إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أنطون سعاده طوّب نفسه زعيماً... فادياً باهي الحضور

هاني الحلبي - البناء

نسخة للطباعة 2016-07-09

الارشيف

67 عاماً مضت حين دوّت إحدى عشرة رصاصة اخترقت جسدَك أيّها المعلم، فكنتَ أنطون سعاده الفادي بحقّ، تطلق آخر كلمة حبّ من فمك الذهبي «شكراً». هي شكر لمن أزاح من تحت ركبتك حصىً مزعجة بينما لم تكن تزعجك رصاصات وابلٌ ستخترقك من 11 عشرة بندقية ملقّمة وواحدة ملقّمة برصاصة خلبية، ليبقى لكل قاتل منهم مبرر القول أنا الذي لم يقتل!! «قاعدة الشكر» سبقتها «قاعدة احترام القانون» الذهبية التي أسّست ناموس حياتنا «سمعاً وطاعة للقانون!» فأيّ قانون أعظم من أرقى فوضى. أجبت بها رداً على مَن رفض إماطة القماشة عن عينيك، لأنها فرضٌ من قانون أعمى جائر، يريد الناسَ كلهم مثله عمياناً كسحاء. يريدهم أرقاماً على أعتاب شخوص القصور وطغاة الهزال في بلادنا أمام سيّدهم الأجنبي!

67 عاماً بدء تاريخنا الجديد في سير البهاء. انجلاء فلسفتنا في الموت الحياة الأجلّ من الحياة الموت.

بك انجدلَ البعث مجدّداً عروة وثقى من خَيْطين لا ينقطعان، حبلُ السرّة لولادة أمة وأوّل شعاع من وعيك القومي يبدأ عصر الشروق.. انجدال الموت طريقاً للحياة، طريقاً أبهى به لحضورها وفيها.

أية حياة تلك التي يبقى فيها الأشخاص مجرد أرقام في تعداد دفاتر النفوس في سجل الأحوال الشخصية، وليس فوق أسمائهم خط أحمر من مختار او موظف، وهم في ميزان الحياة أصفار؟ ويقبلون أن يبقوا دون دَرْك المواطنين سافلين؟!

أية حياة تلك التي يتحوّل فيها الأفراد كثرة منافقة فقط؟ ما همتهم رتبتهم في القطيع الاجتماعي او السياسي أو الطائفي، حملة أجراس أم رغاث للحلب والتناسل أم فحول ذكورة فقط، وفي حفلة التتويج: اللهمّ نحن طائعون بحمدهم نسبّح!

أية حياة تجعلنا نتمسك بالبقاء الفردي إن لم يكن يومنا خطوة نحو مجد عقيدة وجهاداً في سبيلها تكسب حياتنا معنى الحضور في جلاء انتماء للكلّ وفيه؟

وطيلة حياته علّم سعاده الحب، حب الأمة وشعبها وإنسانها وأهلها ووطنها، فـ»كلّ ما فيها جميل وكلّ مَن فيها كريم»!

طيلة حياته المعدودة الأيام علّم سعاده الوضوح، وضوح الرؤية الرؤية، وضوح القصد، وضوح المبدأ، وضوح المنهج، وضوح القضية، وضوح الطريق الجلجلة لخلاص «أمة ظنها أعداؤها أنها منقرضة»!

طيلة حياته المعدودة الأيام علّم سعاده الدقة، فكان أدق من ساعات النهار الفلكية، التزاماً وميعاداً وكلمة ولفظاً وسير حياة، وتفكيراً حيوياً لنصرة الوطن الذي تتناتشه جوارح الأقوام المجاورة ومشاريعها المعادية الطامعة فيه على حساب وحدة وطننا من بني عثمان إلى بني قحطان فبني دايان!

طيلة حياته المعدودة أسس سعاده ما لم تؤسسه الأمة السورية خلال تاريخها الجلي وما سبقه من عطاءات عظيمة لآلاف السنين الخالية: قوّم الأفكار وحدّد المبادئ التأسيسية والمبادئ الإصلاحية لنهضتها. احتكر تحديد علل النهوض والقيام، ولم يُبق لغيره أيّ مزيد سوى تنكّب الصليب والصعود إلى أعلى الجلجات! ونحن نعم الحَمَلة والشهداء!

في حياته المعدودة الأيام طوّب نفسه زعيماً، كاشحاً عنّا شيوخ القبائل وبكوات التركي وآغوات العثماني، وبابوات الكنائس ومرجعيات التقليد المعظّمة ورامياً عن زعامته نظرية السقيفة وكيفية الولاية وتعيين القائد أو انتخابه. لأول مرة في التاريخ زعيم يطوّب نفسه بلا تاج وبلا حاشية وبلا وجاهة المجتمع المكرِّسة وبلا حشود منافقين. اكتفى بتطويب نفسه زعيماً فردياً مطلق الصلاحية وبلا ادّعاء وحي من إله أو نبوة. تنكّب المسؤولية وحيداً كأنه الكلّ في واحد. كأنّه واحد ينبعث في الكلّ.

وحده، ووحيداً، لما التقى الفوهرر الألماني أدولف هتلر، رأى أنّ منهج الفوهرر الفلسفي والسياسي الطبقي العنصري ليس بأقلّ خطراً على سورية من النهج الاستعماري البريطاني الفرنسي، وإن عادى اليهودي ورفض الهجرة الصهيونية لفلسطين. فالفوهرر مثله مثل الفرنسيين والبريطانيين والطليان والأميركيين وغيرهم لا يقرّون حق سورية سيدة حرة مستقلة مطلقة الإرادة في وطنها السوري. فما قيمة أيّ حلف بين مَن يرى نفسه سيداً على بلاده وعلى بلاد حليفه، ويرى في حليفه مجرد تابع مستعدٍّ للتنازل عن حقه وإرادته الأولى في حياته وعلى وطنه. وإذا كانت معظم حكوماتنا من النوع المتنازل عن هذا الحق المؤسس لحياتنا فـ»إنّ سورية القومية الاجتماعية ليست من هذا النوع»، فـ»لسنا بمتنازلين عن حقنا في الحياة لأحد في العالم»، كما قال. وتكريسه عدم التنازل عن هذا الحق لأحد سببه الجدارة ووضوح الهوية ووعي الحق القومي التاريخي غير القابل للتصرف. فلماذا نتنازل ما دامت عقيدتنا وإدراكنا حقيقتنا تجعلانا الأجدر في خدمة أمتنا وحقيقتها ومصلحتها ووطنها؟ وإذا كانت وقائع مؤتمر الصلح بين دول المحور المهزومة وبين دول الحلفاء المنتصرة العام 1918 وما تلاها من صكوك ونصوص وتكليفات دولية لدول بالانتداب علينا، وإذا كانت رسائل الشريف حسين الهاشمي والسير مكماهون الإنكليزي طيلة سنتين قبيل الحرب العالمية الأولى، وإذا كانت تأسيس جامعة إنكليزية للدول العربية، كلها لم تحمِ فلسطين من الاغتصاب الصهيوني ولا لبنان من كونه مسرحاً للجاسوسية الدولية وللرأسمال الطائفي ولتجارب المطابخ المعادية لإعادة صياغة المشرق العربي والعالم العربي مجدّداً، ولخنقه بأوهام سويسرا الشرق وتعطيله عن دوره الطبيعي في المشرق، وإذا كان التكليف الأميركي للسعودية بالزعامة العربية تنافساً مع مصر ردحاً زمنياً ومع العراق ردحاً زمنياً ومع سورية ردحاً زمنياً وضمن ثنائيات متتالية أحياناً أخرى مع كلّ منها لم تحمِ لبنان ولا سورية ولا العراق ولا الآن تحمي السعودية، وكذلك لم تعزّز مصر ولم تستعِد فلسطين لنا ولشعبها، بل تمّ التفريط بكلّ هذه الدول على مذبح الوهم الوهابي والصهيوني والفئوي الخصوصي؟!!

… هكذا لم يبق لنا من مسار نهضة إلا أن نستلهم الفادي الباهي الحضور، كما يجب دائماً أن نشتقّ من دمه طريق الخلاص القومي، ونستحضره عزوة وقدوة وقائداً، ونعدّ الجيش الرصاصي المتمنطق بزوابع حمراء.

في عيد الفداء، تمسّ الحاجة لرؤية سورية قومية اجتماعية وازنة تعيد تنظيم الصفوف، فلا صفوف تنتظم بليلة صيف ولا على عجل.

الخطة ثلثا الانتصار. وما لم تكن خطة فلا انتصار ولا اتجاه نحوه.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017