إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أرحلُ إليكِ متعكزاً على قلبي!

زيد قطريب -السفير

نسخة للطباعة 2016-05-24

هذه العبارة التي كتبتها أمل جراح بقلبها المطعون الذي خذلها سنة 2004 بعد معاناة طويلة مع المرض، يشاء ياسين أن يكررها اليوم وهو الذي أوقف التاريخ عملياً في السادس من شباط يوم انتقالها إلى ملكوت ذهنه وقلبه الأعلى. من غير الممكن الحديث عن حياة ياسين وموته بمعزل عن أمل، كأنّ هذا الرجل الذي عمل خبازاً يوماً ما ومن ثم عامل نسيج في أحد المعامل، كان مغرماً في البحث عن عجيناته الخاصة في العلاقة مع المرأة على وجه التحديد، فمن النادر أن نشهد ذلك التوحد في الأدب والمعيشة مع الأنثى معاً.

كتب ياسين كتابه الشهير «كأنك الخيط في الثوب» ليعيد حياكة القصة بعد رحيل أمل عبر النبش في أوراقها ومسوداتها الكثيرة حيث كان هذا الكتاب هو الديوان الأول الذي يشترك في تأليفه حيٌّ وميتٌ في آن!. كأنّ رفاعية أدرك ماذا ستكتب أمل في كثير من النصوص فكان يصحح ويصوّب وربما يكتب الحالات التي كان يرغب في أن تخطها بيدها لكنها أخفقت أو خذلها الوقت، في تلك الخيوط المتشابكة على النول المنهك بالأمراض والترحال والحب، يمكن اكتشاف الهوية الحقيقية لياسين برغم كل ما كتبه من شعر وقصة وروايات، فهذا النوع من البوح هو من كشف جوانيات الكاتب الغنية والمحفورة بعمق في حالات تندر في الأدب الحديث من جهة العلاقة مع المرأة والتوحّد مع نصها وحياتها وموتها معاً.

اشتغل ياسين على عناوين من منبع واحد، برغم تعدد النصوص بين الصحافة الثقافية وصنوف الأدب المختلفة، كأن لهذا الرجل قصة كبيرة مع الموت ومقارعة طواحين هوائه بخيول مقطوعة الرأس جعلته يتحدث عن الموت أكثر من الحياة، هي المرأة التي أصيبت في أكثر من مكان قلبه، وعلى الأرجح فإنه كما وصف نفسه، مصنوع من أجل استقبال الفقد والتعايش معه بالكتابة أولاً، إلى درجة جعلت الكثيرين يعتقدون أنه قد أسهب في الإغراق في تلك الحالات من الرثاء والوجد العميق والحزن، لكن الحقيقة كانت تقول إن ياسين كان يكتب مثلما يعيش، ولم تكن العلاقة مع المرأة بالنسبة إليه استعراضاً أو مجرد نحيب أو وقوف على الأطلال. الواضح من آثاره الكثيرة أن المرأة كانت مقتلهُ مثلما هي حياته وحلمه في آن!. مسألة يثبتها الكثير من عناوين كتبه التي يحضر فيها ضمير التأنيث بشكل هائل: «امرأة غامضة ـ أحبكِ وبالعكس أحبك ـ أنت الحبيبة وأنا العاشق ـ كل لقاء بكِ وداع» والكثيرون اليوم يقولون إنه لمن الغريب صمود ياسين كل هذا الوقت بعد فجائعه بالمرأة التي فقدها ابنةً وزوجة وحبيبة.. عملياً، فإن رفاعية كان في كل مرة مجرد مستعد للرحيل أو صاحب مراثٍ بانتظار حدوث الأجل لصعود قطار الموت، حالة وصفها يوماً بأنها مشهد وداع دائم يعيشه: «يوم جديد أعيشه هو وداع لما تبقى لي من الحياة. أحس أني عمود من الرمل معرض للانهيار أمام أي هبة ريح».

إلى الجانب الآخر من الحب والعلاقة مع المرأة، فإن لياسين رفاعية قصصا كثيرة مع السياسة منذ أيام الوحدة مع مصر واتهامه بالشيوعية وطرده من الوظيفة ومن ثم انتقاله إلى بيروت، كأن هذا الراسخ في الذاكرة عبر مقالاته الكثيرة في الصحافة السورية في تلك المرحلة، كان مجرد «عابر سبيل» كما وقع على نصوصه في بعض في الصحف اللبنانية.

الآن ينهار «عمود الرمل»، ويتشظّى ياسين مع الريح، كما وصف نفسه يوماً، لكنه لا يتلاشى!.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017