| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-04-05 |
الفلسطينيون ونموذج التعايش! |
|
ثمة نظام معروف في جميع الديمقراطيات، هو ما يطلق عليه باللغات الاجنبية مصطلح "التعايش" (كوهابيتيشن او كوهابيتاسيون) وهو ذلك الذي تفرز فيه العملية الانتخابية قيادتين سياسيتين مختلفتين حزبيا، كأن يكون رئيس الدولة من اليمين ورئيس الوزراء من اليسار او العكس، وكذلك رئيس البرلمان.
وقد عرفت فرنسا، على وجه الخصوص هده الحال مرارا، لعل من ابرزها الحقبة التي كان فيها جاك شيراك رئيسا للوزراء وفرانسوا ميتران رئيسا للجمهورية، ومثلها تلك التي كان فيها ليونيل جوسبان رئيسا للوزراء في ظل رئاسة شيراك. كما عرفتها الكثير من الدول الاخرى بحسب انظمتها الانتخابية، فحيث لا ينتخب رئيس الوزراء او لا تحدد اختياره الاغلبية البرلمانية، يكون التباين مع رئيس البرلمان، كأن يكون رئيس الولايات المتحدة ديمقراطيا ورئيس الكونغرس جمهوريا.
وطالما اعتبر هذا الشكل الحكومي تعبيرا عن صحة النظام الديمقراطي وعافيته، فلماذا تقوم الدنيا ولا تقعد الان لان الفلسطينيين قد خرجوا من صناديق الاقتراع بتركيبة مشابهة؟ لماذا ينظر الى ما اعتبر دليلا على صحة الديمقراطية هناك، على انه دليل على شلل الدولة هنا؟ لمادا يعاقب الفلسطينيون على كونهم يقدمون لانفسهم ولعالمهم العربي نمودجا في الحياة الديمقراطية السياسية؟ اجل كان هؤلاء الناس نمودجا، لا لانهم ذهبوا الى صناديق الاقتراع، فهذا لا يعد شيئا في التحليل العميق لمعنى الديمقراطية. ولا لانهم خاضوا الانتخابات بلوائح وترشيحات، فهذا ايضا لا يكفي لاعتبار العمل ديمقراطيا، وحتى لا لانهم لم يزوروا وجاءت نتائجهم نزيهة، فهذا ايضا قد يفرض من الخارج.
كانوا نمودجا لانهم مارسوا تجربتهم الانتخابية على اساس سياسي، حزبي، على اساس برامج انتخابية واضحة، لا على اساس إثني او طائفي او قبلي عشائري؛ فالديمقراطية تبدأ من مسألة فردية، هي تبلور شخصية الفرد وقناعاته، بحيث تأتي خياراته السياسية -ايا تكن- على اساس ما يراه هو مصلحته ومصلحة بلاده، بصرف النظر عن أية املاءات وارتباطات قطعانية (نسبة الى القطيع) جمعية، تجعله مجرد رقم في مجموعة، سواء كانت هذه المجموعة هي الطائفة او الاثنية او القبيلة او العشيرة. ولا شك ان تمكن الفرد من الوصول الى هذه الحالة مرهون بممارسة الحياة السياسية بمعناها العقدي الحزبي، التعددي. وهذه هي الفرصة التي اتيحت للفلسطينيين عبر عقود من عمل منظمات المقاومة، التي لم تكن في الحقيقة الا احزابا سياسية تتبنى الكفاح المسلح. ولا يغير في هذا التحليل شيئا كون حماس حزبا اسلاميا، طالما ان الاختلاف بينه وبين الاحزاب الاخرى لا يقوم على كون فتح كاثوليكية مثلا او الجبهة الشعبية شيوعية، وطالما ان توزع الناخبين بين هذه المنظمات لا يقوم على اساس فصل ومحاصصة طائفيين. ان وضع حماس هنا هو اشبه بالحزب الديمقراطي المسيحي في ايطاليا او المانيا على سبيل المثال، وبذا تكون التجربة الفلسطينية الديمقراطية هي النمودج الذي يقدم للمنطقة العربية، لا التجربة العراقية التي اعاد بها الاحتلال الاميركي بلاد ما بين النهرين الى ما قبل المجتمع وما قبل الدولة، الى مجموعة من الاثنيات والعشائريات والطوائف، ويريدنا ان نتمثل بها. وليس ذلك بغريب؛ فتلك تجربة افرزها كفاح التحرر الوطني، وهذه تجربة افرزها الاحتلال الاجنبي. كما ان تجربة الفلسطينيين في حكم التعايش هذا هي من ارقى التجارب الديمقراطية التي يعتز بها الغرب نفسه. فلماذا يتناسى ذلك ويهاجمها كأنها اختراع شيطاني سيعيق الحياة الفلسطينية، بل ويتخد منها دريعة لمعاقبة الفلسطينيين وتنفيذ المخططات الاسرائيلية؟!
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |