شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2021-03-30
 

بعض من مذكّرات الرفيق المناضل توفيق رافع حمدان

الامين لبيب ناصيف

كنتُ نشرتُ أكثر من نبذة عن أحد أبرز رفقائنا المناضلين، توفيق رافع حمدان، كما كنتُ أشرتُ إليه في كثير من النّبذات، وهو كان احتلّ لديّ حضوراً واسعاً من أواصر المحبّة والتقدير.

من كتابه "سيرة ومسيرة" الصادر عام 2011، اخترنا هذه المعلومات المفيدة لتاريخ الحزب.

ل. ن.

*

الحزب القومي في الأربعينات في عين عنوب

لن أتحدّث عن الثلاثينات كيف كان الحزب السوري القومي الاجتماعي في عين عنوب، لأنني لا أعي تلك المرحلة بالتمام، وإن كنتُ أتخيّل تلك الاجتماعات السرّيّة وقت الحراسة في بيتنا؛ ذلك لأنّ أخي عباس انتمى باكراً للحزب، ولكنّي في بداية الأأربعينات حيث انتميت أنا للحزب في سنة 1943، حتى ومن قبل الانتماء كنّا نعيش حياةً قوميّة اجتماعيّة. ولا يزال قُدامى القوميين في عين عنوب يتذكّرون تلك الأيام. وكم من مرّة عندما نلتقي مع بعضنا بعضاً، نردّد "سقى الله أيام كان القوميّون يتمشّون زرافات زرافات في شوارع البلدة ومداخلها، وأحاديثهم في الأدب والشعر والعقيدة... ومن جيلنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر: محمود القمند – رشيد حرب – أخي عادل حمدان – عجاج حمدان – بشير حمدان – رشيد نجيب حمدان – سامي حرب(1) – علي سعد – فيليب حداد – الشهيد إلياس حداد – عزيز حداد – سليمان القمند – عفيف نجد – شفيق حمدان – توفيق أبو سلمان – نبيه العينترازي – إيليا خليفة - سمير خليفة – الدكتور رياض خليفة(2) والدكتور سامي قائدبيه. هؤلاء الرفقاء منهم من تقاعد ولم يعد يعمل، وإن كان لا يزال يؤمن، ومنهم للأسف لم يعد قوميّاً اجتماعيّاً، ومنهم من توفّاهم الله مرحومين. بالإضافة إلى الرفقاء العاملين أعضاء المديريّة، وعددهم 30 عضواً. أمّا الجيل الأأكبر منّا مباشرة، فأذكر منهم على سبيل المثال أيضاً: حسن ريدان(3)، (مع حفظ الألقاب) – فؤاد خليفة(4) – نسيب قائدبيه – جوزف حداد – كميل سعد – نسيب أبو سلمان – حسيب أبو سلمان – أديب أبو سلمان – عادل شجاع(5) – عباس حمدان – شاهين حميدان – كامل ريدان – حبيب حرب – أمين نجد – يوسف زين الدين – كامل حمدان – سليمان فخر الدين – طانيوس حداد – كامل حسين زهر الدين – توفيق حسين سعد – سعيد سعد – ذيب حرب. كذلك الجيل الأكبر من الجيل الذي سبقنا انتمى للحزب السوري القومي الاجتماعي مع انطلاقته، لوجود فراغ نفسيّ عند الشعب. وسأذكر البعض ممّن انتموا إلى الحزب ولو لم يستمرّوا طويلاً: محمد سلمان سعد – نايف محمود سعد – نايف حسين شجاع – علي حسين شجاع وأمين حمود شجاع – هاني عبدالله شجاع (والد الأمين عادل) – خليل جرجي خليفة – سليم سلمان سعد – إبراهيم حميدان – نجيب سليم فخر الدين – عباس صالح فخر الدين – توفيق علي شجاع (والد رفيقنا رياض). وفي فترة العمل السرّي للحزب أيّام الانتداب الفرنسي، كان القوميّون يعقدون اجتماعاتهم في البراري بعيداً عن البيوت، تحاشياً لأيّة وشاية... وصادف أنّ والد توفيق، علي، كان في المحلّ مع أديب أخ توفيق وتوفيق الذي يعمل في المحل أيضاً... وقد كان توفيق في اجتماع حزبيّ في البريّة.. وجاء الدرك يسأل عن توفيق فسأل الوالد أبا توفيق: أين توفيق؟ وأجابه أبو توفيق: ليس هنا ولا أعرف أين هو... فتحشّر أديب أخو توفيق وقال: يمكن أن يكون في "القلع" مكان الاجتماع. فقال له والده لا.. شو بيعرّفك أنت سكوت! فأصرّ أديب وقال لأبيه: ميّة بالميّة موجود في "القلع"، وكان جواب أبو توفيق وبحدّة: بالميّة ميّة كول هوا..

