إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

جامعة دول .. أم مؤسسة في خدمة مشروع ..؟.

محمد ح. الحاج

نسخة للطباعة 2016-01-15

الارشيف

يبدو بكل وضوح أن المشروع الصهيو – أمريكي في المنطقة يحقق نجاحاً لا يمكن إنكاره مستفيداً من عناصر عديدة وارتباطات مختلفة وتداخل واختلاط الأوراق والمشاريع ، ولأن هذه العوامل مجتمعة قوامها الارتكاز على إثارة وتوظيف الولاءات البدائية لمجتمعات المنطقة وهي المستهدفة بالأصل ، كانت ولم تزل ممنوعة من التحرر من قيودها وتبعيتها ، ممنوع أن ترتقي وتنتج لأنها موظفة ، أو هي الأداة التي تتحكم بها القيادات الموظفة والمؤهلة لخدمة مشاريع الغرب قبل قرون ولم تزل .

البوصلة التي كانت تشير إلى العدو على مدى عقود ستة بدأت تبدل اتجاهها منذ استبعاد سوريا عن المنظمة الاقليمية المسماة " جامعة الدول العربية " قبل سنوات خمس لما لسوريا كدولة مؤسسة من تأثير على مسار السياسة الاقليمية لهذه المنظمة ومواقفها تجاه دول العالم وأخصها المحيط القريب ، الحرب على سوريا لم تكن وليدة أحداث داخلية ، بالأحرى هذه الأحداث تمت إثارتها ضمن خطة مرسومة لهذا الغرض جوهره استبعاد التأثير السوري من حيث الأداء ووقوفه بوجه انحراف البوصلة واستبدال العدو ، وهي الخطة التي تم التسويق لها تحت شعار " شرق أوسط جديد " أو شرق أوسط كبير – الأول بما يشمل العالم العربي وإن كان جزء منه مغربي أو غربي والثاني أكثر شمولاً يتطاول إلى دول اقليمية بعيدا عن العالم العربي ليكون التوظيف كاملاً لا تتخلله نقاط ضعف أو ثغرات ، ولأن الكيان الصهيوني يقع في قلب العالم العربي كان لا بد من تحويله من عدو حقيقي إلى حليف افتراضي بوجه عدو جديد هو ايران ، رغم ظهور المشروع في مراحله الأولى مستهدفا تحويل العدو العالمي للغرب من الشيوعية الملحدة إلى الاسلام التكفيري المتعصب وهو ما أطلق الغرب على منتجه بشكل عام الاسلاموفوبيا ، أما المستهدف الحقيقي فهو الاسلام بالدرجة الأولى بشكل عام ، وباقي الدول المصنفة في خانة العداء للغرب وبضمنها جزء من العالم المسيحي المشرقي ، ومن ديانات أخرى متعددة كما في الصين والهند ودول الهند الصينية ، هو توظيف للدين في خدمة مشاريع سياسية .

منظمة الجامعة العربية ليست مؤسسة جامعة ، بل هي الأداة التي أنشئت للحفاظ على مايسمى دول هي في حقيقتها كيانات عربية ، ولو كان من أهدافها تحقيق وحدة أو وحدات عربية اقليمية مثل ( وحدة بلاد الشام – وحدة شبه الجزيرة العربية – وحدة بلاد وادي النيل ، ووحدة المغرب العربي ) لما وجدنا أن النتائج جاءت عكسية فكان التفريخ بديلا للتوحيد ، ومنع التقارب بين الكيانات المتجاورة والتي هي بالأصل من جذر واحد ، الجامعة لم تعمل على استعادة الامبراطورية العربية ، وليس في نظامها أو من ضمن أهداف نشأتها ذلك ، ولنتصور أن من أهم الأهداف الحفاظ على استقلال الدول ( الدويلات العربية ) ومنع تدخل بعضها في شؤون البعض الآخر وهو مبدأ ساقط من حيث الواقع تجاوزه الأقوياء على المستوى المحلي ، من ذلك تدخل السعودية في محيطها .. الامارات وقطر والكويت والبحرين واليمن ، ومصر .. في السودان وتوابعها ، والمغرب في موريتانيا .. الخ ، وحديثاً يتجاوز التدخل البيئات المجاورة كعمل وظيفي إلى حدود أبعد ..، كما في حالة التدخل السعودي في الشأن السوري رغم أن سوريا من حيث الوزن الاقليمي للمتوسط هي أكثر أهمية من السعودية وأكثر قوة ، إنما يعتمد التدخل السعودي الوظيفي فيها على تحالفات مدعومة من الغرب الذي يتبنى فكرة الغاء سوريا كوجود واسم تاريخي واستبداله بمسميات جديدة جرى الترويج لها عبر أكثر من جهة واستبدالها بتسمية " اسرائيل الكبرى " طبقا للخرائط الأمريكية المنشورة .

مرت الجامعة العربية عبر تاريخها بمراحل كانت سياساتها محكومة لقوى بعينها ، فالتأسيس المدعوم بريطانيا كان لغاية تتحقق اليوم ، وفي مرحلة خرجت على الطاعة البريطانية وحققت نوعاً من التضامن العربي فكانت السيطرة لمصر القوة الرئيسة في العالم العربي متحالفة مع سوريا ، ولاحقاً خرجت مصر وفقدت حضورها ما بعد السادات وكان التأثير السوري لافتاً بالتعاون مع كيانات أخرى ، وبعد عودة مصر بما تحمل على كاهلها من ارتباط بالسلام المزعوم مع الكيان الصهيوني لم يختلف الأمر فبقيت سوريا ومحورها الأكثر فاعلية وتأثيرا وبدأ التأثير السعودي يظهر شيئاً فشيئا بعد الأزمة الكويتية وعمليات التآمر على العراق وتسهيل احتلاله ليبدأ الفراق بين سوريا وعالمها في هذا الشأن بعد مرحلة الرئيس الراحل الأسد وسياسة المواجهة التي سلكها الرئيس الأسد الابن في ابتعاده عن سياسة البراغماتية والمسايرة ، وتسمية الأشياء بأسمائها واخراجه سوريا من عباءة الجامعة وتجلى ذلك في المؤتمرات التي حضرها بدءا من العام 2003 إلى أن قرر الأعراب استبعاد سوريا المشاغبة وبدء التآمر عليها قبل سنوات خمس ، وهكذا أصبحت الجامعة ( سعودية – خليجية ) لا صوت لمصر ولا العراق فيها وهما القوتان المؤهلتان ، في حين بقيت القوى الأخرى تدور في الفلك السعودي – الغربي أو ملهية بمشاكلها الداخلية – السودان – الجزائر – ليبيا ، وحدها سلطنة عمان احتفظت بنوع من الاستقلالية وحافظت على دور مقبول في السياسة والخطاب يؤهلها لتكون عنصر التلاقي في الوقت الذي كان هذا الدور للإمارات العربية وقد تنازلت عنه بسبب موقفها الممالئ للسعودية ، كذلك فعلت الكويت .

في مؤتمرها الأخير كرست الجامعة هيمنة المحفل السعودي – الغربي بما أصدرته من قرارات رغم المبدأ الملزم القائل بأن هذه القرارات يجب أن تحمل صفة الاجماع ، وعلى أساسها يتوضح السلوك العام ، لكن ما صدر أكد رسوخ التشرذم العربي ، بل أكد المهام المنوطة بهذه المؤسسة وأهمها الحفاظ على التجزئة ، ومنع أي تضامن لموقف مؤثر في مسار سياسات المنطقة ، كما كرس عملية استبدال العدو التاريخي للقضايا العربية بنقلة كبيرة فبدلاً من الصهيونية أصبحت ايران ومن يقف إلى جانب سياساتها في دعم الحق السوري – الفلسطيني باعتبارها " مجوسية فارسية " وهذا التوصيف شمل الجزء الأكبر من الشعبين السوري والعراقي ، ونصف لبنان ونصف البحرين وجزء كبير من الشعب اليمني وكل من يماثلهم في الكيانات العربية الأخرى ، ومع أن أسس قيام الجامعة هو منع التدخل في الشؤون الداخلية لكياناتها والحفاظ عليها ، إلا أنه بدا شرطا شكليا يمكن مخالفته في السلوك ، والدليل هو الفعل السعودي في البحرين ، العراق ، سوريا واليمن ، ولأن العداء الإيراني بمواجهة المشروع الصهيوني لا يتوافق مع الالتزام السعودي تجاه المحفل الأعظم فقد كان من المهام الأساسية للجامعة تحت الهيمنة السعودية تحويل الصراع وحرف البوصلة ، ولم ينفع الاعتراض العراقي المحكوم بتوازنات داخلية هشة بعد أن تم التمهيد لهذا التوازن على مدى سنوات عشر وربما أكثر ، الموقف العماني الحريص على مسك العصا من منتصفها أيضا وقف عاجزاً ، وبقي الموقف اللبناني وحده الأبرز ، موقف يستند إلى معرفة واستشراف ما يمكن أن يحدث في لبنان بعد إصرار السعودية على استهداف شريحة كبرى من اللبنانيين ووصمها بالإرهاب " بنفس سوية الإرهاب الذي رعته ومولته ".. جبران باسيل أعلن بجرأة موقف لبنان المعترض مستنداً إلى دعم داخلي لا يمكن أن يخرقه إلا تيار المستقبل الممثل للموقف السعودي ، لكن هذا الخرق لا يشكل خطورة بمقدار ما يمثله التماهي مع الموقف السعودي لو صمت الوزير أو اكتفى بالتحفظ كما فعل العراق .

