إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الملاذات الآمنة بين الأمر الواقع والتقسيم

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-08-26

الارشيف

يخطئ من يسعى إلى التعامل من منظور أمني وسياسي فقط مع "الاتفاق" التركي ــ الأميركي لإقامة ملاذ آمن أو منطقة آمنة (مهما كانت التسمية) عند الحدود الشمالية السورية. ويخطئ أكثر من يعتقد مطمئناً بأن تغيّر الظروف لاحقاً يمكن أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويفكك بالتالي مراكز القوى المحلية والإقليمية التي ستنشأ في خضم الفراغ الناجم عن العمليات العسكرية الهادفة إلى "ضرب تنظيم الدولة الإسلامية ــ داعش"، وإحلال أطراف من "المعارضة السورية المعتدلة" مكانها.

لقد أثبتت الأحداث السياسية خلال العقود الثلاثة الماضية أن غالبية الملاذات أو المناطق الآمنة، إما أدت تلقائياً إلى "الاستقلال" عن جسم الدولة الأم، وإما تحولت مع الزمن إلى أمر واقع يخضع لحماية ورعاية قوى إقليمية تتحين الفرص المناسبة للانتقال إلى تركيب دويلات هجينة لا تملك أي مقومات للبقاء لولا الغطاء العسكري الخارجي إضافة إلى مساعدات اقتصادية أساسية لضمان ديمومتها.

وإذا درسنا مجموعة من الأمثلة المعاصرة، إبتداء من جنوب لبنان مروراً بشمال العراق وتيمور الشرقية (إندونيسيا سابقاً) وكوسوفو (صربياً سابقاً) وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية (جورجيا سابقاً) وصولاً إلى شرق أوكرانيا حالياً، لوجدنا أن الدعوة إلى إنشاء ملاذات أو مناطق آمنة تستدعي توافر العناصر الثلاثة التالية:

أولاً ــ صراعات أهلية في الدولة الأم على أسس عرقية أو دينية أو طائفية وما شابه، بحيث تفقد السلطات المركزية قدرتها على بسط سيادة الدولة على كل أراضيها ناهيك بعجزها عن منع التدخلات الخارجية.

ثانياً ــ وجود قوى إقليمية مهيمنة ذات أطماع في الجوار المضطرب، سواء بادرت هي إلى إثارة الاضطرابات أو عمدت إلى استغلالها، وتكون مستعدة للتدخل العسكري المباشر.

ثالثاً ــ وجود بيئة محلية قابلة في المنطقة المقرر أن تقام فيها الملاذات، أو تسعى القوى الخارجية إلى إحداث تغيير ديموغرافي لخلق مثل هذه البيئة الحاضنة.

وقبل تناول ما تضمره تركيا للشمال السوري، لا بد من عرض نموذجين أو ثلاثة لكيفية تحول الملاذات الآمنة في أنحاء مختلفة من العالم. نبدأ بتيمور الشرقية (إندونيسيا) ذات الغالبية المسيحية التي كانت منذ العام 1975 بعد رحيل الاستعمار البرتغالي جزءاً من جزيرة تيمور ذات الغالبية الإسلامية. وبعد سنوات من الإضطرابات الأهلية، تدخلت الأمم المتحدة وعهدت إلى قوات أسترالية بالتدخل لـ "حماية" السكان! وفي ظل تلك "الحماية" أعلن القسم الشرقي استقلاله عن إندونيسيا، وبات يدور في الفلك الأسترالي سياسياً واقتصادياً وأمنياً... ودخل الأمم المتحدة طبعاً كدولة معترف بها عالمياً.

ولكن أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لم تحظيا حتى الآن بالاعتراف الدولي على رغم أنهما "مستقلتان" فعلياً عن جورجيا (الدولة الأم) منذ هزيمة الأخيرة في الحرب الخاطفة مع روسيا والمتمردين الأبخاز والأوسيتيين في آب سنة 2008. فقد كانت مواجهات ذلك العام ذروة التوتر بين الطرفين منذ الاضطرابات العرقية الداخلية بين 1991 و1993 ما دفع موسكو إلى التدخل المباشر لـ "حماية" سكان المنطقتين الانفصاليتين اللتين تدوران الآن في الفلك الروسي.

أما إسرائيل فقد فشلت في تثبيت ملاذها الآمن في جنوب لبنان على رغم إنشائها وحمايتها ودعمها لـ "جيش لبنان الجنوبي"، مستغلة المواجهات الأهلية الداخلية المتشابكة مع صراعات سياسية وأمنية بين أطراف لبنانية وسورية وفلسطينية. والسبب الأساسي في فشل الملاذ الآمن الإسرائيلي في الجنوب يكمن في أن المخطط الصهيوني، مدعوماً بقوى لبنانية انعزالية، لم يتمكن من إيجاد البيئة الأهلية الحاضنة ما أدى إلى اندحاره النهائي في حرب التحرير سنة 2000.

وعلينا هنا أن نلقي نظرة على النموذج العراقي بعد معركة "تحرير الكويت" وفرض منطقة حظر جوي على العراق. فمع أن منطقتي الجنوب والشمال انتفضتا على نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، إلا أن "الحماية الدولية" لم تتأمن إلا للشمال. وهذا يعود في رأينا إلى عاملين: الأول هو مصلحة الغرب الأميركي ــ الأوروبي في قيام إقليم كردي شبه مستقل، والثاني أن الأكراد يشكلون بيئة حاضنة قابلة للإنفصال في حين أن الشكوك تحيط بمواقف أبناء الجنوب. والمحصلة الراهنة هي ما نراه في سعي إقليم كردستان العراق إلى مزيد من الاستقلالية عن بغداد.

فماذا عن مناطق الشمال السوري التي تريد أنقره أن تجعلها ملاذاً آمناً؟

تنطبق على الوضع في شمال سورية العناصر الثلاثة التي ذكرناها في مطلع هذه المقالة. فالحرب الداخلية (وتداخلاتها الخارجية) مستمرة للسنة الخامسة على التوالي، وتركيا كقوة إقليمية مهيمنة لم تخفِ قط أطماعها التوسعية سياسياً وجغرافيا، كما أن البيئة المحلية الحاضنة جاهزة وتتمثل في جماعات "الإسلام السياسي" بتياراته المتنوعة. لكن الأخطر من كل ذلك ان أنقره تخطط لإحداث تغيير ديموغرافي جذري في المنطقة سيشكل تهديداً مصيرياً لسيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها ومجتمعها على المدى البعيد.

خلال السنوات الأربع الماضية، عمد بعض الفصائل السورية المسلحة إلى اتخاذ أسماء أريد منها أن تدغدغ المشاعر التركية للحصول على مزيد من الدعم والرعاية. فالفصائل المسماة "كتيبة السلطان مراد" و"كتيبة المنتصر بالله" و"كتائب السلطان محمد الفاتح" و"قوات السلطان عبد الحميد"... وغيرها كانت تتضمن مواطنين سوريين وآخرين من أصول تركمانية. ومن جهة أخرى، غضت السلطات التركية النظر، بل وشجعت جماعات من دول آسيا الوسطى الإسلامية على "الهجرة" إلى سورية لتأسيس "الجيش التركستاني الإسلامي" القريب من توجهات "القاعدة". والملفت أن هؤلاء قدموا إلى الأراضي السورية مع عوائلهم ما يعكس الرغبة المخطط لها سلفاً في الاستيطان الدائم!

تركيا والولايات المتحدة تدركان أنه لا وجود لما يسمى "معارضة سورية معتدلة" قادرة على ضبط الوضع الميداني في الملاذ الأمني المرتقب. ولذلك حصلت أنقره على جائزة ترضية، مقابل موافقتها الشكلية على ضرب "داعش"، تتمثل في تكوين "جيش تركماني" من خمسة آلاف مقاتل مبدئياً يكون هو "المعارضة المعتدلة" المطلوب منها أن تواجه التنظيمات الإسلامية المتطرفة! وقد كان وزير الخارجية التركي شاويش أوغلو واضحاً تماماً عندما قال إنه لن يكون هناك مكان في الملاذ الآمن لوحدات حماية الشعب الكردي إلا إذا غيّر الأكراد توجهاتهم.

هذه الوقائع الجديدة تضع كل القوى السورية المعنية بوحدة المجتمع السوري وسلامة أراضيه، الموالية منها والمعارضة، أمام استحقاقات تتطلب وقفة مع الذات لمراجعة حسابات السنوات الأربع الكارثية واستشراف أبعاد المخاطر التي تنتظر الشعب السوري طالما أن قرارات المواجهة أو التسوية باتت رهن إرادة أطراف خارجية لا تهمها على الإطلاق المصالح السورية الحيوية. نحن لا نستطيع الرهان على جماعات "الإسلام السياسي" التي أثبتت على مدى عقود أنها مستعدة للتضحية بالحقوق الوطنية والقومية على مذبح التعنت الإيديولوجي. إن مخاطر المشروع التركي في الشمال السوري (وربما أيضاً في الشمال العراقي!) تمثل التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة بقدر ما تشكل التحدي الأكبر أمام القوى والأطراف السورية الحية... فهل ستكون على قدر المسؤولية التاريخية؟

إن نموذج التغيير التركي الديموغرافي في لواء الإسكندرون خلال ثلاثينات القرن الماضي، والتغيير المماثل في جزيرة قبرص بعد الغزو التركي سنة 1974... عبرة لمن يعتبر في سورية!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017