إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

مذكرات فاروق الشرع: الذاكرة إذ تتناسى أو تتجاهل!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-03-18

الارشيف

تحظى مذكرات فاروق الشرع، الصادرة مؤخراً تحت عنوان "الرواية المفقودة"، بأهمية استثنائية مقارنة بمثيلاتها لسياسيين وديبلوماسيين كبار في العالم العربي. فالرجل كان سفيراً لسورية في إيطاليا ثم وزير دولة للشؤون الخارجية ثم وزيراً للخارجية بين 1980 و2006، وهي فترة من أعقد وأصعب الفترات في التاريخ السوري المعاصر. كما تولى منصب نائب رئيس الجمهورية سنة 2006 عندما واجهت دمشق حملة شرسة استهدفت موقعها الإستراتيجي في المنطقة بعد مصرع رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري... إلى أن غاب عن السمع والنظر إبتداء من سنة 2011 مع تدهور الأوضاع الأمنية في سورية، علماً بأن كماً هائلاً من الإشاعات رافق هذا الغياب غير المفهوم حتى هذه اللحظة.

هذا جانب أولي من حيث الأهمية الشخصية للشرع بالذات. أما الجانب الآخر المستغرب فهو صدور المذكرات عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الذي يتخذ من الدوحة وبيروت مقراً له، وهو مركز يرتبط بشكل أو بآخر بمصالح قطرية، ما يدفع إلى طرح التساؤل المشروع التالي: لماذا وافق نائب الرئيس السوري على أن يتولى هذا المركز نشر مذكراته طالما أنه يعلم علم اليقين أن قطر منخرطة سياسياً وأمنياً ومالياً وإلى أبعد الحدود بمخطط تدمير الدولة السورية وإسقاط النظام في دمشق ودعم وتمويل ورعاية فصائل الإسلام السياسي وفي مقدمها "جماعة الإخوان المسلمين"؟

سيبقى هذا التساؤل، وغيره من المسائل ذات الصلة بالوضع السوري الراهن، من دون أجوبة وافية لأن الشرع على ما يبدو إبتعد ــ طوعاً أو كرهاً ــ عن العمل السياسي العلني!

ثمة زوايا متعددة للنظر في محتويات كتاب "الرواية المفقودة"، غير أنه من الصعب تناولها كلها في مقالة واحدة بسبب تشعب موضوعاتها من جهة ولطول سنوات خدمة الشرع على أعلى المستويات الرسمية السورية من جهة أخرى. وليس من قبيل الصدفة، لا بالنسبة إلى المؤلف ولا بالنسبة إلى الناشر، أن يتوقف سرد المذكرات عند سنة 2011 التي تؤسس لبدء مخطط التدمير المنهجي المبرمج لموقع سورية الإستراتيجي ولدورها الحيوي الفاعل على المستويين القومي والإقليمي.

في هذه المقالة سنركز على كيفية تعاطي المذكرات مع نشاطات "جماعة الإخوان المسلمين" في سورية، وإلى أي حد كان السرد أميناً في الكشف عن ممارسات تلك الجماعة إبتداء من منتصف سبعينات القرن الماضي وصولاً إلى أحداث مدينة حماة سنة 1982، والتي شكلت نقطة تحول مفصلية في دور الجماعة وعلاقتها بالسلطة السورية. كما سنحاول إظهار ما إذا كان السرد قد استطاع أن يقدم للقارئ تحليلاً مجرداً لخلفيات ذلك الصراع الدامي وتبيان إرتباطه بالمشاريع السياسية الإقليمية في ضوء الحرب الأهلية اللبنانية وانخراط منظمة التحرير الفلسطينية فيها، وزيارة الرئيس المصري الأسبق إلى القدس المحتلة ثم توقيعه معاهدة الصلح مع العدو الصهيوني، وبعد ذلك إنتصار الثورة الإسلامية في إيران وإقدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين على شن حرب غير مبررة على إيران سنة 1980.

أبرز ما يلفت نظرنا هو شحة التفاصيل عن نشاطات "الإخوان المسلمين" في سورية خلال المواجهة الأمنية مع السلطات الحكومية. الإشارة الأولى ترد في الصفحة 34، إذ يقول الشرع: "... برزت إرهاصات أولية في حماة عام 1964 يغلب عليها الطابع الإسلامي، وزاد من حدتها المعالجة الاستفزازية من قبل محافظ حماة آنذاك وبسوء تدبير من القيادة في دمشق". تلك الأحداث كانت قبل تولي الشرع أية مسؤولية سياسية، لذلك كان من "المفهوم" أن لا يتم التوقف عندها طويلاً. لكننا نلاحظ أن أساليب تحرك الجماعات الإسلامية يومها ستكون هي ذاتها تقريباً في السبعينات عندما شنت "الطليعة المقاتلة" التابعة لـ "جماعة الإخوان المسلمين" حملة واسعة منظمة من الاغتيالات والتفجيرات في مختلف أنحاء سورية.

حضر الشرع سنة 1979 المؤتمر القطري السابع لحزب البعث العربي الاشتراكي، فلمس فيه "أجواء مشحونة وحراكاً سياسياً غير مسبوق في سورية جراء الأحداث المذهلة لعام 1979 وتزامنها مع الاغتيالات والتفجيرات التي كانت تواجهها سورية في الداخل على يد "الطليعة المقاتلة" الجناح العسكري لدى الإخوان المسلمين".(صفحة 56) وهو ينقل عن الرئيس الراحل حافظ الأسد قوله في تلك الفترة "إن سورية ستواجه تحديات كبيرة في المرحلة القريبة القادمة، وإن ثمة ملامح للتآمر على دورها القومي، وإنه لم يعرف الجهة التي كانت تقف خلف عمليات الاغتيال طوال سنوات 1976 ــ 1979 إلا بعد حدوث مجزرة مدرسة المدفعية التي ارتكبتها "الطليعة المقاتلة" الجناح العسكري للإخوان المسلمين في 16 حزيران/ يونيو 1979".(صفحة 57)

لكن ما هي "الأحداث المذهلة" التي يشير إليها الشرع؟ وماذا عن "مجزرة مدرسة المدفعية"؟ وما هي أبعاد "التحديات الكبيرة" التي ذكرها الأسد؟ هل كان كل ذلك مجرد حراك داخلي ضد حزب البعث الحاكم أم أنه جزء من مخطط دولي ــ إقليمي مشترك يتجاوز المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية؟

من الغريب أن الشرع يمر مرور الكرام على هذه "الأحداث المذهلة"! صحيح أنه يذكر "الاغتيالات والتفجيرات" وكذلك "مجزرة مدرسة المدفعية" (في حلب)، ثم محاولة اغتيال الرئيس حافظ الأسد في 26 حزيران سنة 1980... غير أن ذلك يأتي بعبارات مسطحة وفي سياق عرض حيادي شديد الاختصار يتجاهل الأبعاد الخارجية الإقليمية لتلك المواجهة. (قارن ذلك بعبارة "مؤامرة الإخوان المسلمين عام 1982" التي أوردتها بثينة شعبان في كتابها "عشرة أعوام مع حافظ الأسد" صفحة 125).

ولا بأس هنا من تعداد بعض تلك "الأحداث المذهلة" كي نكون على دراية بمجرى الأمور آنذاك:

ــ حملة تفجيرات واغتيالات بين 1975 و1979 قتلت المئات من العلماء والأطباء والخبراء والأساتذة والضباط والقياديين البعثيين والنقابيين والإعلاميين من مختلف المذاهب والأعراق.

ــ مجزرة مدرسة المدفعية في حلب بتاريخ 16 حزيران سنة 1979 وحصدت عشرات من التلامذة الضباط، وقد تمكن بعض المنفذين من الهرب إلى تركيا حيث وجدوا ملاذاً آمناً.

ــ تشريع قانوني يجرّم الإنتماء إلى "جماعة الإخوان المسلمين"، ويجعل عقوبة ذلك الإعدام.

ــ محاولة اغتيال حافظ الأسد في دمشق بتاريخ 26 حزيران سنة 1980 وإصابته بجروح.

ــ مجزرة سجن تدمر التي أسفرت عن مقتل المئات من سجناء الإخوان المسلمين، وجاءت رداً على محاولة اغتيال الأسد.

ــ سيطرة الإخوان المسلمين على مدينة حماة في مطلع سنة 1982 وإقدامهم على تصفية المئات من أخصامهم بمن فيهم موظفو الحكومة والجنود ورجال الشرطة والبعثيون. ثم قيام القوات الحكومية بمحاصرة المدينة وتدمير القسم القديم منها حيث تحصن المسلحون. وأسفر ذلك عن سقوط آلاف الضحايا من المدنيين.

يمكن القول إن مجزرة سجن تدمر ومعركة مدينة حماة كانتا نقطة تحول في المواجهة الشاملة التي خططت لها "الطليعة المقاتلة"، الجناح العسكري للإخوان المسلمين. والقارئ المتابع لا يستطيع فهم طبيعة تلك المواجهة من دون الإشارة إليهما (تدمر وحماة)... ومع ذلك لم ترد في مذكرات الشرع أية كلمة عنهما على الإطلاق. ونحن هنا أمام احتمال من إثنين: إما أن الشرع نفسه تجاهلهما عمداً لأسباب خاصة به، أو أن الناشر قرر لاعتبارات "تحريرية" حذف كل ما له علاقة بحدثين مفصليين في تاريخ العلاقة بين النظام في سورية و"جماعة الإخوان المسلمين". ومهما يكن من الأمر، فكلا الاحتمالين ينالان من مصداقية المذكرات.

وقد يحتج معترض بأن مذكرات الشرع تركزعلى العلاقات الخارجية إنطلاقاً من موقعه كوزير دولة للشؤون الخارجية أولاً ثم وزير للخارجية، لكن الوقائع التاريخية أظهرت (وما تزال تظهر) أن نشاطات "الإخوان المسلمين" لم تخلُ قط من أبعاد خارجية تمثلت باحتضان العراق والأردن وتركيا لعناصر الجماعة وتأمين الرعاية والدعم والحماية لها في ذروة المواجهة مع دمشق... ولا نظن أن الشرع لم يكن على معرفة تفصيلية دقيقة بتلك التدخلات الخارجية. بل نحن متأكدون من هذا الأمر، لكن ما لا نستطيع الجزم به هو: مَنْ الذي قرر تجاهل تلك "الأحداث المذهلة" كما وصفها الشرع بدقة في "الرواية المفقودة"!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017