جذر السياسات في العالم منذ أكثر من قرن هي السياسة البريطانية المتصفة بالدهاء والتخطيط لآماد بعيدة ، وقد اعتمدت منذ القديم قاعدة : لكل عدو عدو ، عدو من داخله في مرحلة الكمون ، وعدو في مواجهته ، وهكذا ورثت السياسة الأمريكية هذه القاعدة وعلى أساس أن الغرب لا يستمر دون وجود عدو ، الشيوعية عدو للإسلام والإيمان ، وعدو لليبرالية والتحرر ، إلى أن سقط الاتحاد السوفيتي ، اليوم الإسلام هو عدو الغرب والعالم ، والإسلام عدو الإسلام ، وعدو للصهيونية ، لكنه لا يشكل خطرا عليها ويمكن التعايش معه ، التناقض اللامنطقي الذي أنتجته السياسات الغربية يتجلى في ايجاد عدو لكل عدو واستثماره ، وعدو للصديق الذي يمكن أن يخرج من تحت العباءة .. من السهل تحريكه كما في الحالة الايرانية ، السعودية عدو داخلي كامن للعرب والعروبة ، واليوم المدافع عن العروبة ، عدو لإيران ، عدو للصهيونية على الملأ وراع وحام وضامن لها سراً .. لم يعد سر ، تركيا عدو للعرب وصديق حميم كما كانت ايران سابقاً ، الصين عدو للاتحاد السوفيتي وصديق وحليف للروس ، دول البلقان من عناصر فاعلة مؤثرة في حلف وارسو إلى عدو لدود للروس وأعضاء في الناتو ، الهند صديق للغرب وعدو لباكستان ، وباكستان عضو فاعل وملحق وقاعدة للغرب ومن مهامها دعم النظام السعودي ، عدد من دول الجنوب الآسيوي أعداء للصين في مرحلة الكمون واليابان بدأت التحرك وهكذا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية .. سقط المنطق واختلطت الأوراق .

الغرب لا يؤمن بتحالف راسخ أو مقدس ، كل التحالفات مرحلية قابلة للسقوط ، والتخلي سمة بارزة في المواقف الغربية التي تمثلها الإدارة الأمريكية ، سقط الشاه ، وقبله سقط كثيرون ، الاستبدال ممكن ولو بعد حين ، وسقط السادات وبعده مبارك ، الغرب يؤمن بمرحلية التوظيف وتنفيذ المهام وبعدها لا يشكل السقوط خسارة ، من هنا يبدو أن سقوط النظام التركي قيد الاحتمال ، ومثله النظام السعودي أو الباكستاني كما سقطت أنظمة كثيرة ، وحتى المنظمات الاقليمية ، سقط حلف وارسو ، وقبله حلف بغداد وأحلاف كثيرة ، ونرى أن منظمة الأمم المتحدة تعتبر ساقطة أو فاشلة في أغلب فعالياتها وقد يتم استبدالها ، ومثل هذا ينطبق على الجامعة العربية التي يبدو سقوطها أقرب وأكثر احتمالا ، بعد أن شارفت على استكمال مهامها ، فقد أثبتت أنها مفرخة للدول والكيانات ، بدل أن تكون جامعة ، وأنها كانت مجرد أداة للحفاظ على جانب كبير من المشروع الصهيو – ماسوني في المنطقة ... اليوم هي محفل آل سعود المشرقي وأتباعهم من أعضاء صغار تمولهم .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017