قبل نشوء البلديّة في عين عنوب كان القوميّون يهتمّون بشؤون الضيعة، فقد قاموا أكثر من مرّة بحملات تنظيف وكان الكلّ يتجاوب معهم.

ورأى القوميّون أنّ بعض الرجال الكبار في السنّ يجهلون القراءة والكتابة، فأنشأوا مدرسة ليليّة... أذكر من الذين تعلّموا في تلك المدرسة الليليّة: رئيف سعد (والد الرفيق جهاد) – شفيق علي فخر الدين – كامل حميد حمدان – أمين توفيق شجاع وغيرهم.

ومن الذين انتموا للحزب من القدامى سجيع سلمان حمدان، وهو صهري زوج أختي – رحمهما الله – حتى أنّه مرّة نصحني قائلاً: "يا ابن عمّي أنا قبلك عملت قومي... أهداف مليحة كثير بس تحقيقها صعب كثير... انتبه لشغلك وشو بدّك بالأحزاب"... وربما يكون قد اشتلق (شعر) من بعض مشاويري أنّ بنيّتنا شيئاً سننفّذه حتى نصحني هذه النصيحة!!

قبل الأربعينات، لا أذكر إذا كانت توجد رفيقات في الحزب في عين عنوب! كثيرات كنّ يحبّذن الحزب، ولكن انتماءات لا أظنّ. ودليل على ذلك أنّنا في سنة 1945 لم نجد فتاة تمثّل في مسرحية رواية "في سبيل التاج"، كما ذكرت في مكان سابق، وقد حلّ المشكلة في حينها الأمين عادل شجاع ومثّل دور الفتاة، حتى أنّ أحد الحضور قال: "أجمل من البنات".

قلنا إنّه قد لا يكون في الأربعينيات وجود فتيات قوميّات، ولكن على الصعيد الاجتماعي والقومي فقد كان للمرأة دور بارز في المجتمع... فمثلاً المواطنة نجلاء كامل شجاع، شقيقة الرفيق جميل شجاع، أسّست مدرسة لتعليم مهنة الخياطة وخرّجت العديد من المواطنات الخياطات الماهرات... منهنّ ابنة أخت نجلاء نعمت شجاع – شقيقة الرفيق نجيب وزوجتي، والتي أصبحت زوجة الرفيق المناضل نايف جمال، والتي بدورها عملت مدرسة للخياطة أيضاً وخرّجت خيّاطات... وقد ساهمت وساعدت في تربية أهلها بعد وفاة والدها باكراً... ولليوم نلتقي سيدات يترحّمن على نجلاء معلمة الخياطة وكنّ من تلميذاتها.

والحزب في عين عنوب لم يكن بعيداً عن باقي النشاطات، فقد دخل بعض الرفقاء في "جمعية نهضة شبيبة عين عنوب الخيرية" التي تأسّست منذ عام 1925 وفي دستورها "اللاطائفيّة"، وكذلك ساهموا في إيجاد "نادي الاستقلال الثقافي الرياضي" وللآن يوجد فيه رفقاء.

وفي الحقل الزراعي يهتمّون ويساهمون في تحسين أوضاع المزارع من خلال "الجمعيّة التعاونيّة الزراعية في عين عنوب"، فمن بين أعضاء التعاونية عدد من الرفقاء الذين يضحّون.

ولا ننسى اهتمام المرأة في تحسين أوضاع المجتمع العينعنوبي من خلال "رابطة سيدات عين عنوب الخيريّة"، التي لنا من بين أعضائها رفيقات يعملن لمصلحة عين عنوب.

*

انتمائي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي

ما هو الحزب السوري القومي الاجتماعي؟ وجوابي: بنظري هو مدرسة أخلاق قبل كلّ شيء، ومن أخلاقيّة الفرد تتشعّب المسلكيّة القومية، نكران الذات، التفاني بحب الوطن، التضحية والولاء للأمة.

وأنا من الذين انتموا للحزب السوري القومي الاجتماعي بغياب الزعيم أنطون سعاده... وأحببته كما أحبّه الكثيرون غيري، لأنّنا شعرنا بأنّه أنقذنا بالمبادئ التي اعتنقناها من أمراض كثيرة في المجتمع.. منها: الأنانيّة – التبعيّة للمير أو للبيك.. الطائفيّة، علّة العلل، إذ أصبحت أنظر لرفيقي طانيوس حداد بأنّه أخي وأقرب.. أحببنا سعاده وتعلّقنا به قبل أن نعرفه، وعندما عرفناه زاد تعلّقنا به وكنّا نشعر أنّنا على استعداد بأن نفتديه بنفوسنا إذا ما تعرّض لأيّ أذى. ولكن عندما غدروا به، كانوا قد مهّدوا لذلك بأن بطشوا بجميع مسؤولي الحزب وزجّوهم في السجون، والواقع أننا كنّا في حالة ضعضعة عندما اغتيل الزعيم سعاده، ولا أبالغ إذا قلت إنّ فتاة – رفيقة – كانت مصرّة أن تقدم هي على اغتيال أحد المسؤولين عن إعدام سعاده، وهي لا تزال الآن على قيد الحياة، وعذراً إذا لم أذكر اسمها.. لم نكن بعدُ سمعنا بأنّ رفيقات مثل قلب الصباح يفجّرن أنفسهنّ ضدّ العدوّ الغاصب، وعندما سُئلت لماذا قلت عند إلقاء القبض عليّ أنا قومي وأعدموا ابن خالتي... والواقع أنّ علاقتي بالرفيق الشهيد معروف موفّق بالأساس علاقة قُربى، فهو ابن خالتي، ولكن صلتي به كرفيق قومي اجتماعي هي العلاقة الأسمى، ويزيد هذه الصّلة بأنّي كنتُ أشعر بالمسؤوليّة تجاهه.. حيث أنّ أخي عباس كان السبب بانتمائه للحزب، وأنّي لا أنسى ذلك الوجه العبوس الباسم في آن واحد. إنّه رجل كلّه اندفاع وإخلاص وإرادة مصمّمة.. لم يمنعه وضعه العائلي من العطاء بأغلى ما يملك فداء عقيدته، كان أباً لابنة وصبيّ – سهيل – وكانت زوجته حامل بخالد (أو معروف) عندما ناداه الواجب قبّل أولاده وودّعهم... كأنّه كان يعلم ما هو مصيره.

*

كيف تعرّفت إلى سعاده؟

ترعرعتُ في كنف أسرة سافر مُعيلها إلى البرازيل، فتولّى ابنها الأكبر شؤون رعاية الأسرة، أعني شقيقي المرحوم الرفيق عباس حمدان، وكان عبّاس قد انتمى إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي منذ انطلاقته في الثلاثينيات، لذا حرص على تربيتنا تربية قوميّة اجتماعيّة، وتحت عنوان الفريق الأخوي الرياضي جمع ما يُقارب الثلاثين شبلاً من أترابي، ودأب على جمعنا دوريّاً ليحدّثنا عن الحياة، وفي الأوّل من آذار من كل عام كنّأ نوقد النيران فوق المرتفعات بحجّة أنّ هذا اليوم هو عيد النادي، واستمرّ الأمر كذلك حتى بلغنا السادسة عشرة من العمر، عندها أطلعنا على مبادئ الحزب وغايته ودستوره ونظامه، وأسّس بنا مفوّضية للأشبال، وبعد أن انتمينا عشنا الحياة الحزبيّة بكلّ أبعادها حتى سنة 1947، سنة عودة الزعيم من مغتربه القسريّ، نزلنا لاستقباله في المطار، والمعروف أنّ مذكّرة التوقيف صدرت بحقّه وهو يُلقي خطابه التاريخي آنذاك، فأكمل خطابه وتوارى عن الأنظار، ولم أعد أذكر جيّداً متى جاء إلى عين عنوب، ولكن من المؤكّد أنّه جاء بعد فترة وجيزة من وصوله إلى لبنان، وقبل أن يستقرّ في ضهور الشوير.

*

الزعيم في عين عنوب

الذي لا تعرفه إلّا القلّة من القوميّين الأوائل، ولا أنسى ما شعرناه في احتفال ضهور الشوير سنة 1946 – يوم القاصوف(6) – وكانت الأخبار أنّ الزعيم سيُفاجئ القوميين. والحقيقة أنّه فاجأهم ولكن ليس بحضوره، بل بكلمة منه إلى القوميين إلى أن حان وقت عودته في 2 مارس سنة 1947، فكان يوماً تاريخياً قلّ نظيره.. كلّ فرد من القوميين كان يتوقّع أن يرى الزعيم بصورة ما.. تخيّلها هو.. وأعتقد أنّ كلّ التصوّرات كانت أقلّ ممّا كان الواقع، فكنّا نحسّ بالزعيم وهو يمشي ويحيّي القوميين في الغبيري أنّه يدعس على رصورات، فهو شبه طائر يتلفّت إلى كلّ الجهات يستعرض ألوف القوميين، وأنّ نظراته، وإن كانت على بُعد، فهي تأسر الناظر إليه... ولقد قلت أنا في يومها: هل هي نظاميّة القوميين أم هي وهرة ومهابة الشخص، شخص الزعيم؟! فرغم وجود الألوف المؤلّفة، وما يمكن أن تُحدث من ضجيج عندما أطلّ الزعيم عن شرفة بيت أحد الرفقاء في الغبيري(7) ليُلقي خطابه، بدون أيّة مبالغة "زتّ الإبرة بتسمع رنّتها""، كما يقول المثل عندنا، كلّ القوميين حبسوا أنفاسهم ليستمعوا إلى زعيمهم الذي ينظرون إليه وغير مصدّقين أنّه هو حقاً... وكان خطابه التاريخيّ..

إنّ مظهر القوّة التي ظهر فيها الحزب في ذلك اللقاء كان هو الدافع لبدء المؤامرة على الحزب وزعيمه... وكانت مذكّرة التوقيف، وكان في المقابل عدم الرضوخ لحقد مسؤولي الدولة، وبدأ القوميّون يتسابقون لحماية زعيمهم، وبدأ الزعيم يتنقّل من معقل إلى معقل... وكان نصيب عين عنوب أو معقل عين عنوب، والحقيقة كانت عين عنوب تُعتبَر في ذلك الوقت قلعة من قلاع الحزب السوري القومي الاجتماعي المتينة، فأمضى وقتاً غير قصير في عين عنوب وبشامون وسرحمول. أمّا في عين عنوب، فجعل منامته في بيتنا، وكنّا جد فخورين بهذا الحدث النادر الذي لا يتكرّر في التاريخ... زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي، زعيم الأمّة السوريّة، أحد أعظم عباقرة التاريخ ينام في بيتنا.. يا سعد بيتنا بوجود سعاده فيه. كان كلّ القوميين في عين عنوب أشبالاً وأسوداً يحاوطون الزعيم، وكلّ واحد منهم على استعداد أن يفديه بنفسه إذا لزم الأمر، حتى أنّ الأهالي كانوا يشعرون الشعور نفسه، وكانت الضيعة بمجموعها تعتبر أنّ وجود الزعيم أنطون سعاده في عين عنوب هو حدث غير اعتيادي، وكان وجهاء البلدة يتسابقون على عزيمة دعوة الزعيم إلى غداء أو عشاء تكريماً لشخصه ولسماع آرائه، وكانوا يسألونه شتّى الأسئلة فتكون الإجابة واضحة ومقنعة.

وكنّا نحن الأشبال نحكي بين بعضنا ونتمنّى بالسرّ ما بيننا: إنشالله يجوا بطلب الزعيم حتى نبرهن لهم أننا كلنا نفديه بدمائنا. والحقيقة أنّ جميع أهالي عين عنوب كانوا يشعرون أنّ الزعيم سعاده ليس بحماية القوميين فقط، إنما هم أيضاً يدافعون عنه حتى الموت، وأنّه في حماهم أيضاً، فكانوا يشعرون أيضاً أنّ وجود الزعيم سعاده، هذا العبقريّ، في عين عنوب لهو فخر واعتزاز لهذه البلدة.

