إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها < الباب الأول جزء 4 >

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1945-01-22

إقرأ ايضاً


جاء حبيب اسطفان الارجنتين فالتحق به جبران مسوح محاولاً ان يرقى على شهرته وأنشأ الاثنان مجلة "التمدن" التي وقعت في يدنا بضعة أعداد منها اذا صحّ ان تكون نموذجاً لها صحّ ان يقال انها كانت تملأ بأتفه المواضيع. ثم ماتت تلك المجلة وافترق الاثنان "على حب".

وجاء الارجنتين ميشال صباغ صاحب القاموس العربي الاسباني فصحبه جبران مسوح ليقال عنه انه يناصر الأدب والعلم، كما يقال عن جرجي باز في سورية انه "نصير المرأة"، لأنه يزج نفسه في جميع المناسبات منتصراً للمرأة بشكل من الأشكال، وابتغاء أمور أخرى. وهذه الأمور الأخرى متعددة، متنوعة وأهمها استغلال معرفة صبّاغ باللغة الاسبانية ليترجم بعض كتابات جبران مسوح "أديباً انترنسيونياً" وبالفعل ترجم صبّاغ كتاب مسوح "مقيد ولكنه يمشي" ثم عرض المؤلف والمترجم ذاك الكتاب على شركة طباعة ارجنتينية لعلها تشتري حقوق طبع السِفر "النفيس" ولكن الشركة قالت ان موضوعه قديم جداً لا يصح تقديمه للفكر العصري فغضب جبران مسوح على الشركة ونكاية بها طبع الترجمة على نفقته وتعزى صبّاغ بما كتبه عن مسوح!

وأخيراً جاء الزعيم الارجنتين وهو لم يكن يسمع قط بإسم جبران مسوح. والزعيم، من حيث هو زعيم، هو قائد حركة قد طبق الخافقين ذكر أفعاله ومآثره وهو، من حيث هو شخص، قد أتى بمبادىء جديدة وبعث أمة دفينة فيمكن التقرب إليه باحساس قوي بالغنم!

ولكن الزعيم كان مريضاً فاكتفى جبران مسوح بالاقتراب من أحد مرافقيه أولاً ثم دخل صفوف الحزب السوري القومي وحظي فيما بعد بمقابلة الزعيم وكتب مقالته "كيف عرفت الزعيم".

والحقيقة ان قبول امثال جبران مسوح في الحزب السوري القومي جرى بتساهل كثير، بل بتجاوز واهمال للأصول، في حالة ضعف شديد كان ملماً بالزعيم جعل خالد أديب شبه مطلق التصرف في مسائل الادخال ومعفياً من مراجعة الزعيم في كل مسألة منها، وكانت الحالة تقتضي السرعة، لأن خطة الزعيم كانت أن لا يبقى في الارجنتين أكثر من ستة أشهر، وكان خالد أديب قد انصرف إلى أنواع من اللهو والبطر أفسدت روحيته القومية وجعلته يهمل واجباته ويغفل الأصول والتقاليد الحزبية إلى أن انتهى أمره بالسقوط بالكلية والطرد من الحزب كما طرد قبله غيره. ولكن الزعيم عندما علم ما أتمه خالد أديب، انتقد خطته انتقاداً شديداً ولامه لاتجاهه إلى الشيوخ الذين كان قانون الحزب يحظر ادخالهم بتاتاً ثم تعدل القانون وسمح بادخال بعضهم بشروط لم تراع في ادخال من طردوا. وكان الواجب يقضي بالاتجاه إلى الشباب أولاً، لأنهم المادة الأكثر نقاوة من أبناء الجيل والأقرب إلى اكتساب الروحية القومية الصحيحة. أما الشيوخ، وخصوصاً الذين مارسوا الصحافة والأدب واشتغلوا في المسائل العمومية، أي الذين خبروا جميع أنواع المنافقة والمراءاة وعالجوا كل ضروب الغش والاحتيال في بيئة وزمن كان الغش والاحتيال يعدّان من فضائل الرجولة ومكارم البطولة، فكانت خطة الحزب تجنبهم ما أمكن، اتقاء لشرورهم وصيانة للشبان والأحداث من أن تتسرب إليهم المفاسد. ولكن خالد أديب لم يكن له وقت للبحث عن الشبان السوريين في بوانس ايرس، فأن شرب الويسكي والبحث عن الملاح وارتياد دور الملاهي لم تترك له وقتاً لضرب المواعيد مع الشبان للبحث في القضية السورية القومية. فألقى حبل الأمور على غاربها. وهكذا صار جبران مسوح وأمثاله "رفقاء" في الحزب.

ما كاد يذيع خبر دخول جبران مسوح نطاق الحزب السوري القومي حتى "أخذت تنهال عليه الانتقادات" وبلغ الأمر حد قول أحدهم ان جبران مسوح قد "خسر شخصيته". وكان ذلك مدعاة لتشنج عنيف هز جميع دور الأدب والعلم وأوساطها. فكتب إليه "المجمع العلمي العربي" ونقابة المحامين وأساتذة الجامعة السورية وأساتذة قسم التجهيز في دمشق "والمجمع العلمي اللبناني" ونقابة المحامين وأساتذة الجامعة الأميركانية في بيروت واشتراك جميع حملة الأقلام في سورية ومصر بالكتابة إليه يرجونه أن لا يضيع شخصيته الرفيعة بالانقياد لزعامة "دكتاتور" اسمه انطون سعاده! ويقال ان الجمعية الدروينية في لندن و"الاكاديمي" الفرنسية في باريس وجمعية الدروس الاسيوية في برلين اشتركت بالكتابة والتضرع إليه أن لا ينزل هذه الكارثة بأندية الفكر الانساني وان يحفظ شخصيته الحبيبة للانسانية. وكان "انهيال" الرسائل والانتقادات والتوسلات يتزايد يوماً بعد يوم وسرت إشاعات ان طائفة كبيرة من الانتقادات قد انهالت من "علماء المريخ وأدباء المجرة" ويقول جبران مسوح نفسه في حادث هذه الانتقادات الهائلة انه "اشترك بها (لا فيها) كل اصدقائه وكل أقربائه وكل أفراد عائلته"! كل اولئك، يا للهول! فقدت زلزلت الأرض زلزالها وحدث في العالم كله، كله، كله، خوف شديد. ولكن الله لطف بعباده ولم يسمح بحدوث طوفان تهلك فيه الخلائق بسبب قول واحد من الناس ان جبران مسوح قد "خسر شخصيته" بانضمامه إلى الحزب السوري القومي !.

أما الزعيم الزعيم فلم يضطرب لاضطراب الكون، لأنه اعتاد رؤية هذه الأحداث والزلازل وهو موقن انه لن يجري طوفان ما دام في الوجود قوس قزح. ولكنه تحقق ان أوساطاً كثيرة واسعة، وقد تكون أكثرية النزالة السورية في الارجنتين، ناقمة على جبران مسوح الذي حاول انتحال أدب النهضة القومية الاجتماعية قبل أن يعي فلسفتها ويدرك شيئاً جوهرياً من نظرتها إلى الحياة والفن فكتب كتابه "المسيحي والمسلم" وأورد فيه، عدا ما اقتبسه، أفكاراً خصوصية له أقل ما يقال فيها أنها من سقط المتاع لا تتعدى كلام كثير من الجهال في بلادنا الذين يتكلمون بلا شعور بالمسؤولية وبلا ادراك صحيح للأسباب والنتائج فقال، بكلام سوقي او زقاقي، ان لا طريقة لازالة الخلاف والشر وايجاد تفاهم بين المسيحيين والمحمديين في بلادنا "انا مسلم ولا أتغير ولن أتغير".

هذه المسألة لم تكن مسألة، "فقد شخصية" بالخضوع لنظام وطاعة "دكتاتور" ولا مسألة دعاوة المانية او ايطالية، بل مسألة اهانة أكثرية الشعب السوري في معتقده الديني. كل محمدي قرأ كتاب جبران مسوح أو بلغه خبره صار يكره جبران مسوح واسم جبران مسوح. وجماعة كثيرة، مدركة من المسيحيين شاركت المحمديين، بدافع الوطنية، في النقمة على جبران مسوح.

....


للبحث صلة


الزوبعة، العدد 83 في 22 كانون الثاني 1945


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018