إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الفاتح العربي الجديد جزء 2

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1924-10-10

إقرأ ايضاً


أحلام الأمير الشريد

ترك عبد العزيز آل سعود نجداً وهو منسحق القلب ومشتت البال ولا عجب في ذلك فهو قد رأى نفسه مقهوراً ومطارداً من رجال كانوا رعايا لأسرته ووجد ملكه تمزقه الأعداء كل ممزق فكبر عليه ذلك كثيراً ولكنه تمكن بقوة الإرادة من تمالك نفسه والتغلب على أحزانه، معللاً النفس بالعودة إلى سابق عزه ومجد آبائه السالف لاهجاً في وحدته وانفراده بقول الشاعر:

سقى الله نجداً والسلام على نجد *** ويا حبذا نجد على القرب والبعد

فأخذ رجاله فقط وانسل بهم إلى المدينة فلما صاروا داخلها ذهبوا تواً إلى قصر الإمارة دون أن تشعر المدينة الهادئة بشيء مما يعملون وهناك صبروا إلى انتصاف الليل وحينئذ تسلقوا حائط القصر ودخل الأمير عبد العزيز وحده على وكيل الرشيد الذي كان نائماً آمناً طوارق الحدثان فلما وصل إليه انتضى من وسطه خنجراً محدد الطرف ورفعه في الهواء وهو ينظر إلى عدوه النائم نظرة النسر الظافر ثم طعنه طعنة نجلاء وهو موقن أنه ضرب ضربة قاضية فلما أنهى عمله كان رفاقه أيضاً قد أنهوا عملهم مع من بقي في القصر ونادى:

(الملك لله ولإبن السعود!) وهكذا أعلن الأمير استرجاع إمارته فجاء إليه من ولاه وذهب مع آل الرشيد من عاداه.

منذ ذلك العهد ابتدأ ذلك العراك التاريخي بين أمير شاب يحارب في سبيل استرجاع ملكه المغصوب وإشباع مطامحه التي تضيق بها رياض ونجد بكاملها وبين أمراء يريدون تثبيت الملك الذي اغتصبوه وبسطوا سلطانهم عليه فكان عراكاً شديداً أظهر فيه عبد العزيز عزماً وحزماً عظيمين فكان النصر أبداً حليفه فبطش بالرشيديين بطشة الأسد وشتت شملهم رغماً من مناصرة الأتراك.

بعد حادثة الرياض

أخذ عبد العزيز بعد تثبيت نفسه في رياض يوسع ملكه ويزيد فتوحاته فأقام جيشاً دائماً على تمام الاستعداد كان يرسله عند الحاجة دون أن يحتاج إلى تحضيرات جديدة أما كيفية ذلك التوسع فمدهشة جداً ففي ذات يوم جميل يشاهد فارس غائر على جواد نجدي من أطيب جياد العرب ووجهته قبيلة عربية ضاربة في بعض الأنحاء فإذا ما بلغها قصد إلى الشيخ وطلب منه باسم السلطان ابن السعود سلطان نجد تقديم الجزية فإذا قبل الشيخ الطلب عنيت إجابته أنه صار في جانب الأمير عبد العزيز أما إذا أبى ففي صباح ذات يوم جميل تشاهد غمامة سائرة نحو قبيلة ذلك الشيخ لا تلبث أن تنجلي عن فرسان سودت وجوههم الشمس وصبغهم الغبار على خيل كأنها السراحين تأزم الحديد لشدة شوقها إلى الطراد فتحدث معركة يخرج منها الفرسان ظافرين وقد أضافوا إلى انتصارات الأمير عبد العزيز انتصاراً آخر يزيد في رهبة جانبه وشدة صولته، وأحياناً كان جيش عبد العزيز يسير إلى غرضه ليل نهار بسرعة غريبة وعلى هذه الطريقة يأمن إلحاق الجواسيس أو الرسل، قد يسقط أثناء مسيرة الجيش بهذه السرعة رجال يكثر عددهم أو يقل على نسبة المسافة والمشقة ولكن الجيش يظل سائراً إلى أن يبلغ المكان ويدرك العدو قبل أن يتمكن هذا من الهرب أو الاستنجاد وقد أسفرت هذه الخطة عن نجاح باهر في أدوار كثيرة.

رغماً من الصرامة التي كان يستعملها الأمير عبد العزيز فإن رعاياه الجدد كانوا يخلصون له إخلاص رعاياه الأولين ولقد كان ظافراً في كل حروبه حتى أخضع أواسط بلاد العرب كلها له وقد كان شديد العقاب مع القبائل التي كانت تخرج عليه أما القبائل التي كانت تدخل في طاعته فكانت تصير قسماً من امبراطورية عربية كبيرة ومن أفضل ما قام به الأمير المذكور التأمين على الأموال والأرواح ومنع الغزو والسرقة فأنشأ في بلاد العرب تاريخاً جديداً في السلام لم يكن معروفاً من قبل.

ظلت الحال على هذا المنوال مدة خمس عشرة سنة فكان نجم ابن السعود يزداد تألقاً ولمعاناً ولكنه مع ذلك بقي هو أميراً عربياً موضعياً رغماً من أنه كان أعظم أمراء العرب قوة وأشدهم سطوة فأعد هو إذ ذاك خطة هي خطة نابغة جريء وبضربة واحدة أظهر نفسه للعالم.


.... للبحث صلة،


"المجلة" السنة العاشرة، اكتوبر 1924




 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019