إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

نظرات العميان بنجاح صادق خان

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-05-31

الارشيف

في تراثنا الشعبي مثل شديد التعبير يقول: "جحا الأقرع يتباهى بجدائل إبنة خالته"! ولِكمْ استرجعت هذه الحكمة الشعبية وأنا أتابع عشرات المقالات والتعليقات والمقابلات يتحفنا بها معلقون عرب ومسلمون وهم يتناولون ظاهرة فوز البريطاني من أصل باكستاني صادق خان بمنصب عمدة مدينة لندن، ليصبح "أول مسلم" يتولى مثل هذه المسؤولية الكبيرة في عاصمة إحدى الدول الغربية الكبرى.

غالبية المعلقين العرب والمسلمين الذين أدلوا بدلائهم في هذا الفوز التاريخي ركزوا على "الهوية الإسلامية" للعمدة الجديد، واعتبروا أن أكثر من مليون وثلاثمائة ألف من مواطني لندن إقترعوا لصادق خان "المسلم"! طبعاً هذا أبعد ما يكون عن حقيقة التيارات السياسية والاجتماعية التي تضافرت جميعها لتؤمن نجاح خان في خضم حملة منافسة شرسة مع المرشح الآخر زاك غولدسميث المدعوم من حزب المحافظين الحاكم، وهو بالمناسبة يهودي الديانة.

يريدنا معظم هؤلاء المعلقين الاقتناع القسري بأن سكان لندن اختاروا خان لأنه "مسلم"، متناسين بشطحة قلم أنه أولاً مواطن بريطاني (وإن كان من أصل باكستاني)، وأنه ثانياً نائب عن حزب العمال المعارض، وأنه ثالثاً قدّم لقاطني العاصمة البريطانية برنامجاً إقتصادياً واجتماعياً وسياسياً جذرياً لا علاقة له ــ لا من بعيد ولا من قريب ــ بكونه مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً. تماماً مثلما أن منافسه غولدسميث قدّم نفسه إلى الناخب البريطاني بوصفه نائباً عن حزب المحافظين يحمل برنامج عمل يتناغم مع السياسات المركزية للحزب الحاكم.

لم يترشح خان لمنصب عمدة لندن لأنه مسلم، كما أن غولدسميث لم يترشح لأنه يهودي. والناخبون الذين أعطوا أصواتهم لهما، ولغيرهما من المرشحين الآخرين الذين أظن أنهم مسيحيون، لم تكن بناء على الإعتقادات السماوية الماورائية لأي من هؤلاء المرشحين. فالهوية التي يحملها الرجلان هي الهوية الوطنية والمدنية البريطانية وليس الهوية الدينية الخاصة.هما ليسا جزءاً من جماعة منعزلة بل عضوان في مجتمع متفاعل أفقياً وعمودياً. أما برنامج كل منهما فهو خطة عمل إنمائية اجتماعية سياسية بامتياز. والحكم على صادق في ختام ولايته الممتدة لأربع سنوات سيكون على أساس ما تحقق من هذا البرنامج وليس على أساس عدد زياراته إلى المساجد واعتكافه فيها ليلاً ونهاراً... هذا إذا كان من زوارها بالفعل!

المجتمعات الحية هي التي تتيح مجالات الذوبان والاندماج أمام كل المهاجرين ذوي الاستعداد للإنخراط في المتحد البشري المحيط بهم. هذه هي القومية الاجتماعية في مظهرها الأولي البسيط. المجتمع يقدم الإمكانيات، ويتبقى على الجماعات المهاجرة أو الأفراد المهاجرين الإندماج في المحيط القومي بعيداً عن الأصول العرقية أو الدينية أو المذهبية. وبريطانيا مجتمع حيّ، على الرغم من ملاحظاتنا الكثيرة حول سياسة حكوماتها. فعندما جاءها والد صادق خان مهاجراً من باكستان ليعمل سائق حافلة ركاب، أتاحت له ولعائلته فرصة العمل والإستقرار. وبهذا بدأت عملية اجتماعية دقيقة ذات مسارين متكاملين: المسار الأول يكمن في أن المجتمع البريطاني يؤمن الإمكانيات والمجالات، والمسار الثاني أن الأبناء المولودين لهذ لعائلة الباكستانية المهاجرة تبنوا القيم الاجتماعية وانطلقوا بها في الحياة الوطنية العامة.

وهكذا لم يعد صادق خان المحامي مجرد "باكستاني مسلم"، عندما قرر خوض الانتخابات النيابية قبل سنوات في إحدى ضواحي لندن، وإنما هو بريطاني من أصل باكستاني عضو في حزب العمال. أما "هويته الإسلامية" فلم يكن لها أي دور فاعل في نشاطه السياسي، فقد عاد الإيمان الديني ليحتل مكانه الطبيعي في الحياة البشرية: أن يكون عبارة عن علاقة خاصة بين الإنسان من جهة والخالق الذي يؤمن به من جهة أخرى، دونما حاجة إلى وسيط يتمثل برجال الدين.

ولكن يجب الإقرار هنا أن معادلة الإمكانيات المتاحة والإندماج لم تكن ناجحة في مطلق الأحوال. فالنزعات العنصرية الكامنة في بعض شرائح المجتمع البريطاني (وفي المجتمعات الغربية بشكل عام)، وفي مقابلها رغبة التقوقع والإنعزال في أوساط جماعات من المهاجرين، تفسر لنا جوانب من مظاهر التوتر والتطرف التي تشهدها المجتمعات الأوروبية في هذه الآونة حيث تنتشر المواقف الشعبوية المتطرفة.

الخطأ الذي وقع فيه معظم المعلقين العرب والمسلمين الذين تعاطوا مع فوز خان الساحق يكمن في أنهم وظفوا فهمهم الأعوج لمعنى الهوية كي يفسروا نجاح عمدة لندن الجديد. فهم لا يرون سوى الانتماءات العرقية أو الدينية (المذاهب والطوائف) أساساً مُحدِداً للهوية. ولذلك عجزوا عن استيعاب الدروس الوطنية والقومية التي تلقيها علينا المجتمعات الحية. إنه العجز الباهر الذي سيطر على تيارات فكرية وسياسية واسعة في عالمنا العربي، وأدى بالتالي إلى هذه الإنفجارات الاجتماعية التي شظت متحداتنا الإنسانية وشرذمتها إلى فسيفساء متنافرة متناحرة.

وكم كنا نتمنى لو أن فطاحل المعلقين في عالمنا العربي يتحفوننا بالرد على السؤال التالي: أي مستقبل كان سينتظر صادق خان وأخوته لو أن والدهم الباكستاني المسلم كان يعمل سائق حافلة ركاب في إحدى الدول العربية المسلمة؟

إنه سؤال موجع... وجواب فاضح!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017