إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الكنـّة في كوريا والجارة في الصين... والحماة تولول في واشنطن!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-02-14

الارشيف

من أمثالنا الشعبية المشهورة والمعبّرة هذا المثل: "بحاكيكي يا كنة لتسمعي يا جارة". والمقصود به أن الحماة، أم الزوج، تتعمد رفع نبرتها الغاضبة في منزلها وأمام كنتها بينما هي في الواقع تستهدف إيصال رسالة إلى جارتها التي تسمع هذا الصراخ وتدرك مغزاه وأبعاده.

في كانون الثاني الماضي أجرت كوريا الشمالية تجربة نووية جديدة، تردد أنها عبارة عن قنبلة هيدروجينية، فقامت قيامة الغرب الأميركي ــ الأوروبي ومعه الحلفاء المحليون من اليابان إلى كوريا الجنوبية إلى تايوان... وصولاً إلى أستراليا والفيليبين. وما كادت ثورة الغضب والتنديد تهدأ قليلاً حتى أطلقت بيونغ يانغ مطلع شباط صاروخاً عابراً للقارات حمل قمراً صناعياً إلى الفضاء الخارجي. فـ "اكتمل النقل بالزعرور"، حسب المثل الشائع أيضاً!

الجميع يعلم أن كوريا الشمالية تملك منذ سنوات عدة سلاحاً نووياً مكتملاً. وهي تجري بين الحين والآخر تجارب نووية، يعتقد الخبراء أن الهدف الأساسي منها بناء رؤوس نووية صغيرة يمكن وضعها في صاروخ عابر للقارات. والجميع يعلم أيضاً أن ترسانتها الصاروخية متقدمة جداً، وهي تساعد بعض الدول الأخرى في تطوير منظومات صاروخية محلية. ولذلك فإن التجربة الصاروخية الأخيرة ليست مستغربة إلا من حيث المدى البعيد للصاروخ الذي يمكن أن يصيب مناطق في الولايات المتحدة الأميركية في حال تم تعديل مساره أفقياً بدلاً من أن يكون عامودياً.

إذن لماذا هذا التصعيد الديبلوماسي تقوده واشنطن في مجلس الأمن الدولي وخارجه، مستهدفة إحراج الصين التي تشكل شريان الحياة الاقتصادي بالنسبة إلى كوريا الشمالية الخاضعة لسلسلة طويلة من العقوبات الدولية شبيهة تماماً بما عانته إيران على مدى العقدين الماضيين؟ وبكين نفسها لا تتنكر لعلاقاتها الخاصة مع بيونغ يانغ، وإن كانت تدعو إلى التروي والتعقل في التعامل مع نظام يمتلك سلاحاً نووياً، وفي الوقت نفسه لا يتردد ــ ولن يتردد ــ في الرد القاسي على أي اعتداء عسكري على أراضيه من أية جهة كان.

واشنطن تدرك بوضوح أن بكين لن تسمح بسقوط النظام الكوري الشمالي، وإن كانت تؤيد خطوات سياسية خجولة ومحدودة تهدف إلى "تأديبه" بين الحين والآخر. والشيء نفسه ينطبق على موسكو التي ترفض علناً العسكرة النووية الصاروخية في شبه الجزيرة الكورية، غير أنها لن تصل في مجلس الأمن الدولي إلى حدود الموافقة على إجراءات يمكن أن تؤدي إلى ضعضعة الأوضاع الداخلية في كوريا الشمالية. وهذا يعني أن أية عقوبات دولية جديدة على كوريا الشمالية، في حال التوصل إلى توافق بشأنها، ستظل محكومة بالسقف الصيني ــ الروسي الثابت حتى الآن.

والسؤال المطروح هو التالي: لماذا التصعيد الأميركي في وقت تدعو الصين وروسيا إلى ضبط النفس والتروي في معالجة الملف الكوري سياسياً وعسكرياً؟ الجواب يكمن في طبيعة الأبعاد الحقيقية لما تخطط له الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا. إن الغاية من تضخيم صورة المخاطر الكامنة في القدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية هي بث القلق في الدول الحليفة لأميركا، وتمهيد الأرضية المناسبة لزيادة العسكرة في تلك المنطقة الحيوية التي أعطتها الإدارة الأميركية في مطلع القرن الحالي أولوية إستراتيجية مطلقة. فلكي تواجه أميركا الصعود المذهل للنفوذ الصيني عليها أن تجيّش حلفاءها، وتدفع باتجاه إقامة بنية عسكرية متطورة قادرة على احتواء الصين مستقبلاً.

التجارب النووية والصاروخية في كوريا الشمالية ليست سوى وجه واحد من أوجه التحرك الأميركي في جنوب شرق آسيا. فخلال الأشهر القليلة الماضية أثارت واشنطن وحلفاؤها ضجة سياسية حول إقدام الصين على "ردم" بعض الجزر المرجانية المتنازع عليها، وبناء مطارات ومرافئ عسكرية. وترافق ذلك مع ظهور إدعاءات بالسيادة على تلك الجزر من قبل دول عدة مثل فييتنام والفيليبين وتايلاند وماليزيا وكوريا الجنوبية وغيرها. وفي إطار ذلك، وقعت احتكاكات واستفزازات بحرية وجوية بين الصين من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.

أقنعت واشنطن حلفاءها بأن الخطر الصيني حقيقي ومتطور، وأن عليهم الرد العملي بالتعاون مع الولايات المتحدة. وهكذا نشأت تحالفات ثنائية وثلاثية، وعُقدت اتفاقات سياسية وأمنية، وأجريت مناورات عسكرية دفاعية وهجومية... وكلها موجهة لاحتواء الصين. لكن أخطر القرارات في هذا المجال تمثل في جانبين يمكن أن يُسفر كل منهما عن تعديل في موازين القوى في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ. الأول هو عودة القوات الأميركية إلى قواعد عسكرية خاصة بها في عدد من دول المنطقة. والثاني المضي قدماً في بناء درع صاروخية آسيوية على غرار شقيقتها الأوروبية التي باتت شبه جاهزة.

ولا بأس هنا من التذكير بأن الولايات المتحدة (ومن خلفها الحلف الأطلسي) كانت تبرّر فكرة الدرع الصاروخية في أوروبا بخطر البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وهو منطق رفضته روسيا على الدوام. ومع أن المجتمع الدولي توصل إلى حل ديبلوماسي للملف النووي الإيراني، فإن مكونات الدرع الصاروخية باتت موزعة في عدد من دول أوروبا الشرقية على تماس جغرافي مع الأراضي الروسية. وهذا ما يشكل بالفعل تهديداً إستراتيجياً مباشراً لروسيا في مواجهتها المستمرة مع الحلف الاطلسي، وإلى حد ما مع الاتحاد الأوروبي.

ومن الواضح الآن أن سيناريو نشر درع صاروخية في كوريا الجنوبية واليابان (وربما تايوان في مرحلة لاحقة) بهدف محاصرة الصين واحتوائها هو نسخة طبق الأصل عن سيناريو نشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية بهدف محاصرة روسيا واحتوائها. وما كوريا الشمالية اليوم إلا الرماد الذي يُذر في عيون العالم تماماً كما كان وضع إيران قبل سنوات. أما الغاية الأميركية الأساسية فهي منع أية قوة عالمية من أن تهدد القطبية الأحادية التي تضمن للولايات المتحدة هيمنتها المطلقة. لكن يبدو أن الدول الكبرى الصاعدة باتت تعي أن صراخ الحماة السليطة اللسان هو للاستهلاك المحلي... فما عاد يؤثر لا في الكنة ولا في الجارة! وإذا كانت واشنطن قد قررت اللعب في الحديقة الخلفية لكل من روسيا والصين، فمن الطبيعي أن تعمد موسكو وبكين إلى اللعب في الحدائق الخلفية والأمامية للولايات المتحدة الأميركية... وعالمنا العربي ليس بعيداً أبداً عن هذه "اللعبة" الإستراتيجية الخطرة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017