إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الصراع الفكري في الأدب السوري الجزء الثالث

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1942-09-01

الارشيف

تخبط وفوضى

لا يقتصر التضارب والتخبط في حقيقة الشعر وصفته، اللذان دللت عليهما في ما تقدم من هذا البحث، على الأدباء الثلاثة السوريين آنفاً، بل هما يشملان اكثر الأدباء اللامعين، ان لم يكن كلهم، في العالم العربي. فقد كان من حسن حظي وأنا في هذه البلاد التي قضت الظروف أن تتوقف فيها رحلتي المرسومة، أني تسلمت هدية كتبية من أحد الرفقاء الغيورين فيها بعض مجموعات " الهلال"، وبينما أنا أقلب صفحات بعض أعداد 1933، بعد كتابة الحلقة السابقة، وقع نظري على رأي للدكتور محمد حسين هيكل بك، أحد كبار أدباء مصر، في عدد يونيو من السنة المذكورة. فأقبلت على المقال ووجدت أنه حلقة أخرى من حلقات التخبط في دائرة مغلقة على الأدب، إذ فيه من التعميمات والمطلقات ما لا محصل إيجابي وراءه. إليك بعض عباراته: "إني أفهم أن يكون التجديد هو أن يشعر الشاعر أو الكاتب بشعور العصر الذي هو فيه ويعبر عن ذلك تعبيرا صادقا ممثلا لصفات ذلك العصر الذي وضع فيه هذا التعبير بحيث يكون شاعر القرن الرابع عشر الهجري أو كاتب القرن العشرين الميلادي له شخصية خاصة تخالف شخصية الشاعر أو الكاتب الذي ظهر في القرون السابقة مع المحافظة على قواعد اللغة وحدودها... ولست أقصد بالصفات الخاصة أن يعمد شعراء العصر الحاضر إلى استخدام ألفاظ المخترعات الحديثة في شعرهم أو يتناولوا هذه المخترعات فيصفوها، ويسموا ذلك تجديدا، فإذا كان القدماء وصفوا الناقة أو السيف وصفوا هم القطار أو الطيارة أو المدفع. وإذا كان القدماء استعملوا في أشعارهم هند وليلى ودعد، استعملوا هم سوسو وسوسن ومرغريت وماري إلى آخره. بل أقصد بالصفات الخاصة إبراز كل ما يقع تحت الشعور بحكم البيئة، والتعبير تعبيرا صادقا عن الحياة التي تحيط بهذه البيئة والظروف التي تلابسها وتجعل لها صبغة خاصة بحيث يعد الخروج عن هذه الصبغة خروجا عن تلك البيئة. فأنت تستطيع في الوقت الحاضر وفي البيئة التي تعيش فيها أن تصف الناقة أو السيف وغيرهما مما تناوله القدماء بأسلوب يتفق وشعور العصر الذي تعيش فيه والحياة العقلية السائدة في هذا العصر، وحينئذ يقال أنك وصفت هذه الأشياء بأسلوب جديد".

وحسين هيكل يرى أنه لا يوجد "شعر معبر عن العصر الذي نحن فيه وليس لنا شعراء يمتازون بصفات تخالف الصفات التي كان عليها بعض الشعراء في العصور الماضية". ويزيد قائلا:" وأنا على يقين من أن مؤرخ الأدب العربي في الأجيال القادمة، لو قدمت إليه قصيدة من قصائد العصر الحاضر قد حذف ما فيها من أعلام، لا يستطيع أن يعين العصر أو الجيل الذي قيلت فيه" ولكنه يعترف بأن النشر "قد امتاز بقوته واتجاهه نحو النهوض ورقي الحياة العقلية فيه وخصبها وتشعبها وإنتاجها".

هذا الرأي شديد الإبهام وكثير التخبط. انظر في غموض التعابير الآتية:" بل أقصد بالصفات الخاصة إبراز كل ما يقع تحت الشعور بحكم البيئة، والتعبير تعبيرا صادقا عن الحياة التي تحيط بهذه البيئة والظروف التي تلابسها الخ" فماذا يفهم القارىء الجيد الادراك من هذه الأوصاف التي لا تزيد الموصوف الا غموضاً؟ ما هو الشعور بحكم البيئة وكيف يكون؟ وما هي "الحياة" التي تحيط بهذه البيئة والظروف التي تلابسها؟

في عدد نوفمبر من السنة المذكورة رأي في التجديد في الشعر للشاعر السوري المتمصر خليل مطران. أنه أدق من رأي حسين هيكل. وهو يخالفه في رأيه القائل أنه لم يحدث تجدد في الشعر. فقد حدث مطران عن نفسه:" أردت التجديد في الشعر منذ نعومة أظفاري ولقيت دونه ما لقيت من عنت ومناوأة... أردت التجديد في الشعر وبذلت فيه ما بذلت من جهة، عن عقيدة رتسخة في نفسي وهي انه في الشعر، كما في النثر، شرط لبقاء اللغة حية نامية. على أنني اضطررت، مراعاة للأحوال التي حفلت بها نشأتي، ألا أفاجئ الناس بكل ما كان يجيش بخاطري، وخصوصا ألا أفاجئهم بالصورة التي كنت اؤثرها للتعبير لو كنت طليقاَ، فجاريت العتيق في الصورة بقدر ما وسعه جهدي وتضلعي من الأصول واطلاعي على مخلفات الفصحاء، وتحررت منه، وأنا في الظاهر أتابعه، بنوع خاص من الوصف والتصوير ومتابعة الغرض الخ". وبعد أن يعطي وصفا مجتزأ لحاجة اللغة إلى ضروب التعبير السليم، الواضح، الدقيق، قاطبة، يصل إلى نتيجة لا تبعد كثيرا عن النتيجة الهائمة التي وصل إليها الريحاني ويوسف معلوف وحسين هيكل وإليك قوله: "أريد أن يكون شعرنا مرآة صادقة لعصرنا في مختلف أنواع رقيه. أريد كما تغير كل شيء في الدنيا، أن يتغير شعرنا مع بقائه شرقيا، مع بقائه عربيا، مع بقائه مصريا. وهذا ليس بإعجاز".

في عدد" الهلال" عينه، الذي ورد فيه رأي خليل مطران في التجديد في الشعر، مقال لحسين هيكل في "الفنون الرفيعة وأثرها في حياة شرقنا العربي". في هذا المقال يلخص هيكل وجهة نظر الريحاني في حملته على الأدب الباكي عن طريق نقده لقصيدة بشارة الخوري التي مطلعها "الهوى والشباب والأمل المنشود توحي فتبعث الشعر حيا"، ووجهة نظر بشاره الخوري في رده على الريحاني التي لا تختلف كثيرا عن وجهة نظر شفيق معلوف في رده على عمه في كتابه إليه المثبت آنفا. وقد حاول هيكل أن يكون في هذا المقال أدق منه في رأيه السابق المذكور فوق. فقال أن الرأيين (رأي الريحاني ورأي الخوري) هما في طبيعة الوجود. وعلل منشأ الجدل بأنه من نتائج "ما يصيب الشرق العربي من هوان سياسي وانحلال اجتماعي" ثم انتقل الى محاولة ايضاح أشدد رسوخاً وذي صفة ايجابية فقال: "وفد اصيبت الفنون بما أصيبت به تبعاً لظروف الحياة التي يخضع لها الشرق العربي والتي تخضع الإنسانية من بعد الحرب لها. ولا يكون علاجها بانكار ما للدموع وما للشجن من أثر في الحياة. وإنما يكون علاجها بأن تبعث الدموع وأن يبعث الشجن النفسي الى التماس المثل الأعلى، كما تدفعها الحماسة وتدفعها النجدة والمروءة إلى التماسه. ولو أن أرباب الفن في الأدب والغناء والنقش وسائر الفنون الرفيعة وضعوا هذا المثل أمام أنظارهم لأرجعوا إلى الفن حياة أقوى بكثير من حياته اليوم ولما كان الجدل الذي ثار في هذا الصيف الأخير بين أمين الريحاني وبشارة الخوري".

بعد الكلام المتقدم يحاول هيكل أن يخطو خطوة فاصلة فيقول:" ماذا عسى أن يكون المثل الأعلى؟ أعتقد أن الشرق قد ضل كريقه في هذه العصور الأخيرة متأثرا بتعاليم الغرب فأصبح مثله الأعلى ماديا، يحسب الحرية التي تسمو بها النفس إلى hلمكان الأرفع أن ينال الجسم وأن تنال الشهوات كل مبتغاها. وقد يكون للبيئة الطبيعية في الغرب ما يدفع إلى التطلع إلى مثل هذا المثل الأعلى. لكن بيئة الشرق الطبيعية وتاريخه منذ العصور الأولى، وتاريخه بنوع خاص منذ انتشرت الحضارة الإسلامية (المحمدية) في ربوعه، يجعل هذا المثل الأعلى الذي يتخذه الغرب أمامه دون تتطلع إلى النفس الشرقية. فهذه النفس تؤمن بوحدة الوجود وترى في هذه الوحدة والاتصال بها والفناء الروحي فيها غاية ما ترجوه، ولذلك كانت أمثال هذا الشرق تجري بأن من اعتز بغير الله ذل. ومن افتقر لغير الله هان. ولا تعرف شيئا في الحياة يعادل تقوى الله. أفيمكن أن يصور الفن هذه المعاني وأن يصل بها من درجات السمو إلى ما يجب أن يصل إليه الفن؟".

في أول محاولة للانتقال من الغموض إلى الوضوح ومن التعميم إلى التخصيص ومن السلبية إلى الإيجابية ولكنها محاولة غامضة، متخبطة، مطلقة، مستبدة. ففيها ينظر هيكل إلى الفن من زاوية "الشرق والغرب" ويحدد الشرق بكلام لا تحقيق فيه لتاريخ "الشرق" الذي يذكره ولا لفلسفة ذلك التاريخ ولا للمحمدية نفسها التي يطبعها، استبدادا، بهذا الطابع الجزئي، وكان الأفضل أن لا يحاول تجريدها من خصائصها العملية في مادية حياة البيئة التي نشأت فيها. أما تحديده المثال الأعلى للشرق كله، مدخلا فيه العالم العربي كله، فهو من التحديدات الاستبدادية الضيقة، التي تكون أكثر قبولا عند عامة المتعلمين وعند قليلي التعمق من خاصتهم، نظرا لبساطتها وقلة ما تطلبه من إمعان نظر وجهد في التفكير، ولكنها ليست مما يمكن العقل الفلسفي الأساسي والاطمئنان إليه وقبوله مستقرا لتفكيره وشعوره. وكم يخالف هذا التفكير السطحي المتركز في تحديد التصور بالأمر الواقع رأي الدكتور خليل سعاده في روحية الشرق الدينية إذ قال: "الدين في الشرقي قطعة من حياته. فهو يحسب الحياة وسيلة لتشريف الدين (تقوى الله والفناء الروحي في وحدة الوجود) لا الدين وسيلة لتشريف الحياة والسمو بها من مرتبتها الحيوانية إلى مرتبة روحانية تطهر الأخلاق وتهدم الفواصل الغير الطبيعية القائمة بينه وبين أخيه في الوطنية والبشرية" (المجلة، السنة الأولى، العدد 13، بوانس ايرس في 15 ديسمبر).

إني موقن كل اليقين بفساد ذاك التقسيم السطحي الذي يعد الشرق كله روحيا والغرب كله ماديا ويحسب طلب مبتغيات الجسد وشهواته من "التأثر بتعاليم الغرب". ولكني اعتقد أن توقف سير الحضارة في الشرق عند حد، هو ما جعل النفس الشرقية تعمد إلى الفناء في الشؤون الخفية من المسائل فصارت مسائل اللاهيولي او ما وراء المادة المسائل الوحيدة التي تتجه اليها النفس التي اضطرت لهذا النهج بسبب ترك النظرة في المسائل الوجودية، الهيولية، الحسية. وحيثما انعدمت أسباب التقدم العمراني انعداما يكاد يكون كليا صارت مطالب ما وراء المادة نفسها في معظمها فصارت الجنة جنة حلى وملابس وعطور وما شاكل. واعتقد أن اطراد سير الحضارة في المتوسط والغرب، ابتداء من سورية، جعل للمسائل النفسية، الوجودية، الهيولية، الحسية، النصيب الأوفر من انشغال النفس. أما المادية والروحية فهما من نصيب الشرق والغرب كليهما. ويصعب كثيرا، من وجهة نظر الحياة، حسبان قسم كبير من المسائل النفسية الخفية التي تعني بها شعوب "النفسية الشرقية" مسائل روحية بالمعنى الحيوي. ويدخل في هذا القياس المسائل الخفية الشائعة في الغرب كالروحانية والصوفية وغيرهما وكما وجدت المادية في الغرب كذلك وجدت في الشرق كما في الغرب. وفي الفنون المعبرة عن النفسية الشرقية أحسن تعبير نجد الموسيقى التي يسمونها "العربية" او الشرقية قد اتخذت وجهة مادية من الشهوات الحادة في حين ان الموسيقة الغربية انتصرت على المادية انتصاراً رائعاً وارتفعت فضاء الشهوات الجسدية ارتفاعا عظيما. فللشرق مادية قوية وروحية منعكفة على المسائل الخفية التي لا تبرز إلى الحياة أو الوجود، وللغرب مادية قوية روحية تعنى بالوجود وبتسامي الحياة ضمن الوجود الإنساني، وهي على عكس روحية الشرق التي طلبت التسامي وراء الوجود (الوجود الإنساني). ولذلك أرى من أشد الخطأ حسبان التسامي وراء الوجود وحده "روحية" والتسامي ضمن الوجود "مادية".

إذا كان الشرق المتسكع في قيود المادة قد رأى، في أرقى فلسفاته الهندية والصينية، أن الطريقة الوحيدة لانتصاره على المادة هي إهمال قضايا المادة وثقافتها، فإن العقل السوري الذي خطط للمتوسط والغرب قواعد ثقافته المادية والروحية رأى أن الانتصار على المادة يكون بمعالجتها والقبض عليها وتسخيرها للغايات النفسية الجميلة التي تجعل الوجود الإنساني جميلا، صريحا، نيرا.

إن تحديد المثال الأعلى في عبارة حسين هيكل:" من اعتز بغير الله ذل، ومن افتقر لغير الله هان" هو تجميد لا قوة له لغلب المادية في الحياة الروحية وشؤونها في الوجود. هو ليس مبدأ روحيا إلا إذا حسبنا الروحيات قاصرة على الغيب.

إنها نظرة مصرية شرقية هذه النظرة التي تضع المثال الأعلى في هذه العلبة المطرزة الخفيفة الحمل، يحملها المرء في جيبه وينتقل بها من مكان إلى مكان وكلما عنّ له النظر في المثال إلاعلى فتح العلبة وأخرجه منها ونظر إليه بإعجاب وشهق شهقة الفرح، ثم أعاده إلى موضعه واستمر في حاله من حله وترحاله. "الفناء الروحي في وحدة الوجود" إذا كان مثالا أعلى عدمي أو فنائي لا وجودي والروحية الموافقة له هي روحية كسيحة مريضة تتجه نحو الغيب الذي تجعله مستقرا للوجود، وتشيح بوجهها عن الوجود الإنساني الذي لا تحسبه إلا عبَّارة إلى الغيب وواسطة للفناء فيه.

هذه النظرة التي يثبت بها الأدب المصري نفسيته الشرقية هي نظرة منافية لخطط النفس السورية في سياق التاريخ. وعدم أخذ السوريين بهذه النظرة هو من الأدلة على ما ذهبت إليه حين أعلنت سورية ليست أمة شرقية "وأنها ليست ذات نفسية شرقية. وإذا كان السوريون أولعوا بالتغني "بالمزايا الشرقية" التي وصلت إليهم في مزيج من أدب الهند والفرس والعرب فما ذلك إلا لتلاشي نظرتهم إلى الحياة وضياع مثلهم العليا في تعاقب الفتوحات واضطراب مجرى الحياة السورية الاجتماعية والروحية. وهذه الحقيقة هي التي جعلت ميخائيل نعيمة يسبق حسين هيكل إلى حسبان نفسه شرقيا وتفضيله النظرة "الشرقية" التي يزعم أنها تقول مع محمد: "ولا غالب إلا الله" على النظرة التي يزعم أن الغرب يعبر عنها بقوله: "ولا غالب إلا أنا" (انظر فتاوى كبار الكتاب والأدباء في مستقبل اللغة العربية ونهضة الشرق العربي. طبع "الهلال" مصر سنة 1923)، فهو قد جعل الغرب كأنه يقول "لا غالب إلا أنا" وهو يقصد بقوله المقابلة بين موقف الشرق وموقف الغرب من الوجهة السياسية والعمرانية قبل كل شيء. وقد أخذ حسين هيكل فكرة نعيمة في التعبير عن موقف الشرق وجعلها مثالا أعلى للنفسية الشرقية.

لنتابع تفكير نعيمة قليلا. إنه يقول في مقالته التي أجاب بها على استفتاء مجلة "الهلال" أن الفرق بين الغرب والشرق منحصر في نقطة واحدة جوهرية هي: "أن الشرق يستسلم لقوة أكبر منه فلا يحاربها والغرب يعتقد بقوته ويحارب بها كل قوة. الشرق يرى الخليقة كاملة لأنها صنع الإله الكامل. والغرب يرى فيها كثيرا من النقص ويسعى لتحسينها. الشرق يقول مع محمد: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا". ويصلي مع عيسى: "لتكن مشيئتك". ومع بوذا يجرد نفسه من كل شهواتها. ومع لاوتسو يترفع عن كل الأرضيات ليتحد بروحه مع "الطاو" أو الروح الكبرى. أما الغرب فيقول: "لتكن مشيئتي". وإذ يخفق في مسعاه يعود إليه ثانية وثالثة ويبقى يعلل نفسه بالفوز. وعندما يدركه الموت يوصي بمطامحه لذريته". وفي اعتقاد نعيمه "أن فرسخا مربعا من بلاد الصين "الخاملة" يحوي من الجوهر أكثر من كل جزائر اليابان "الناهضة".

هذا كلام إذا أزلت منه زخرف التعبير الأدبي، لم تجد فيه حقيقة واحدة غير جهل الحياة وتطورها منذ ظهر الإنسان على مسرح الطبيعة وجهل التاريخ وفلسفته. فالشرق لعلة طبيعية، على الأرجح، حاول من قبل" تحسين الخليقة" كما حاول الغرب "تحسينها" من بعد. ولذلك نشأت الأديان في الشرق، أي لتحسين الخليقة. وقد "حسنت" الأديان الخليقة تحسينا كبيرا، ولا شك. ولكنها عصت كل تحسين جديد نشأ بعد أحكامها فأصحابها لا يقرون بمعرفة جديدة إلى مكرهين. وإذا كان عيسى، السوري البيئة، رمى إلى تأديب النفوس بقوله :"لتكن مشيئتك" فهو أعلن الانتفاض على "المنزل" بالذهاب إلى "تكميل النفوس"، ومحمد نفسه الذي نشأ في بيئة بعيدة عن التفكير بالقضايا الفلسفية الكبرى نطق بالوحي "ولكل أجل كتاب". فليس في سنة المسيح ولا في سنة الرسول، إذا أخذت كلها، ما يمنع "تحسين الخليقة" او ما يرفضه. ولست أعتقد ان تعاليم بوذا ولوتسو انشئت بقصد منع التفكير في "تحسين الخليقة" ولكن العقلية الشرقية" التي عجزت عن حل قيود الروح المادية بنظرة إلى الحياة والكون فاهمة، هي التي وقفت عند "أحكام " الفلسفات الدينية وتعليلاتها الافتراضية المستندة الى "قوة اكبر منها" حددتها تلك الفلسفات تحديدات متباينة جعلت الخالق الواحد "ينزل" تعاليم غير واحدة فيما يختص بالحياة الإنسانية ضمن الوجود وقبل "الفناء في وحدة الوجود".

اختار ميخائيل نعيمة التكلم على "الخليقة" و"تحسينها" ليضع القارئ أمام الإصلاح. وكلامه كلام أديب، لا كلام فيلسوف أو عالم أو فنان. وها الصين تترك اليوم "جوهر" الخمول لتأخذ "بعرض" النهوض. وليس يعني ذلك زوال القواعد الصالحة من تعاليم لاتسو.

مما لا شك فيه أن نفسية الذين يذعنون لكل "ما كتب الله أن يصيبهم" ترى هذا الإذعان أجمل المثل العليا وأحبها وأفضلها. سواء أكانت هذه النفسية شرقية أم غربية، فهي نفسية لها مصيرها وهو غير مصير النفسية التي لا تقبل بما هو دون "ما يكتبه الله" للذين يعملون بالمواهب التي أعطاهم.

إن صوفية نعيمة الهدامة التي أبرزها في أحد خطبه في بيروت سنة 1932 أو 1933 بقوله أن القوة هي في الأمم العاجزة "المستغنية" عن التسلح (وأن يكن استغناؤها قهرا أو كرها) وأن الضعف هو في الأمم المستكثرة من آلات الحرب، قد نبذتها سورية ولا تفكر في جعلها مثالا أعلى لها. أما في مصر فقد تجد تربة جيدة لنموها وازدهارها كما يظهر من اقتباس حسين هيكل مثاله الأعلى من عبارة ميخائيل نعيمة الواردة في مقابلته بين الشرق والغرب ومن أقوال غيره كمصطفى صادق الرافعي.

ولم يخرج من دائرة التخبط في موضوع النهضة الأدبية غير من ذكرت من كبار الأدباء. طه حسين نفسه الذي يعد في مقدمة مفكري مصر وفي طليعة كبار أدبائها كتب مقالة في عدد "الهلال" الصادر في نوفمبر 1933 بعنوان "نهضتنا الأدبية وما ينقصها" قال فيها أن الأدب في اللغة العربية قد سار مرحلة كبيرة وأنه لا تزال تنقصه أشياء وخلاصة المقالة أن مواضع الضعف في "نهضتنا" هي:

1- اتصالنا بأدبنا القديم ضعيف لم يبلغ ما ينبغي له من القوة.

2- ثقافة أدبائنا من الأدب الأجنبي ثقافة محدودة.

3- أداؤنا لا يحسنون الآداب الأجنبية القديمة التي أنشأت الأدب الأجنبي الحديث.

4- لا يحفل أدباؤنا بالعلم ولا يأخذون أنفسهم بدرسه والإلمام بطائفة منه. وفي رأي طه حسين أنه أزيل هذا الضعف من "أدبائنا" فنهضتنا الأدبية تستكمل شروط ارتقائها إلى ذروتها والحقيقة أن هذا الكلام يدخل في ما عبر عنه طه حسين نفسه في مقالته المشار إليها "بالطول والعرض" أي بالخلو من العمق. أنه كلام شكلي لا أساسي، كما سيتضح فيما يلي.

وعباس محمود العقاد كاتب مصري آخر كبير ذو شهرة أجاب في عدد "الهلال" المذكور فوق على سؤال: هل يصبح لنا أدب عالمي؟ وفي جوابه يقول: "فالأدب العالمي ليس مرتبة من مراتب السمو يرتفع إليها الكتاب والكاتب، ولكنها حالة من الحالات تتيسر أسبابها فتظهر، وتخطئها هذه الأسباب فيخطئها الظهور "والظاهر أنه يعني بالأدب العالمي انتشار الكتب بواسطة الترجمة والطبع في مختلف اللغات لا قيمة الأدب العالمية. فيأخذ يبحث عن الظروف والأسباب العملية التي تذيع الكتاب، كالغرابة عند المترجم إليهم ووجود المترجم وحسن الطباعة ووجود شركات النشر ونسبة عدد القراء وغير ذلك من الأمور السطحية والعملية التي لا يمكن أن يقوم عليها أدب عالمي لأمة من الأمم على نسبة ارتقاء المثال الأعلى والفكر والفن.

والخلاصة أنك لو جمعت جميع الأقوال والآراء المتقدمة وأمثالها لما حصل لك منها غير اضطراب في الفكر وتشتت في الشعور يحرمانك إدراك حقيقة الأدب عموما والشعر خصوصا، ورسالة الفن.


"الزوبعة" العدد 51 في 1 سبتمبر 1942.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018