إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

"الإسلام السياسي" وبيت الطاعة الغربي!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-07-29

الارشيف

أريد أن أنطلق من فكرة محورية تقول إن جماعات الإسلام السياسي، بمختلف أطيافها المذهبية والإيديولوجية والتنظيمية، تشكل في جميع الأحوال (كما كانت تشكل طيلة القرن الماضي) حليفاً أساسياً للغرب الأميركي ــ الأوروبي. قد يفترق الطرفان في مراحل معينة، وربما يصل الأمر بهما إلى حد التصادم... لكن المحصلة الأخيرة هي أن الغالبية العظمى من هذه الجماعات لا مناص لها في خاتمة المطاف من العودة إلى بيت الطاعة الأميركي ــ الأوروبي.

إذا توافقنا على هذه المسلمة المركزية، نستطيع بالتالي أن نفهم طبيعة الحراك المتسارع الآن في عالمنا العربي وبقية الدول الإسلامية حيث تلعب جماعات الإسلام السياسي أدواراً سياسية وأمنية متزايدة لا يمكن إطلاقاً فصلها عن المخططات الإستراتيجية الكبرى، إقليمياً ودولياً. بل يمكننا أيضاً أن ندرج الاتفاق النووي الإيراني في هذا السياق العام، وإن كانت له خصوصيات محددة تستحق مقاربة مستقلة لاحقاً. وهذا الفهم سيمكننا من استشراف آفاق المستقبل في خضم الهجمات الشرسة التي تتعرض لها بلادنا سواء من قبل القوى الداخلية، أو من قبل قوى خارجية تتخفى وراء أطراف محلية ذات توجهات سياسية متضاربة.

يعمد الإعلام الأميركي ــ الأوروبي الموجه إلى إطلاق صفات متنوعة على جماعات الإسلام السياسي، فنقرأ في أدبياته عن الإسلام المعتدل والمتسامح والأصولي والمتطرف والتكفيري والإرهابي... إلخ (ويجب أن نسجل هنا إضافة جديدة متداولة حالياً هي الإسلام المقاوم). وهي صفات غير ثابتة موضوعياً، بمعنى أنها يمكن أن تتغير وفقاً لمواقف تلك الجماعات وعلاقاتها مع الغرب الأميركي ــ الأوروبي، وكذلك وفقاً للوظيفة المرجوة لها والمتوقعة منها في صراع المصالح العالمية الذي يبدو أنه يؤشر حالياً إلى نوع من الحرب الباردة الجديدة.

تواجه أفغانستان، على سبيل المثال، خطر "القاعدة" و"طالبان". التنظيمان يعتبران من جماعات الإسلام السياسي، يحملان الأفكار نفسها ويسعيان إلى تطبيق الشريعة نفسها وسبق لهما أن تحالفا منذ أن أوجدهما الغرب الأميركي ــ الأوروبي لمحاربة الوجود السوفياتي (الشيوعي الكافر!) في أفغانستان سنة 1979. وهما لم يغيرا حرفاً واحداً من فهمهما التكفيري المتطرف حتى بعد كل المآسي التي حلت بالعالم الإسلامي. لكن شيئاً ما تبدل في منهجية التعاطي معهما. ففي حين ظلت "القاعدة" تنظيماً إرهابياً على مستوى العالم، نجد أن "طالبان" باتت مقبولة كمحاور أساسي للتوصل إلى حل سياسي في أفغانستان.

إن استعداد الغرب الأميركي ــ الأوروبي لمحاورة "طالبان" والانخراط معها في علاقة سياسية تجعلها شريكاً أساسياً في الحكم، لا ينطلق فقط من الرغبة في وضع حد لمعارك الكر والفر المستمرة منذ الغزو الأميركي ــ الأطلسي سنة 2001. طبعاً هذه مسألة ملحة، لكن الأهم هو أن جماعة الإسلام السياسي الأفغانية هذه ستكون أداة جديدة مؤثرة في ثلاث مجالات حيوية: روسيا والصين وإيران. ويكفي ذكر أسماء هذه الدول الثلاث حتى تتضح لنا أهمية أن يكون للغرب الأميركي ــ الأوروبي مثل هذا "الحليف" بعد أن يكون قد تنكر لروابطه مع "القاعدة"، ومنع "تنظيم الدولة الإسلامية" من وضع جذور له في أفغانستان... فيعود هانئاً مطمئناً إلى دفء الرحم الذي أنجبه!

وتشارك إيران، التي تعتبر الوجه الشيعي للإسلام السياسي، في إعادة تأهيل حركة طالبان من خلال سلسلة مباحثات علنية وسرية على الرغم من تاريخ الحركة الأفغانية "العريق" في استهداف أقلية الهزارة الشيعية، سواء عندما كانت مقاليد الحكم بيدها أو حتى بعد أن حملت السلاح ضد الاحتلال الأميركي. ولطهران أسباب إستراتيجية في هذا التوجه، إذ إنها تريد تأمين حدودها مع دولة ستظل بؤرة للتوتر الإقليمي إلى مدى غير منظور. وسيساعدها في ذلك أن الخط العام للإسلام السياسي ربما يكون عاملاً مساعداً في ضمان علاقات حسن الجوار.

نصل الآن إلى ما يحدث في بلاد الشام. فجأة انعطفت تركيا المحكومة بحزب يُصنف في خانة الإسلام السياسي، وقررت الانخراط بعد ممانعة عنيدة في عملية ضرب "تنظيم الدولة الإسلامية". كانت المعلومات الميدانية تؤكد أن أنقرة فتحت كل الأبواب أمام هذا "التنظيم"، وقدمت له الدعم العسكري الشامل لكي يتمدد في مناطق شاسعة من العراق وسورية. وظلت الحكومة التركية برئاسة طيب رجب أردوغان ومن بعده أحمد داوود أوغلو ترفض التعاون في مكافحة تمدد "التنظيم" حتى بعد أن باشر "التحالف الدولي" غاراته الجوية على مواقع "الإرهابيين" في العراق وسورية. فما الذي تغيّر كي تبدل حكومة "الإسلام السياسي" التركية موقفها؟

ربما مثلت العملية الإرهابية في بلدة سروج الشرارة التي أشعلت الفتيل. لكن الحقائق التي نراها تختلف إلى حد بعيد. فهناك أولاً التراجع السياسي المحلي لـ "حزب العدالة والتنمية" الحاكم بعد أن مُني بالهزيمة في الانتخابات النيابية الماضية. ثم جاءت "الإنتصارات" الكردية على مقاتلي "تنظيم الدولة" بحيث ظهر تأثير واضح على النسيج السكاني التركي قرب الحدود. وأخيراً، فشل كل الهجمات التي خططت لها أنقرة ورعتها ضد مدينة حلب... وهذا ما دفع باتجاه التغيير الذي نشهده حالياً.

إذن الهجمات التركية تستهدف الجماعات الكردية بقدر ما تستهدف "تنظيم الدولة"، بل ربما أكثر. ولكي تتجنب أنقرة حدوث فراغ عبر الحدود مع سورية، راحت تروج لما أسمته "منطقة آمنة" مؤكدة أنها حصلت على موافقة أميركية بهذا الشأن، وفي الوقت نفسه استدعت "الحلف الأطلسي" لتوفير غطاء سياسي أمني لمغامرتها المباشرة الجديدة. لكن أحداً من المسؤولين الأتراك لم يوضح من سيملأ ذلك الفراغ المزعوم، اللهم إلا قولهم إن مئات الألوف من المهجّرين السوريين المتواجدين على الأراضي التركية سينتقلون تحت الحماية الدولية إلى "المنطقة الآمنة".

وهذا ما يعيدنا إلى بدائل جماعات الإسلام السياسي. هل لاحظتم خلال الأشهر القليلة الماضية تلك المحاولات الدؤوبة الخجولة لتلميع صور فصائل أخرى من جماعات الإسلام السياسي العاملة على الأراضي السورية؟ "النصرة" و"جيش الفتح" و"جند الأقصى" و"حركة أحرار الشام الإسلامية" لا تختلف إيديولوجياً عن "تنظيم الدولة" على الرغم من صدامات دامية بينها مرتبطة بالمصالح والنفوذ وليس بالفكر المتطرف التكفيري. ومع ذلك تحظى هذه الفصائل برعاية ودعم كبيرين من حلفاء الغرب الأميركي ــ الأوروبي في المنطقة. إن المراقبين الغربيين أنفسهم يسخرون من دعابة خلق "معارضة سورية معتدلة" لمواجهة "تنظيم الدولة"، بل إن الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه ألمح إلى ذلك في أحد لقاءاته التلفزيونية قبل أشهر.

فمنْ سيملأ الفراغ، إذاً؟

يبدو حتى الآن أن المهمة التي أنيطت بـ "تنظيم الدولة الإسلامية" قد وصلت إلى مداها الأقصى في تحقيق النتائج المرجوة، فبات من الضروري تغيير القشور مع المحافظة على الجوهر. هناك بدائل جاهزة لملء الفراغ، ليس فقط من خلال جماعات الإسلام السياسي الأخرى بل أيضاً من خلال فصائل تركمانية تحظى بقبول عرقي ومذهبي أبرزها "كتيبة السلطان محمد الفاتح" و"كتيبة السلطان مراد" و"كتيبة السلاجقة". وستكون "المنطقة الآمنة" في المرحلة المقبلة ساحة لتصفية الحسابات قبل أن يحدث الفرز النهائي لصالح إسلام سياسي متناغم مع النظرة الغربية إلى مستقبل منطقتنا.

إن الغرب الأميركي ــ الأوروبي لا اعتراض له مبدئياً على جماعات الإسلام السياسي طالما أنها تبايع ولي الأمر على السمع والطاعة، وتلتزم في خدمة مخططاته، وتميل معه إلى حيث يميل. فهو، كما في قصة هارون الرشيد مع الغيوم الداكنة التي لم تهطل فوق بغداد العطشى، إذ قال قوله المشهور: إمطري حيث شئت فخراجك يعود إليّ!!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017