إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الانتخابات البلدية... كشفت المستور

د. سلوى خليل الأمين - البناء

نسخة للطباعة 2016-05-10

إقرأ ايضاً


كبرنا يا وطني وصورتك في عقولنا كبيرة بحجم أرزك المتعالي على كلّ العصور.

كبرنا وحبّ الوطن في قلوبنا راسخ رسوخ الروح التي تمنح الحياة للجسد، كما فعالية المطر للزرع، والهواء لاستمرار العيش.

كبرنا وضمائرنا متسامقة فوق السحب، تنشد نشيد الوفاء إليك، أناشيد فرح، طالما ردّدناها صغاراً ومن ثم كباراً، ونحن نسمع أغاني فيروز ووديع الصافي وزكي ناصيف ونصري شمس الدين وغيرهم، ممّن غرسوا محبة لبنان في قلوبنا عنفواناً وصلابة مواقف ورفعة على صحائف المجد، بل راية خفاقة في ضمائرنا على الدوام.

كبرنا وتعلّمنا أنّ حب الوطن من الإيمان، وكان إيماننا وما زال أنّ لبنان فوق الجميع، وأنّ الدستور واجب التقدير، وأنّ الجميع سواسية تحت سقف القانون.

لكن… كلما طال العمر واستوى على أرائك العقل الناضج، نضوج الثمار التي يأتي أوان قطافها، نجابَه بأننا شعب قاصر لأنّ أهل الحكم في وطننا يريدون لنا هذا التشبيه المقيت، لاعتبارهم أنّ اللبنانيين ما زالوا في سنّ الطفولة اللاناضجة، بدليل هذا الوضع الشاذّ الذي يحيق بالوطن، وبانكفاء الشعب اللبناني عن ممارسة الثورة المنتجة ضدّ كلّ من يسلبه حقوقه المصانة في الدستور والقوانين المرعية الإجراء، التي من أولى علاماتها وأخطرها على مسار الوطن والشعب معاً، خلوّ سدة رئاسة الجمهورية من رئيس تتفق عليه كلّ القوى السياسية، التي حرصت في الانتخابات البلدية على التكاتف والتضامن والحفاظ على مواقع بعضها البعض، خوفاً من اختراق لوائحهم بعناصر الشباب المدني، الذي تحرّك للتغيير ضدّ كلّ مدّ طائفي ومذهبي، كما ضدّ كلّ مغتصبي السلطة في هذا الوطن، الذين يضخّون لنا عبر الساحات جماهيرهم الغفيرة ساعة يشاؤون، تنفيذاً لأهدافهم المرسومة بدقة متناهية، أثبتت خلال الانتخابات البلدية الأخيرة أنها تنضوي تحت شعارات مموّهة، عُرفت بفريقي 8 و14 آذار.

فما معنى تكتل الأحزاب والتيارات والحركات والأحزاب في الانتخابات البلدية والاختيارية التي جرت منذ يومين في كلّ من محافظات بيروت والبقاع وبعلبك الهرمل، الذين يتحفوننا عبر وسائل إعلامهم، بكمّ من الضخّ الاستفزازي السياسي المختلف، الذي يحرك المشاعر الوطنية والعصبيات الطائفية والمذهبية، وحتى المناطقية، حين أعظمها خرقاً، لائحتهم في بيروت التي حملت عنوان: «بيروت للبيارتة»، ضدّ لائحة «بيروت مدينتي» ولائحة «مواطنون وموطنات في دولة» جمعتا الشباب والشابات والمواطنين المؤمنين بلبنان الحرية والديمقراطية والثقافة والفكر، الذين تحركوا من أجل الإصلاح والتغيير، بدءاً من العاصمة بيروت.

هنا يكبر السؤال، وهذا ما بدا واضحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذين اعترضوا على التسمية الاستفزازية للائحة المستقبل وحصرها بشعار بيروت للبيارتة وليس لمن يسكنها وولد فيها، علماً أنّ رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس سعد الحريري هو ابن مدينة صيدا الجنوبية، وكلّ لبناني يعلم متى تمّ نقل نفوس العائلة إلى بيروت لأسباب انتخابية مع والده الراحل، علماً أنّ هذا الإقامة المستحدثة في سجلات النفوس البيروتية لا ترسمه في أذهان أهل بيروت بيروتياً صميماً متجذّراً في حاراتها وساحاتها وشوارعها منذ القدم.

الخطأ وقع، لكن الخطأ الأكبر أن يتغاضى ممثلو الأحزاب والحركات المناوئة لسياسة تيار المستقبل عن كلّ ما سبق وحصل بينهما من مناوشات واستفزازات، ما زالت تربك الوطن وجمهور المقاومة، حين الخطاب هو المناداة الدائمة بسحب سلاح المقاومة، والاعتراض الدائم على مساهمة حزب الله في نجدة الشقيقة سورية في حربها الكونية، بل تدخل تيار المستقبل عبر بعض نوابه ضدّ سورية علناً، عبر إدخال المال وبواخر السلاح والعصابات الإرهابية والمرتزقة من خريجي السجون والحركات التكفيرية إلى الساحة السورية، إضافة إلى الإساءات المباشرة للرئيس السوري بشار الأسد، والنقد الاستفزازي المباشر لخطابات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذي يرضي أصحاب الشأن من مموّليهم الأساسيين الذين ما زالوا يضخون المال والسلاح والإرهابيين إلى سورية واليمن والعراق، بأسلوب خال تماماً، في كثير من الأحيان، من الاحترام المطلوب، إضافة إلى العمل إلى تعطيل الانتخابات النيابية والتمديد لأعضاء المجلس الذين ملّ منهم الشعب، وباتوا على قلق من نتيجة الحراك المدني الذي حصل سابقاً، وحصد الكثير من التأييد الذي فاجأ الجميع.

لقد أثبتت نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية التي جرت في المحافظات الثلاث: بيروت وبعلبك الهرمل والبقاع، أنّ الطبقة السياسية في لبنان حريصة على وجودها كاملة غير منقوصة، لهذا كان التوافق سيد المواقف في وجه كلّ مدّ علماني مدني شبابي، يحلم بلبنان الحرّ الديمقراطي. فلقد تبيّن أنّ جميع الفرقاء السياسيين متفقون على هدف واحد وهو تحجيم أيّ حراك مدني علماني شبابي، وأنّ محازبيهم مجرّد «ماريونت» يؤمرون فينفذون، أما البقية الباقية من الشعب، الذين لم يهتمّوا بمسار الانتخابات وفضّلوا البقاء داخل بيوتهم لا يشكلون أمامهم عقبة مستعصية، علماً أنهم صوت الأكثرية الصامتة التي تحلم بلبنان الوطن المعافى من حرتقات المصالح الغالبة على فريقي 8 و14 آذار، الذين يغضّون الطرف عن رأي الأغلبية العددية من اللبنانيين وطموحاتهم في بناء وطن العدالة والتنمية الحقيقية، بدليل النسب الضئيلة التي حصدتها لائحة: بيروت للبيارتة، وهي لم تتجاوز 18 ، وكذلك لوائح حزب الله في أماكن سيطرتهم المطلقة والتي لم تتجاوز الـ50 ، كذلك لائحة الأحزاب في زحلة التي لم تتجاوز نسبة الـ41 . وهذا إنْ دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ أكثر من نصف اللبنانيين يرفضون الوضع القائم، بجميع أحلافه وتحالفاته، وأنّ الخطاب السياسي المختلف، لا يعبّر تعبيراً واقعياً عما يجري في خبايا المكاتب والدهاليز من الأمور المستورة، وفي هذا خديعة كبرى لكلّ من آمن بلبنان وطناً للحرية اوالديمقراطية والحكم المدني العالي الذي ينبذ التقسيم الطائفي والمذهبي، ويؤيد كلّ مقاومة للعدو الصهيوني.

ما يلفت الانتباه أنّ جميع القوى السياسية القوية، قد تآمرت، دون ان تدري أو ربما تدري، على الأحزاب العلمانية والحركات المدنية الشبابية، ومنحت الجميع درساً موثقاً بالطائفية والمذهبية، وبأنّ من يريد البقاء على أرض هذا الوطن عليه الالتحاق فوراً بزعيم مذهبه الطائفي، كي يبقى في حالة أمن واطمئنان، وانّ المناكفات السياسية ما هي سوى ستار ضبابي يتغطون به من أجل إلهاء الناس عن سرقاتهم للمال العام، وعن تدهور قيمة الليرة اللبنانية والرواتب التي لا تسدّ الرمق، وعن المحاصصات التي تندرج تحت شعار «مثل ما بيطلعلك بيطلعلي»، بدليل أنّ من سرق شاطئ الرملة البيضاء والوسط التجاري لمدينة بيروت قد نال الموافقة من نواب الشعب على شرعية أفعاله اللاقانونية، لأنّ الفريق الآخر استولى بدوره على مشاعات الدولة، لإقامة مؤسساته الاجتماعية، على الرمول القريبة من مطار بيروت الدولي والمحذر الاقتراب منها من أيّ جمعية لا تنضوي تحت لوائهم.

لهذا اسمحوا لي بالقول: آخ يا بلدنا، نعم لقد بت يا لبنان وطني على الهوية فقط، فأنا لا مكان لي في بلدتي الجنوبية، ولا في وطني الذي يسيطر على ساحاته وشوارعه وقراراته السياسية من هم أهل القوة والمال والردع والحزم، الذين لا يعترفون بهويتي اللبنانية ولا بي كمواطنة لبنانية أصيلة، لأني لست من ضمن القطيع المصفق على الدوام، علماً أنّ خطنا الوطني القومي لا نقاش فيه، والعداء لـ»إسرائيل» هو خط سيرنا المرسوم بقلم وعقل يأبى الانكفاء، وبمسيرة جهادية طويلة كتبت منذ اليفاع في سجلاتنا صموداً ضدّ كلّ من يسلب الكرامة الوطنية وكلّ من ساهم في خسارتنا لفلسطين وقضيتها، التي باتت مصطلحاً ساقطاً من سجلات العرب، الذين لهم رموزهم المناوئة لكلّ من يقاوم العدو الصهيوني على الساحة اللبنانية.

من المفارقات أيضاً التي تمّت ملاحظتها في مسار الانتخابات البلدية ولوائحها المنظمة تنظيماً دقيقاً من أولي الأمر والنهي أنّ مشاركة المرأة أتت خجولة، وهنا يرتسم السؤال، ونحن نجتاز عتبة الألفية الثالثة، لماذا يتمّ تهميش دور المرأة وتعطيل نصف المجتمع عن الإنتاج؟ وبالتالي كيف لمن نال حظه من الثقافة والعقل المتنوّر الإيمان بهذه الطبقة الحاكمة، التي كشف المستور منها تركيبات لوائح الانتخابات البلدية التي بيّنت أنّ جميع الأحزاب والتيارات والحركات السياسية الممسكة بالقرار السياسي في الوطن، لا يهمّها سوى مصالحها الخاصة تماماً كما الولايات المتحدة الأميركية، وأنّ غضّ النظر عن مطالب الناس المعيشية وحقوقهم الدستورية، هو دأبها للإمساك بولائهم الدائم، وهنا يكمن الخطر المستقبلي الكبير.

مع كلّ هذا يسكنني الحلم بأن يعمد حزب الله وحركة أمل وحلفاؤهم في الجنوب إلى إستدراك الأمر، عبر تطعيم اللوائح من المثقفين المستقلين ومن النساء الفاعلات في الخدمة الوطنية العامة ثقافياً واجتماعياً، في كلّ القرى والبلدات، والعمل على الاستفادة من خبراتهم وأن تكون الشهادات لا المال الشرط الأساس لمن سيتولى أمور الخدمة العامة في البلدات والقرى، كي يثبتوا للجميع، خصوصاً لعالم الغرب المراقب بدقة، بحيث لا تفوته شاردة أو واردة مما يحصل في لبنان، أنهم بناة حضارة للبنان الوطن المعافى، وأنهم ليسوا دعاة ديمقراطية وحرية فقط، بل هم من مؤسّسيها في لبنان ومطلقيها بالصيغ الأفضل والأحسن، وأنّ المحادل ولى زمانها، وأنّ الانتماء السياسي الحزبي، لا يعني أنّ المستقلين هم خارج خط المواجهة للعدو الصهيوني ولكلّ المسائل المستعصية على مجمل ساحة الوطن.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026