أذكر مرّة كنّا نتحدّث شلّة من الرفقاء عن الذين تعرّفوا على شخص الزعيم، فقلت أنا وبكلّ عفويّة – انتقدت نفسي بعد أن قلتها – مليح أنّه صدر مذكرة توقيف بحقّه – بحقّ الزعيم – حتى تمكّنت من معرفته عن كثب؛ إذ نام في بيتنا ليالي عدّة وكنتُ أنا أقوم بخدمته.

أما لماذا أقدمت الدولة على مذكرة التوقيف بحقّ الزعيم أنطون سعاده، فلخوفهم على مراكزهم، بدءاً من رياض الصلح. فقد شعروا بقوّة الحزب يوم الاستقبال النادر، وبعد أن رفض الزعيم تسليم نفسه وتراجعت الدولة عن مذكّرتها، وأخيراً في سنة 1949 انتخابات المخاتير... فقد ظهر الحزب أنّه بقوّة شعبيّة أخافت الجميع ممّن يخافون على مراكزهم، وكلّما كان يقوى الحزب في الداخل كانت المؤامرة تشتدّ وتشعر بضرورة سرعة التنفيذ، خاصة بعد كلام الزعيم سعاده في الأول من آذار سنة 1949: "إذا كانت الدولة الإسرائيليّة تخرّج ضباطاً، فإنّ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ يخرّج ضباطاً"، وكانت نظريّة سعاده أن النظام لا يُحارب إلّا بنظام أفضل ولا يحارب بالفوضى.

*

الزعيم سعاده في بيتنا

عرفت عين عنوب يومذاك نشاطاً حزبياً مميزاً، وكان القوميون فيها منتظمين في مديريّتَين واحدة للشباب وثانية للكبار. كما شهدت بلدتا بشامون وسرحمول المجاورتان حضوراً حزبياً كثيفاً، وشكّل ذلك المحور معقلاً للقوميين الاجتماعيين. وهكذا استقرّ الزعيم في المنطقة لفترة قضاها يبيت في منزلنا، ربما لأنّه كان منزلاً واسعاً، وشعر أنّه مكان مكان مناسب لراحته، وخلال ساعات النهار كان يستقبل الوفود التي تأتي لزيارته أو يقوم هو بزيارة وجهاء البلدة وعائلاتها، أو يلبّي الدعوات إلى غداء أو عشاء.

قبل أن يعود الزعيم إلى لبنان، كنّا ننظر إلى صورته المعلّقة في صدر بيتنا بشيء من الخشوع والشعور بهيبة ذلك القائد، ولم أصدّق يوماً أنّه سيأتي، وأنني سأراه وجهاً لوجه، فكيف وهو يشغل غرفة في بيتنا، وكان عليّ، وأنا الصغير في البيت، أن أقوم على خدمة الزعيم، ولم تكن البيوت قد عرفت الحمامات والمغاسل الحديثة، فكنتُ أُحضر له إبريق الماء والمنشفة والصابون، وأسكب له ليغسل وجهه ويديه، وأذكر أنّي أحضرت له في صبيحة اليوم الأوّل أصنافاً من الصابون المطيّب، فتأمّلها وسألني: "ألا يوجد عندكم صابون بلدي، من صنعكم، صابون زيت الزيتون؟". فهرولت مسرعاً وأحضرت له واحدة، فابتسم وشكرني وقال: "هذه أفضل الأصناف، فهي من بلادنا".

بالإضافة إلى ثقافته، وعمق معرفته، وحضوره البهيّ وهيبته المميّزة، كان سعاده لائقاً لطيفاً، مرهفاً رقيقاً، فائق الحساسية والإنسانيّة، كنّا ننهض في الصباح وننتقل في أرجاء المنزل على رؤوس أصابعنا خشية إزعاجه، وما أن يشعر بأوّل حركة حتى ينادينا بصباح الخير، ليطمئننا بأنّه استفاق من نومه، كي نتصرّف بحريّة.

