إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

لأن الله هو الله فان لكل أجل كتاب

يوسف المسمار

نسخة للطباعة 2015-06-05

الارشيف

عزيزتي وصديقتي المميّزة

الدكتورة سناء الشعلان المحترمة

اسمحي لي ان استعير تعبيرك اللطيف واتوجه اليكِ بالعزيزة الجميلة المبدعة .

أما بالنسبة لطلبك بشأن سيرة حياتي فاني اقول كما قال العالم الاجتماعي والفيلسوف أنطون سعاده مؤسس حركة النهضة السورية القومية الاجتماعية :" أنا لا أعد الأيام ولا السنين التي عشتها بل الأعمال التي أنجزتها " فحياة المرء يا صديقتي هي انجازاته لأن بين الحياة والموت حرف " الواو " فقط . ولذلك يمكن ان تكون الحياة موتاً ، كما يمكن أن يصبح الموت حياةً . ولذلك فان كثيرين من الذين ماتوا يمارسون الحياة ويحيون أفضل من الأحياء وهذه هي النعمة التي منحنا الله اياها فأهملها الكثيرون من بني قومنا وهجروها ويسيرون وراء سراب ما يخدعنا به أعداء أمتنا . وغالبية الناس الذين يعيشون هم في الحقيقة أموات ولا يدرون ذلك وهذا هو الويل الذي اجتاح بلادنا ويجتاح ونعاني من شروره وكوارثه.

المفكر هو فكره . والأديب هو أدبه . والفيلسوف هو فلسفته . والعالم هو علمه . والفنان هو فنه . والمبدع هو ابداعه ، والبطل هو عزّه ولا يكون العكس أبداً هو الصواب. فاذا كان الفكر صالحاً ،والأدب راقيا ، والفلسفة حكمة، والعلم نافعاً ، والفن تسامياً ، والحياة صراعاً ووقفة عز كانت الحياة هي النعمة .وكان الأدباء والفلاسفة والعلماء والفنانون والمبدعون والأبطال جديرين بتسمياتهم .

أما اذا كان الفكر فساداً ، والأدب انحطاطاً ، والفلسفة جاهلية ، والعلم ضرراً ، والفن غباءً سلفياً ، والحياة هروباً واستسلاما كان العيش موتاً ولعنة . فالحياة الحياة عيش عزيز ، والموت الموت عيش ذليل. وسيرة المرء هي في موقفه وخياره وممارسته .

ولأن المرء ابن مجتمعه ، وشخصيته لا تتحقق الا في بيئة مجتمعه ، وبقاؤه لا يتم الا ببقاء مجتمعه ، وحياته وحريته وعزه من المحال بغير حياة مجتمعه وحرية مجتمعه وعز مجتمعه ، فان سيرة عيش المرء الحقيقية هي من سيرة عيش مجتمعه حياة او موتاً. ففي نهوض مجتمعه تكون حياته الناهضة ، وفي انحطاط مجتمعه يكون موته في انحطاطه . واذا كان من الضروري الضروري الاطلاع على سيرة حياة الأحياء للانتفاع بما انجزوا وقدّموا من أجل مواجهة أحداث الحاضر والتخطيط لبناء المستقبل فهذا لا يكون الا بعد رحيل أجسادهم عن هذه الدنيا. ولا حاجة الى القول باجهاد الأنفس من أجل معرفة سيرة حياة الأموت سواء كان ذلك من الذين لا يزالون على قيد العيش أو من الذين يسكنون وسوف يسكنون القبور .ان سيرة كل واحد منا هي ما يفعله من أجل أن تكون أمتنا أمة حيّة ناهضة عزيزة فتكون سيرة حياة ونهوض وعزة لأمته ولنفسه.فالحيّ منا هو المحافظ على حياة أمته، والناهض منّا هو من يحمل أعباء نهوض أمته ، والعزيز منّا من لايسمح للعالم كله أن يّذلَّ أمته كما لا يسمح لنفسه أن يُذلَّ اية أمة أخرى . ان الرسالة الحقيقية التي تردُّ عنا ويلات الحاضر وتنقذنا من ويلات المستقبل ، و تخلّصنا من ويلات الماضي هي أن نعمل لنهضة أمتنا فنكون ناهضين من أمة ناهضة، وأحراراً من أمة حرة ، وأعزاء من أمة عزيزة ، ومبدعين من أمة مبدعة ، والا ،فلا مكان لنا في التاريخ لا بين الأمم الناهضة ولاعند الله البديع الخالق القوي الذي لا يرضى أن يكون خلقه الا أقوياء مبدعين خالقين .

الحياة يا صديقتي العزيزة صراع في سبيل الأفضل ، والموت هو الهروب من الصراع والاكتفاء بالموروث المهتريء . فمن اراد الحياة الأفضل فلا وسيلة له الا الصراع للنهوض بأمته من أجل أن تتمكن أمته من النهوض بعالم يتهاوى فكراً وأخلاقاً، وقيماً وانسانياً. أما من يشتهي الاكتفاء بالموروث المهتريء فالمَللُ جاهزلاقتناصه بعد ان سقط في مستنقع الخمول وأرهبه الصراع وكان نقمةً على نفسه وعلى أمته وعلى العالم .

ان سيرة حياتي بدأت باعتناق مباديء نهضة الأمة السورية في بلاد الشام والرافدين،ومنذ تلك اللحظة أصبحت سيرة حياتي من سيرة حياة رفيقاتي ورفقائي السوريين القوميين الاجتماعيين الذين كتبوا ويكتبون التاريخ الجديد بدمائهم وجراحهم وآلامهم ودموع اراملهم وأيتامهم وعذاباتهم في السجون والمنافي في شتى نواحي العالم وأمام خشبات الاعدام وعلى المشانق منذ ثلاثينات القرن الماضي يوم قرر العالم الهمجي الاستعماري تمزيق أمتنا الى قطعان بشرية، وجزّأ وطننا الى حظائر تتوزع فيها القطعان،وكل ذلك من أجل زرع السرطان اليهودي الصهيوني في قلب أمتنا للقضاء علينا وجوداً وحياةً ومصيراً و حضارةً وتاريخا ومدنية، واقامة كيان همجي تكفيري يهوهي خرافي طفيلي يعيش على امتصاص دماء الآخرين ، وبث الفتن بين الشعوب والجماعات ، وتدمير مآثر الحضارات ، وقتل المبدعين والمتميّزين .

وبدلاً من أن يثور شعبنا على تجزئة الوطن ،ويرفض حياة القطعان، والعيش في الحظائر والاسطبلات،تمسكت القطعان بالأمورالمفعولة والوقائع المفروضة واستسلمت للعيش في الحظائر التي توهمتها مجتمعات وأوطانا ودولاً تحميها من الانهيار. حتى أن كل قطيع تحوّل الى تجمهرات وقطعان تتناطح وتتقاتل داخل الحظائر المسيّجة بالحقد والكراهية والجاهلية أمام المجرمين المتفرجين من دول العدوان الخالقة والفارضة بالاكراه للكيان اليهودي الغاصب بفضل تخاذل الجاهليين من أبناء امتنا ، وبفضل خيانة الحقيرين ، حتى بدت صورة مجتمعنا الحاضر لوحة هزلية من قطعان من الفلسطينيين وقطعان من اللبنانيين وقطعان من الأردنيين وقطعان من العراقيين وقطعان من الشاميين تتناطح فيما بينها وتتلابط وتترافس وتدعس بعضها بعضاً ، وتقتل بعضها بعضاً حين لا تجد من يقضي عليها من الأعداء الجزّارين المجرمين .

وبدلاً من رفض ونقض قرار أعدائنا الكارثي علينا والانطلاق من أصالتنا الحضارية ومنابع تاريخنا الروحية فقد هرولنا وراء الخرافات والتقاليد العفنة، والعادات الكريهة، وسفاسف الدعايات والأضاليل والشائعات والأباطيل، والاغراءات والاكراهات وسائر الشعوذات حتى فقدنا معظم المزايا التي تجعلنا أعزاء أمام انفسنا وامام الآخرين.

ان كل سيرة ومسيرة حياة أيٍّ من الواعين من أبناء أمتنا لا تكون في خدمة النهوض القومي الاجتماعي وتغيير هذه الصورة الزرية لواقع حاضر جيلنا لا تستحق أن تُذكر ولا أن تُحترم.ولا يغيّر هذه الصورة الا اعتماد البطولة الواعية المؤيدة بعقيدة صالحة صحيحة تؤمن أن الله لأنه الله لم يعلن افلاسه ولم يعلن عجزه فيكتفي بما ارسل وبمن ارسل من الصالحين ، بل هو قالها في القرآن المنير صراحةً للذين يفقهون ويستوعبون ويميّزون: "وجعلنا لكل أجل كتابا، ولكل أمة شرعةً ومنهاجا " وكتابنا اليوم هو الذي يطلب منا أن نخرج من سلفيات الظلمات، ورجعيات المظالم، وجاهليات العمى ، ومخاوف الجبن باعتماد البطولة والصراع الواعي، وباعتماد الوعي الصراعي الذي يجعلنا جديرين بحمل أمانة العقل الذي استأمننا الله عليه فلا نكون من خونةً للأمانة .

ان من لا يكتب سيرته بالصراع الواعي فكراً وعلماً وفناً وابداعاً وعملاً وتضحية " طلباً للحقيقة الأساسية الكبرى لحياة أجود، في عالمٍ أجمل ، وقيم أعلى " كما عبّر عن ذلك الفيلسوف أنطون سعاده فان سيرته وعدمها سواء ، وعيشه هباء ، ومصيره هراء ، والحياةُ العزيزة منه براء .

قال أديبنا الكبير جبران خليل جبران :" ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب " أجل بدماء قلوبنا يجب أن نكتب ، وبعصارة أدمغتنا ينبغي أن نثور على واقعنا ، وبكل ما وهبنا الله من قوى علينا أن ننتفض وننهض ، وبالروح الالهية التي تفعل فينا يجب أن نغيّر مجرى حياتنا فيغيِّر الله ما بنفوسنا الى الأصلح والأطهر والأبهى والأبقى لنجعل لأمتنا سيرة النبع المتفجر جداول وعيّ ومعرفة وفضيلة وحكمة تُغذي العالمين بالمحبة والرحمة والصراع من أجل حياة أجل .هذا هو الكتاب المقدس الحقيقي الذي يجب أن نتمسك به فلا نهبط من فضاء النور الى سحيق الظلمات ، ولا نعطّل المواهب التي منحنا الله اياها فنكون من الكافرين بأنفسنا وبكل ما ارتضاه الله لنا من الهُدى فنسقط على جوانب طريق الحياة غير مأسوف علينا لأننا لم نفهم ولم نستوعب ان الله الحيّ الذي لا يموت ما أقفل باب عطائه ، وما أعلن افلاسه ،وما اكتفى بما وهب ،ولن يعجز عن أن يمدنا بما يكفي من الطاقة فنرى ما لم تره عين ، ونستوعب ما لم تستوعبه نفس ، وندرك ما لم يدركه عقل ، ونصل الى ما لم يصله بشر، فنرى عظمة حكمته في كل لحظة أعظم مما رأيناها في الماضي ،وأعظم مما نراها في حاضرنا ، وتراها أجيالنا في المستقبل اعظم وأعظم وأعظم الى ما لم يستطيع انسان أن يتصوّر أو يتخيَّل .

لكِ محبتي ودمتِ للحق والابداع


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017