إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

إرهاب سيء... إرهاب طيب!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-05-12

الارشيف

كانت معركة تحرير مدينة تدمر الأثرية آخر المعارك الكبيرة يخوضها الجيش النظامي السوري وحلفاؤه ضد "داعش"، بدعم مكثف من الغارات الجوية تشنها المقاتلات السورية والروسية. وترافقت تلك المعركة مع تقدم لمقاتلي المعارضة في "سوريا الديموقراطية" (الغالبية من الأكراد) على طول الحدود التركية ــ السورية في ظل تراجع ملحوظ لمقاتلي "داعش" على مختلف جبهات القتال في سوريا. في حين كان الجيش العراقي مدعوماً بـ "الحشد الشعبي" يحقق إنجازات مماثلة في الرمادي وهيت وغيرهما من مدن وبلدات الأنبار.

ثم حدث شيء غير متوقع، وغير مفهوم على المستوى العسكري التكتيكي. فبينما كانت التوقعات تؤشر إلى معركة مماثلة في حلب وإدلب للقضاء على "جبهة النصرة" المصنفة كمنظمة إرهابية بموجب قرارات الأمم المتحدة، إذ بموسكو تعلن من جانب واحد خفض عديد قواتها وسحب القسم الأكبر من طائراتها القاذفة والمقاتلة في إطار الاستعداد لعقد مؤتمر جنيف بحثاً عن حل تفاوضي بين السوريين أنفسهم بهدف إيجاد حل سياسي للأزمة السورية. وفي الوقت ذاته، كانت واشنطن تزيد عديد قواتها الخاصة في العراق (وفي سوريا أيضاً، مع الأكراد) من أجل التعجيل بتحرير بقية الأراضي العراقية التي يسيطر عليها مقاتلو "داعش" وحلفاؤهم من بقايا حزب البعث العراقي وبعض العشائر المحلية.

طبعاً لم تقف الدول الإقليمية الداعمة لهذا الطرف أو ذاك في سوريا مكتوفة الأيدي حيال المسألتين التاليتين: تقلص الانخراط الروسي في المعارك إلى حده الأدنى، وعقد مؤتمر جنيف في ظل ما أعتبر يومها تحولاً في ميزان القوى الميداني لصالح الحكومة السورية. فجاء التحرك الإقليمي على مستويين أيضاً: إفشال مفاوضات جنيف بطرح الشروط والشروط المضادة، ثم دعم الجماعات المسلحة في حلب وإدلب بالمزيد من المقاتلين والمعدات العسكرية المتطورة. وأسفر ذلك عن تبدل ولو محدود في التوازن الذي كانت القوات السورية النظامية قد حققته على جبهات حلب خلال الأسابيع القليلة الماضية.

لكن المفاجيء في هذا المشهد المعقد هو عودة "داعش" إلى شن هجمات منسقة على القوات السورية النظامية وحلفائها في ريف حمص الشرقي والمناطق القريبة من تدمر، بحيث بات مقاتلوها يشكلون خطراً جدياً على المدينة ذاتها بعد أن سيطروا على عدد من حقول النفط والغاز المجاورة. كل ذلك والتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ومعه ما تبقى من الطيران الروسي الحربي، يبدو وكأنه غير معني باحتمال خسارة المكاسب باهظة الثمن التي تحققت في تدمر وأرياف حمص وحماه. ولنقارن ذلك بمواصلة القوات العراقية وحلفائها عمليات تحرير مناطق سيطرة "داعش"، وإن كان ذلك يتم ببطء شديد بسبب الأزمات السياسية التي تنخر الأحزاب العراقية. وبغض النظر عن فداحة العمليات الإرهابية ضد المدنيين في بغداد وغيرها من المدن، فهذه لا تشكل تغييراً في الوضع الميداني الذي يميل لصالح القوات الحكومية.

ولا نستطيع إلا أن نربط بين استعادة "داعش" زمام المبادرة ولو جزئياً في ريف حمص الشرقي، وبين إعادة تفعيل "جيش الفتح" الذي يجمع "جبهة النصرة" المصنفة إرهابية مع "جيش الإسلام" و"أحرار الشام" وغيرهما من الفصائل المسلحة العاملة في حلب وإدلب. فقد تلقت هذه الجماعات دعماً قوياً بالمقاتلين والعتاد العسكري الحديث عن طريق تركيا حسب المعلومات الروسية، على الرغم من قرار "وقف العمليات القتالية" في العديد من المناطق السورية. ومع أن التوافق الروسي ــ الأميركي يشدد على أهمية الالتزام بالهدنة، لكن يبدو أن القوى الإقليمية الفاعلة تعزف على وتر آخر يختلف عمّا تخطط له كل من موسكو وواشنطن. والواضح ان تلك القوى لا تؤمن إلا بالحل العسكري، ولا ترى في المفاوضات إلا إطاراً للحصول على تغطية سياسية لـ "النصر النهائي"! ولم تتلكأ القوى الدولية في تأمين غطاء ديبلوماسياً لهذه الجماعات، وإن بشكل غير مباشر، عندما رفضت كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وأوكرانيا اقتراحاً روسياً في مجلس الأمن الدولي بإدراج "جيش الإسلام" و"أحرار الشام" من ضمن لائحة الأمم المتحدة للمنظمات الإرهابية.

هذا التوجه العسكري ــ السياسي يصطدم بمعضلة لا يمكن القفز عنها بسهولة تتمثل في تصنيف "جبهة النصرة" كمنظمة إرهابية. قد لا يبدو الأمر بهذه الأهمية عند القوى الإقليمية الداعمة للجماعات السورية المسلحة، غير أن الإدارة الأميركية تشعر بالإحراج: أولاً، لأن "النصرة" هي تنظيم "القاعدة" الذي تحاربه الولايات المتحدة على مستوى العالم. وثانياً، لأن موسكو وواشنطن متوافقتان على هذا التصنيف. وإذا كانت تلك الاعتبارات تمنع أميركا من التعاون العلني مع تنظيم إرهابي كـ "النصرة"، فإن شيئاً لا يمنع الدول الإقليمية من التعاون، بل ومن دعم مثل هذه التنظيمات الإرهابية. وكل ما على واشنطن فعله هو أن تغض النظر عمّا يجري على الأرض وفق مقولة إن "الإرهابي الطيب" هو ذاك الذي نستطيع توظيفه لخدمة مصالحنا الإستراتيجية البعيدة المدى. ومن هذا المنطلق يمكننا فهم المساعي الدولية والإقليمية لـ "تنقية" صورة "النصرة" من خلال إقناعها بالتخلي عن ولائها لتنظيم "القاعدة".

ونعود الآن إلى التوافق الروسي ــ الأميركي حول وقف العمليات في سوريا، وإلى البيان الذي صدر عن لافروف وكيري في التاسع من أيار داعياً إلى تحديد أماكن انتشار "داعش" و"النصرة" تمهيداً لإخراجها من مفعول الهدنة. لكن "النصرة" تنتشر، بل وتسيطر على مناطق تتواجد فيها فصائل مسلحة تعتبرها واشنطن وحلفاؤها الإقليميون جزءاً من الحل السياسي المنشود. ولذلك يصبح من الصعب ضرب قواعد "النصرة" التي تواصل عملياتها العسكرية في أرياف حلب الشمالية والجنوبية على الرغم من الهدنة، وبمشاركة فاعلة من الفصائل الأخرى المنضوية تحت جناح "جيش الفتح"!

حتى الآن تبدو موسكو ملتزمة بقواعد التوافق مع واشنطن حول الأزمة السورية، وهي مستمرة في تسليف الثقة لمن تعتبرهم "شركاء" في محاربة الإرهاب الدولي إنطلاقاً من سوريا. ولعل اجتماع فيينا الموسع سيكون فرصة أخيرة لامتحان تلك الثقة، وحسم أساليب التعامل مع "الجماعات الإرهابية" وداعميها الإقليميين. لكننا نشعر بضرورة التحذير من منطق الغرب في استغلال مفهوم "إرهاب سيء... إرهاب طيب"، فالأفعى تظل أفعى ولو غيّرت جلدها مراراً وتكراراً.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017