يتّهمنا البعض بأننا نؤّله سعاده، وهذا غير صحيح، لكن الرجل لامس الشخصيّة الأسطوريّة في حضوره العام، وإضافة إلى كلّ ذلك تميّز عن سواه من الرجال بحسن إصغائه، وانتباهه لمحدّثه كبيراً كان أم صغيراً، وفي الوقت عينه كان محدّثاً لبقاً قويّ الحجّة، قادراً على الإقناع عن طريق حوار رصين هادئ من دون أيّ انفعال، أذكر أنّه استقبل ذات يوم وفداً من وجهاء جبل العرب، وكان اجتماعه بهم في بيت الرفيق يوسف قائد بيه(7)، وبعد أن انتهى الاجتماع رافقنا الضيوف إلى سياراتهم، وسمعناهم يقولون: "جئنا متحمّسين لإقناعه، فأقنعنا وسلّمنا له العصبة".

أذكر أيضاً أنّه أثناء تلبيته لدعوة الشيخ أبو حسن ريدان إلى الغداء، سأله الشيخ أبو حسن عن رأيه بالقوميين المنتمين، وهل كلّهم على سويّة واحدة من الوعي والإيمان العقائديّ، فأجابه: "القوميّون ثلاثة أقسام؛ قسم يدافع عن النهضة بوعي ومعرفة، وهؤلاء لا يُخشى عليهم، وقسم انتمى ببساطة وعفويّة، وقد يترك هؤلاء الحزب عند أوّل ضربة، والقسم الثالث سيكون بلاء الحزب على يده".

وأعتقد أنّ معظم شخصيّات الحزب الذين انتموا أثناء اغتراب الزعيم تعرّفوا إليه في عين عنوب، وذات يوم جاء المرحوم جورج مصروعة لمقابلة الزعيم، قال له: "أنا جورج مصروعة"(8)، فأجابه الزعيم بالقول: "أنت ابن زيكار". كما لا زلت أذكر الساعات الطوال التي قضاها سعاده بمحاورة نعمة ثابت جالسين حيناً، وحيناً آخر جيئة وذهاباً أمام المنزل، ولم نعرف إلى أيّ أمر انتهى الحوار حتى أرسل حسن ريدان بواسطة أخي عباس يسأل الزعيم عن مصير نعمة ثابت ليطمئن قبل سفره إلى أفريقيا، فأجابه المعلم بورقة فيها: "آسف أن أقول إنّ ثقتي ضاعت بالسيّد نعمة ثابت".

يتّهم بعض المتجنّين على الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه، بأنّه حزب فاشي حكم بدكتاتوريّة سعاده، والحقيقة أنّ سعاده كان منهمكاً إلى أبعد الحدود في إرساء نظام المؤسسات في الحزب، وكان قدوة في ممارسة قيمة الديمقراطية وأدبيّاتها، وهو لم يكن في أيّ يوم متسلّطاً، بل كان مصلحاً بالحوار، ولا أنسى كم صرف من جهده ووقته لإقناع نعمة ثابت، والدليل على حسن قيادته أنّه لم يكن بحاجة إلى إصدار الأوامر أحياناً، فقد كان ذات يوم واقفاً في ساحة عين عنوب يحيط به عدد من الرفقاء والمواطنين، وفي تلك اللحظة وصلت السيدة معزّز روضة(9)، صديقة المرحوم كامل أبو كامل(10)، ونقلت له عن بديع جحا مسؤول الكتائب، وكان يعمل نجّاراً عندها. بأنه سيقيم مهرجاناً كتائبياً في البلدة ذاتها، سمع سعاده ما نقلته السيدة روضة، وجال بنظره على الرفقاء، ثمّ أجابها: "لا أعتقد أن ذلك سيحدث". وتابع حديثه مع السيدة ومع الرفقاء في مواضيع أخرى، وبعد لحظات استأذن الرفيق فؤاد خليفة، وقصد بيت جحا، وأبلغه بوجوب صرف النظر نهائياً عن إقامة الاحتفال الكتائبيّ، ورضي جحا بأن تأتي سيارة واحدة ترفع علم الكتائب، ولم يرضَ فؤاد، وهكذا أوقف الاحتفال من دون أي تدخّل مباشر من الزعيم.

بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع، تم تحضير منزل للزعيم في ضهور الشوير، فغادر عين عنوب. ويوم أوقف مفعول مذكّرة التوقيف زار سعاده بلدتنا والبلدات المجاورة مرّات عديدة.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2021 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه