدراكه (العقلي)، أنه لولاها لكانت طريقة معاشه، وشخصيته، ومرتبته ونوع حياته وحياة عائلته، على غير ما هي، وعليه بالتالي أن يعمل ليحتفظ بها، تماماً كما يعمل ليحافظ على حياته. وهكذا نجد أن تدخل الفكر هو ما مكَّن الإنسان من الربط بين الأرض وبقاء نوع حياته، فولَّد الدافع لحفظ ألأرض مضافاً إلى دافعه لبقاء حياته. وهذا يعني أنه دافع شعوري- فكري، أي نفسي.

والحقيقة أن حاجات ومطالب الإنسان النفسية قد بدأت بالظهور ما أن إبتدأت قدرته على الإدراك. ويبدو أنه احتاج أن يعبر عن سروره وحزنه وزهوه وخوفه، وما شاكل فأخذ "ينقش في الطّبيعة ويحفر في كهوفه، على الحيطان، وعلى الأدوات العاجيّة والعظميّة رسوماً جميلة تدلّ على سلامة ذوق، وقام بقسط كبير من صناعة النّصب" (13).

دافع الإرتقاء

لكن حياة الإنسان كما نعرفها اليوم، لا تقتصر على سد الحاجات والقيام بما هو ضروري فقط. فهذه مرتبة من العيش تستقر عليها الجماعات المتوحشة والبدوية، التي يكون اجتماعها بدائياً، لا الجماعات الثقافية التي تنشئ المدنية وتشيد العمران، والتي ما كانت لتتمكَّن أساساً من تحقيق هذا التقدم لولا دافعها للإرتقاء. وفقاً لسعادة، صحيح أن الإجتماع البشري أمرٌ ملازمٌ للبشرية او حتى قد يكون موروثاً من اجتماع سابق للطور البشري (14)، إلا أنه على نوعين. الأول، وهو الإجتماع البدائي ورابطته الإقتصادية هي رابطة الدم، واكبر ما تصل اليه هذه الجماعة هو القبيلة، إذ تتراخي بعدها أواصر الاجتماع لانعدام الغاية الاقتصاديّة منها ولعدم فائدة القرابة الدّموية في حاجة من حاجات الحياة(15).

أما الثاني، وهو الإجتماع الراقي ورابطته الاقتصاديّة الاجتماعيّة مستمدّة من حاجات الجماعة الحيويّة للارتقاء والتّقدّم بصرف النّظر عن الدّم ونوع السّلالة (16). فبدل أن تصطدم أو تطرد هذه الجماعات المتجاورة بعضها بعضاً، تنجح في إقامة نظامٍ إقتصادي إجتماعي ينظِّم التعاون والعمل فيما بينها، للتفاعل وتمتزج في وحدة واحدة مكونة جماعةً أكبر. اما دافعها إلى هذا فهو حاجتها إلى الإرتقاء والتقدم، فسدّ حاجة الجوع والبرد مثلاً يسهل جداً في الإجتماع (17). وبدهي أن الإجتماع الذي قوامه نظام، هو شأنٌ ثقافيٌ بحت، ومن هنا نفهم قول سعادة المشهور " المجتمع معرفة"! بل إن سعادة يذهب أبعد من هذا، ليقول أنه " كلّما ارتقى المتّحد في ثقافتيه الماديّة والعقليّة ازدادت المصالح المعيّنة الّتي من شأنها ترقية الحياة الجيّدة وتجميلها (18)". ولعل هذا ما دفع سعادة لمباشرة عمله الكاد والدؤوب، لإطلاق تيارٍ ثقافيٍ من الأدب، والشعر، والموسيقى، وسائر فروع الفن في سورية، بالتزامن مع مباشرة عمله لتأسيس الحزب. فإذا كانت غاية هذا بعث نهضة سورية قومية أجتماعية، تعيد إلى الأمة حيويتها وقوتها، فغايته من التيار الفكري الذي أراد إطلاقه هو إزاحة الغبار عن نفسية أمةٍ ممتازة بمواهبها، متفوقة بمقدرتها، وغنية بخصائصها، وإظهار رقي وقوة وبداعة تركيب نظرتها الجديدة الى الحياة والكون والفن. فارتقاء الفكر هو شرطٌ لإعادة حيوية الأمة، والعكس صحيح.

في مقالة "أدب الكتب وأدب الحياة"، يقارن سعادة بين هذين العاملين. فمن ناحية يشير إلى التخبط والفوضى الذي كان آنئدٍ يعاني الأدب السوري منه، بعامل الحياة الضيقة الأفق والتقاليد البالية. فيذكر كيف حالت هذه دون توجه القوة الفكرية والعاطفة النفسية نحو مثال أعلى تنعكس صورته على صفحات الكتب الأدبية. ويعطي صورة عن الحياة الحبية في محيطه، والتي يعدها من أهم عوامل الشعر، فإذا "بالقدود والخدود والنهود تؤلف العامل الأقوى في شعور الشاعر ومخيلة الروائي، ... وهي أقرب ظواهر الإنسانية إلى ظواهر النفسية الحيوانية" (19)، كما يقول. ثم من ناحية أخرى يشير إلى جبران خليل جبران "الذي خبر أنواعاً من الحياة أرقى من النوع أو الأنواع المعروفة عندنا وتمكن من إيجاد أدب جديد وإنشاء مدرسة أعطت نتائج غنية بالجمال النفسي وأثرت على البيئة الذي خرج منها وامتد تأثيره إلى جميع الأمم التي يحيط بها نطاق اللغة العربية" (20).

كذلك يقدم سعادة نموذجاً آخراً هو واغنر، الموسيقي الألماني المبدع. فيذكر كيف أن موسيقاه مرتبطة بالقضايا النفسية والفلسفية المنطوية عليها حياة أبطال أساطير بلاده، وأن شعوره نفسه مستمد من نظرة النهضة الألمانية إلى الحياة والكون والفن، وفهمه لها وللمزايا القومية في شعبه جعلته يرى ويبرز تلك المثل العليا الفلسفية التي نراها تمثيلا ونسمعها ألحانا وأناشيد في أعماله. ثم يخلص سعادة إلى القول إلى أنه "يصعب على الدارس المفكر تصور وصول واغنر إلى ما وصل إليه من غير اتصاله بخطط النفس الألمانية وتأثره بنظرة إلى الحياة عالية وإحساس عميق بقضاياها، ومن غير نشأته ضمن العوامل النفسية التي أعطت ألمانيا اتجاهها الصعودي"(21).

في كتاب نشوء الأمم، نقرأ لسعادة قوله أن ""الحبّ الجنسيّ، مثلاً، هو أشدّ من مصلحة، هو حاجة بيولجيّة، والجوع كذلك حاجة بيولجيّة ولكنّ سدّ الجوع مصلحة ترتقي أو تنحطّ، وإرواء الحبّ مصلحة ترتقي إلى أعلى مراتب النّفسيّة وتنخفض إلى أدنى مراتب الحيوانيّة ــ البيولجيّة" (22). إضافة لهذا القول العلمي لسعادة عن الحب، فهو في مناسبات أخرى، يعطينا رأيه الفلسفي فيه. فمن مزايا الحب عنده أنه " الدافع نحو المثال الأعلى (23)"، وأنه "متى وَجد الإنسان الحب فقد وجد أساس الحياة والقوة التي ينتصر بها على كل عدّو ويذلِّل بها كل صعب" (24). فالحب في عرف سعادة هو ""اتحاد فكرٍ وشعورٍ، واشتراك نفوسٍ في فهم جمال الحياة وتحقيق مطالبها العليا (25)".

أعتقد أن ما أوردناه يعطينا فكرة عامة بأنه بارتقاء الفكر ترتقي معه المشاعر بل النفس الإنسانية، فيتوسع أفق المطالب الإنسانية ويعلو. لكن هذا كله منوط أيضاً بارتقاء الحياة الإجتماعية نفسها، والقضايا التي يواجهها المجتمع، إذ لا بد لنا من إبقاء العلاقة بين الفرد والمجتمع واضحاً. صحيح أن المجتمع لا يحتم على الفرد الفعل، إلا أن هذا يبقى محدوداً بالإمكانات التي يقدمها الأول، والقضايا التي يطلبها. أعتقد أيضاً أن هذا يكفي للدلالة على أن مطالب الإنسان تزداد وترتقي كلما تقدمت حياته وارتقت نظرته إلى الحياة والكون والفن؟ النفوس الراقية القوية لا تنفك تطلب الحق والخير والجمال.

المصلحة والإرادة

بناءً على ما تقدم، لا يعود حتى من الجائز أن نقول بأن أفعال الإنسان ناتجة عن شعوره بالحاجة فقط، إذ تتولد عنده مطالب نفسية ومادية بعامل دافعه للإرتقاء إضافةً لدافعه بالبقاء. وهذه المطالب هي ما يسميها سعادة بالمصلحة، والتي هي عنده كما يقول، ليست " دائماً وليدة الشّعور بالحاجة ولا هي والحاجة شيئاً واحداً"(26)، وأيضاً لا يعني بها، المفهوم المادي أو المنفعة المادية أو "المصلحة القريبة"(27). يقول بأن المصلحة " تشمل ما يتعلق بالنفس وما يتعلق بالعيش والكسب والأغراض المادية أو الحيوانية. المصالح ليست، بروحها، منافع مال أو بضاعة أو تجارة أو شيء من ذلك، المصالح هي كل ما يرى الإنسان في الحقيقة تحقيقاً لجمال وجوده، تحقيقاً للغايات السامية ولجميع الغايات التي تجعل حياته جميلة ومطمئنة. فالمصالح إذاً ليست مجرد منافع، المصالح هي مصالح الارتقاء والفن، مصالح جمال الحياة كما هي مصالح الاقتصاد والصناعات والتجارة، المصالح المادية التي يتوقف عليها المجتمع ماديا"(28). باختصار، هو يقول بأنها في معناها الواسع "تشمل كلّ ما تنطوي عليه النّفس الإنسانيّة في علاقاتها" فهي "طلب حصول ارتياح النفس" (29).

وكما نجد إطراداً وإرتقاءً في الحاجات والمطالب، وفي طرق سدها، كذلك نجد ارتقاءً في تنفيذها، إذ لا تبقى افعال الإنسان غريزيِّة أو طبيعيِّة، بل تصبح كلها خاضعة للإرادة في العقل. يقول سعادة أن الإرادة ما هي " إلاّ التعّبير عن الحياة" (30)، وأنه بينما تكون "المصلحة طلب حصول ارتياح النفس"(31)، يكون "تحقيق ارتياح النّفس هو غرض الإرادة" (32). كذلك يقول أن "الإرادة على قدر المصلحة، وكلّما كانت المصلحة أساسيّة دائمة كانت الإرادة كذلك" (33)، وأنه ""لا إرادة حيث لا مصلحة" (34).

وقد يسأل سائل أنه إذا كانت الإرادة على قدر المصلحة، فلا بد لهذه العلاقة أن تقف عند حد، خصوصاً وأن النفس بطبيعتها جمَّاحة، ولن تتمكن الإرادة موافاتها في كل شطحاتها؟ والجواب على هذا هو طبعاً هناك حد، إذ لا بد ان تكون للإرادة القدرة أو الإستعداد لتحقيق المصلحة. وهكذا مثلاً نقرأ لسعادة قوله أن "العوامل الفاصلة في حياة البشر وتطوّرها هي العوامل النفسيّة والفرديّة، الّتي، مع أنّها تتأثّر كثيراً بعامل البيئة، إمّا أن تستفيد من القاعدة الطّبيعيّة، شأن الجماعات الرّاقية، وإمّا تهملها على حسب استعدادها وإراداتها"(35). إذن لا بد من وجود الإستعداد، بل لا بد من وجوده بشقيه: الإستعداد النفسي والإستعداد المادي. يقول سعادة ان "القوة النفسية، مهما بلغت من الكمال، هي أبداً محتاجة إلى القوة المادية، بل إن القوة المادية دليل قوة نفسية راقية". " لا يمكننا بالمنطق وحده ... أن ننال الحق". "لذلك كان اتجاهنا نحو إنشاء قوة مادية تدعم قوتنا النفسية، قوتنا النفسية العظيمة أو الفكرية الشعورية، أمراً يدل على أننا نرفض قبول الحالات التي لا تطيقها نفوسنا الحرة الأبية"(36).

لا مندوحة أنه بصرف النظر عن مدى الإستعداد المادي الذي قد تعده أمة ما، لا بد وأن تأتي أوقاتاً تواجه فيه هذه الأمة قوةً مادية تفوق قوتها هي. حينها، يقول سعادة لابد للقوة الروحية في الأمة من أن تنهض لتمارس البطولة وتحقق النصر:

"إن أزمنة مليئة بالصعاب والمحن تأتي على الأمم الحية فلا يكون لها إنقاذٌ منها إلا بالبطولة المؤيدة بصحة العقيدة. فإذا تركت أمة ما اعتماد البطولة في الفصل في مصيرها، قررته الحوادث الجارية والإرادات الغريبة" (37).

والحقيقة أننا نجد قوة الإرادة تفعل باتجاهين. فهي من ناحية تلجم الإنفعالات المهتاجة وتكبح جماح المشاعر الجياشة، إذ تمكِّن المرء من امتلاك نفسه، وتحكيم عقله فلا تدع عواطفه تسيطر على أفعاله، لتسيء لنفسه، أو لمركزه الأجتماعي أو محبيه مثلاً. لكنها من ناحية أخرى تدفع المرء لممارسة الشجاعة والإقدام والتضحية والصبر والمثابرة، بل هي قادرةٌ على تفعيل قوةٍ روحيةٍ فيه تغيِّر وجه التاريخ! يقول سعادة أن في الإرادة قوةٌ سحريةٌ عجيبة. ففي معرض ذكره لمعركة ميسلون يقول أن في هذه المعركة "قوة سحرية مخزونة ولكنها قوة فاصلة في حياة الأمم، هي قوة الإرادة العجيبة" (38). الآن وقد وقف أبطالٌ من رفقاء ورفيقات سعادة، وأبطال وبطلاتٌ أخرٌ من الأمة، وقفات العز التي أدهشت العالم، فهل هناك من مشككٍ بأن القول "إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ"، هو قولٌ مبالغٌ فيه؟ فلو لم تكن هذه القوة هي حقاً موجودة في كل واحد منهم فكيف استطاع فعلهم أن يقلب كل المعادلات وينسف توازنات القوى العالمية؟ بلى، هي موجودة فينا، في كل واحدٍ منا، لكن السؤال الأكبر هو في تفعيل هذه القوة!

ما يثير اهتمامنا أن هذه الفضائل – فضائل الشجاعة والإقدام والتضحية والصبر والمثابرة، والتي قد يظنها الواحد منّا أنها مواهب فطرية، تولد مع الإنسان، نجد سعادة يعتبرها مزايا يمكن اكتسابها بالمعرفة العقلية، والقناعة والإيمان. فها هو يذكر كيف أنه خلال اعتقاله ورفقاؤه في السجن، وفي المحكمة الأجنبية، كان هو لرفقائه القدوة والأمثولة، معلِّماً إياهم الشجاعة والصبر ومبدداً من نفوسهم المخاوف (39). كذلك يدعو للتغلب على النزعة الفردية، بدءاً باعتماد قوة الإرادة (40).

لكن السؤال يبقى، أن ما الذي يدفع هذا البطل أو تلك البطلة لافتداء حياته أو حياتها لصد خطرٍ ما عن الأمة؟ فإذا كانت الإرادة على قدر المصلحة، فأي مصلحة له أو لها، تكمن في هذا العمل؟ والجواب مجدداً هو الحبّ! بل هو أسمى أنواع الحب فهذه نفوسٌ قد ارتقت بوجدانها القومي ليس فقط إلى مرتبة الشعور بآلام الأمة بل توحدت معها وأضحت اراداتها هي هي إرادة الأمة. الحب عند سعادة هو حقاً العامل الحقيقي الذي يدفع نحو ركب المخاطر، وتقديم التضحيات وممارسة البطولة، فكما حب الحبيبة هو " الدافع نحو المثال الأعلى (41) ، والقوة " التي ينتصر بها على كل عدو وكل بها كل صعب" (42)، كذلك هو حب الوطن – الوطنية " تولّد في الجبان شجاعة الأبطال وتجعل في الضعيف قوة تفل الحديد وتضع في النذل شهامة الشرفاء" (43).

ولتحيا سورية وليحيا سعادة، أعظم مواهب أمتي على الإطلاق!

-------------------------------------------------------


1. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الأول، ص 22.

2. سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة الثانية، ص 39.

3. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الأول، ص 22.

4. سعادة، خطبة الزعيم في حفلة أول آذار 1940

5. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 168.

6. سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة الثانية، ص 39.

7. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الرابع، ص 53.

8. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الرابع، ص 53.

9. سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة السادسة، ص 90. حيث يقول "أن العقل والشعور، أن عمل الإحساس والفكر، هو كل نفسي".

10. سعادة، الصراع الفكري في الأدب السوري، تجديد الأدب وتجدبد الحياة 2.

11. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 142.

12. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الثالث، ص 47.

13. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الثاني، ص 69.

14. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الرابع، ص 53.

15. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الرابع، ص 57.

16. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الرابع، ص 58.

17. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 143.

18. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 145.

19. سعادة، 1933، أدب الكتب وأدب الحياة.

20. سعادة، 1933، أدب الكتب وأدب الحياة.

21. سعادة، الصراع الفكري في الأدب السوري، طريق الأدب السوري، تجديد الأدب، وتجديد الحياة 2، ص 48.

22. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 142.

23. سعادة، الصراع الفكري في الأدب السوري، طريق الأدب السوري 75.

24. سعادة، إلى إدفيك، الرسالة 9.

25. سعادة، الصراع الفكري في الأدب السوري، طريق الأدب السوري 75.

26. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 142.

27. سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة السادسة، ص 94 .

28. سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة السادسة، ص 94 .

29. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 142.

30. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 146.

31. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 142.

32. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 142.

33. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 146.

34. سعادة، نشوء الأمم، الفصل السابع، ص 142.

35. سعادة، نشوء الأمم، الفصل الثالي، ص48.

36. سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة التاسعة، ص 131.

37. سعادة، المحاضرات العشر، المحاضرة الأولى، ص 23.

38. سعادة، 1933، التفكير العملي و الإصلاح الإجتماعي.

39. سعادة، 1947، نعمة ثابت، بطل الخيانة.

40. سعادة، 1942، النزعة الفردية في شعبنا.

41. سعادة، الصراع الفكري في الأدب السوري، طريق الأدب السوري 75.

42. سعادة، إلى إدفيك، الرسالة 9.

43. سعادة، 1921، الوطنية.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2020 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه