إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   ادب وشعر  
 

الحفل التأبيني للرفيق مكرم سعد في تورنتو وتشييعه بحضور حزبي وشعبي كثيف

نسخة للطباعة  | +  حجم الخط  - 2012-04-25

اقامت مديرية تورنتو والنادي السوري-الكندي الثقافي في تورنتو حفلا تابينيا للرفيق الراحل مكرم سعد وذلك يوم الثلاثاء الموافق 17 نيسان 2012، حضره حشد غفير من الرفقاء والاصدقاء وابناء الجالية.

ابتدا الاحتفال بالتعريف بسيرة الراحل قدمها جلال مرعي تم القت الرفيقة سمر شجاع كلمة "رفقاء واصدقاء الفقيد" قالت فيها:

رفيقي مكرم

اتحدث عنك واتحدث اليك لانقل لك تحية من رفقائك في الوطن وعبر الحدود الذين فقدوا برحيلك قدوة في الاخلاق والمناقبية، في الثبات والتضحية، في العلم والثقافة وسعة الاطلاع، فكنت المثال الاعلى لنا جميعا في الصدق وحرية الضمير، في الصراحة المتناهية وفي تحمل المسؤوليات الصعبة من اجل نهضة وعزة امتنا.

غيابك سيترك فراغا كبيرا بين عائلتك الصغيرة والكبيرة، سيفقد لك ولحنوتك وتوجيهاتك نهلا ومازن ورنا ورشاد، ستفتقدك كثيرا رفيقتك ورفيقة عمرك، رفيقتي نجاح، ولكن سيرتك وحياتك المملوئة بالعطاء والتضحية ستكون مشعلا تنير طريقهم وتضيئ حياتهم بقيم الحق والخير والجمال.

كنت بعيدا عن الوطن بالجسد فقط ولكن الوطن وهمومه لم يفارقوا ذاكرتك وضميرك يوما واحدا. لقد كنت تجاهد وتجاهر وتكتب وتعمل دوما لنصرة وعزة قضيتنا ولنشر فكر سعاده. انتميت للحركة السورية القومية الاجتماعية فكنت دائما المخلص لانتمائه ولقسمه ولعقيدته والوفي لوطنه وامته وكنت القدوة والمرجع للرفقاء والمواطنين.

بوداعك الاخير نعاهد روحك الابية الطاهرة بانك ستبقى معنا مثالا تقتدي به ومشعلا يضيء طريقنا وطريق اجيالا آتية. ان من الفضيلة والجهاد، كما عشت يا رفيقي مكرم، يبقى خالدا ابد الدهر.

*

والقى بعد ذلك الرفيق راجي سعد كلمة "المديرية والنادي السوري- الكندي الثقافي" تحدث فيها عن مزايا الفقيد الاخلاقية السامية وقيمه العليا وسيرته النضالية الطويلة. قال الرفيق سعد:

في قرية وادعة في جبل لبنان ومع بداية الربيع رزقت عائلة المفوض في الشرطة سليمان محمود سعد بولدها الثاني في 18 نيسان 1937. ترعرع الطفل مكرم على كنف امه ياسمين التي كانت تعتني بشؤون العائلة في عين عنوب وعلى كنف ابيه الذي كان رئيسا لمخفر حبيش في راس بيروت ومن ثم اصبح رئيسا لدائرة الاخلاق والآداب العامة نتيجة لنظافة كفه واخلاقه العالية. كان الاب سليمان يرجع الى البلدة في نهاية كل اسبوع وكانت العائلة والاقارب ينتظرونه بفارغ الصبر ليستمعون الى احاديثه عن هموم الوطن وشجونه. كان الاب قدوة للابن فمن ناحية تعلم منه قيم الصدق والشجاعة والعنفوان ومن ناحية اخرى تعرف من خلال احاديثه معه كيف وقفت الاقطاعية والحسابات الطائفية في وجه ترقيته لمدة سبع سنوات رغم تفوقه على جميع منافسيه . راى الفتى مكرم كيف لم يستطع والده تخطي النظام الاقطاعي والطائفي الفاسد، رغم شهادة رئيس الجمهورية آنذاك بشارة الخوري فيه بانه انزه موظف مدني في الدولة اللبنانية، وراى ايضا بعد ذلك كيف دفع والده ثمنا باهظا لمواقفه المبدئية وشهامته من صحته التي بدات تتدهور بعد ترقيته أخيرا في العام 1950، عندما بدا المرض العضال ينتشر في جسمه ففارق الحياة بعد اقل من سنة عن عمر يناهز 47.

كان لغياب والده وقع الصاعقة على الفتى مكرم الذي لم يبلغ الرابعة عشر من العمر بعد. فجاة فقد مكرم مثله الاعلى وبدات تضعط عليه هموم العائلة والحياة فأوقف تحصيله العلمي رغم ان اسمه كان مدرجا على لائحة الشرف، وتبخرت احلامه بالدراسات الجامعية العليا فرحل عن الوطن الى ليبيريا لتامين مستقبل العائلة ومستقبله. قبل سفره الى ليبيريا كان مكرم قد تعرف على افكار جديده تُتَداول بين الشباب في عين عنوب وتتحدث عن بناء امة ووطن جديد خال من الطائفية والاقطاع وتتحدث ايضا عن بعث نهضة فكرية تنويرية تعيد المجد والعز لهذا المشرق الغارق في سباته العميق. تعرف مكرم ايضا كيف اغتالت الدولة اللبنانية غدرا زعيم هذه النهضة أنطون سعاده بمحاكمة صورية في 8 تموز 1949 وكيف اختارت ستة من رفقائه من كل الطوائف لاعدامهم وكيف لم يستطع والده التدخل بطلب من الاهل للاعفاء عن الشهيد معروف موفق لانه يجب ان يكون واحدا من هؤلاء درزيا. راى مكرم كل هذا في مطلع شبابه فلم يعد يتحمل ضميره السكوت والخنوع فقرر الانتماء الى الحزب السوري القومي الاجتماعي في 9 ايار 1952 قبل بلوغه السادسة عشر، السن القانوني للانتماء. بعد هذا التاريخ بدات سيرته النضالية الطويلة في الحزب الذي اعتبر قضيته قضية شعب تواق الى الحرية والحق والعدالة الاجتماعية وجديرة بان تساوي وجوده.

آمن الرفيق مكرم بالبطولة المؤيدة بصحة العقيدة فعرفته كل ساحات الجهاد الفكرية والسياسية قائدا قدوة لرفقائه ومحاضرا عليما في فكر سعاده وممارسا مؤمنا للقيم العليا التي تمثلها النهضة. لم يتردد في تحمل المسؤوليات الحزبية في احلك الظروف وخاصة بعد المحاولة الانقلابية ضد النظام الطائفي في 1961 واضطهاد القوميين وزجهم في السجون، فكان مذيعا وناموسا ومديرا لعدة فروع حزبية ومنفذا عاما لليبيريا. ادرك ان معركتنا الحقيقية هي معركة الوصول الى الشعب كما قال المعلم، فراى ان اقصر الطرق لتحقيق هذه الغاية هي في ممارسة القوميين لقيم النهضة العليا من اخلاق وصدق ودفاع عن حق الوطن في الحياة والعز. دمج القول بالفعل وقاد المعركة الانتخابية للجامعة اللبنانية الثقافية في ليبيريا في العام 1971 على هذا الاساس، واظهرت النتائج صحة منهاجه ففاز الحزب باكثر من 70% من اعضاء مجلس الادارة وكُرر هذا الفوز في الدورتين القادمتين بانتخاب الجالية رئيسا قوميا للجامعة واصبح الحزب القومي اهم مرجعية في الجالية والسفارة اللبنانية. لم يكن هذا النجاح ليتكرر لسبعين قوميا فقط في جالية يزيد عددها عن العشرة آلاف الا بفضل نبذ القوميين للطائفية والعنصرية بكل اشكالها وتَحَليهم بالاخلاق والقيم السامية التي زرعها روّاد كبار امثال رفيق الحلبي، حسن ريدان، فؤاد كامل صعب، فؤاد خليفة، عادل شجاع، جوزف حداد والرفيق الذي نشيّعه اليوم، مكرم سعد، وكثيرين غيرهم.

بعد نضال مجيد في ليبيريا شاءت الاقدار ان يستقر الرفيق مكرم مع عائلته في تورنتو في الثمانينات فتابع مسيرته النضالية الى ان اجبره وضعه الصحي الى الحد من نشاطه لكنه ابى ان يستسلم للقدر فاكمل نضاله بكتابة المقالات في الصحف المحلية وصحف الوطن والتي تساءل فيها متى ستستفيق شعوب العالم العربي وترقى الى مستوى فكر انطون سعادة؟ .

خلال وجوده في تورنتو اتيح لي ان اتعرف على الخال مكرم عن قرب، فكان ابا وصديقا ورفيقا قدوة وكنا نمضي الساعات الطويلة معا نصول ونجول في هموم الوطن فكانت كلماته موسوعة في الوعي القومي والتاريخ والدين وعلم الاجتماع والسياسة المؤيدة بصحة العقيدة. كانت كلماته صرخة حق ايضا ضد الذين عينوا انفسهم وسطاء بين اهل الارض والسماء وضد كل النفعيين والانتهازيين أياً كانوا واينما كانوا، وكانت وصيته دائما الصدق الصدق ومن ثم الصدق مهما كانت الحقيقة قاسية وجارحة فهي اقصر الطرق للنصر.

ايها الامين على مبادئك والرفيق القدوة: ان الرجال الكبار امثالك لا ينتهون بماتم، فيا صاحب وقفات العز وابن العز والمنتمي الى مدرسة العز ستبقي مسيرتك فخرا للامة ومثلا اعلى للاجيال القادمة ليسيروا على الدرب القويم صفوفا بديعة النظام الى النصر الآتي

باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي والجمعية السورية الثقافية في تورنتو نشكر للجميع حضوركم معنا ونتقدم من عائلة الفقيد بالتعازي الحارة بفقيدنا الكبير لان الامة التي تنجب من امثالك ايها الرفيق القائد ستبقى منبعا للخير والجمال ولا بد لها ان تحيا من جديد.

*

في الختام القت ابنة الفقيد نهلا سعد كلمة "اهل الفقيد" فشكرت الجميع على مشاركتهم وقالت:

اليوم هو من أحلك الأيام.

الكلمات تهرب مني، وأنا أكافح لكي اعبر عن شعور عميق بالخسارة. هذه الخسارة التي كنا نستعد لها منذ اعواما ولكن كيف يمكن للمرء ان يستعد لفراغ من هذا القبيل؟ كيف ومتى فقدنا الحامي الاكبر لنا؟ أبي - بابا - الذي كان اللطف والخير متجسدا.

كم يبدو الآن صحيحا قول جبران خليل جبران : "لا يعرف الحب مدي عمقه الا عندما تحين ساعة الفراق."

في هذه اللحظة، وأنا مطاردة في كابوس رهيب يجري في مكتبة أفرغت من جمالها ... مكتبة بلا كتب، عندما أجد نفسي غارقة في أعماق الحزن واليأس، عندما يغمرني شعور بالفراغ لا يقهر، أقول "لا أستطيع، لا أستطيع ..." ألمح كنوز أبي. أرى امي (يا جوهرة يا ماما، يا جوهرة). أرى أخي وطفليه، أرى أختي واخي الاصغر. أرى فيهم ثمار حياة الخير وأرى إرث أبي. لم أعد أرى مكتبة فارغة. أرى كتب أبي في الجسد - منقوش عليها كل ما كانه - كل ما هو خير وجمال.

في اليوم التالي (الاربعاء) اقيمت مراسم الدفن فلفّ النعش بعلم الزوبعة وادى الرفقاء تحية الوداع للرفيق مكرم قبل ان ينقل الجثمان الى مثواه الاخير.



 
جميع الحقوق محفوظة © 2020