إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

التفتيت طريقٌ إلى الخيانة!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-09-30

الارشيف

لم يعد يُخفى على أحد أن بعض أطراف المعارضة السورية السياسية والمسلحة (الليبرالي منها والسلفي، المعتدل والمتطرف)، بات على علاقة وثيقة مع إسرائيل على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية. وليست المعارك التي دارت أخيراً في المناطق المحيطة بمدينة القنيطرة المحررة عند سفح هضبة الجولان المحتلة سوى قمة جبل الجليد للترتيبات المشبوهة بين الجانبين، والتي يبدو أنها تحظى بتشجيع ومباركة من بعض الدول العربية في إطار التطبيع المتسارع مع العدو الصهيوني.

فهل كان نشوء مثل هذه العلاقات أمراً مستغرباً في ظل الحرب المدمرة على سوريا، دولة ومجتمعاً ودوراً إستراتيجياً؟

نبدأ بالتأكيد على أن أطرافاً عدة في المعارضة السورية (أو ما يوصف بمعارضة موسكو والقاهرة) نأت بنفسها كلياً عن المسار التطبيعي الخياني مع إسرائيل، بل هي شديدة التشبث بالثوابت القومية لتحرير الأراضي السورية المحتلة. وهذا الموقف ينسجم مع مواقف مجمل القوى الحريصة على وحدة سورية وسلامة سيادتها الوطنية.

لكن إقدام مجموعات من "المعارضة" على التطبيع مع إسرائيل، والتنسيق العسكري معها، يجب وضعه في سياق التفتيت الاجتماعي الذي يتم توظيفه غالباً في خدمة أغراض خارجية معادية تتناقض مع المصالح القومية السورية. وهذه الظاهرة "السورية" ليست الأولى ولن تكون الأخيرة طالما أن الشعب لم ينتقل بعد من هويات التشرذم والتناحر إلى الهوية القومية الجامعة. إذ من غير المنطقي أو المقبول القول إن "التنسيق" مع العدو، أياً كان هذا العدو في الشمال وفي الجنوب، هو مجرد خطوة سياسية مرحلية تفرضها الظروف المستجدة! مشكلة هذا المنطق أنه يُحل السياسة الآنية الضيقة مكان الاستراتيجية البعيدة المدى، على أساس فلسفة النكايات والتشفي "كرهاً بوجهي قطعت أنفي".

إن تاريخنا المعاصر يحمل كثيراً من السوابق التي تكشف جدلية العلاقة بين التفتيت الاجتماعي الداخلي، والمقصود بذلك غياب الهوية القومية الواحدة، وبين الارتباط مع مشاريع خارجية معادية. فالقيادات السياسية الكردية، في سياق صراعها مع الحكومات المركزية المتعاقبة في بغداد، لم تتردد في ربط مصير الأكراد بأي طرف كان يبدي استعداداً لدعم مشاريعهم الإنفصالية حتى لو كان ذاك الطرف عدواً تاريخياً للشعب العراقي برمته. فمن الإنكليز إلى السوفيات إلى الأميركيين إلى الإسرائيليين إلى الأتراك... كانت القيادات الكردية تستسهل تسليم زمام أمرها إلى الآخر الغريب، منخرطة في مخططات لا تأخذ في الاعتبار حتى مصلحة الأكراد أنفسهم في علاقاتهم مع المحيط القومي.

وقد وقعت قيادات مارونية سياسية ودينية في الخطيئة نفسها عندما ربطت نزعاتها الإنعزالية بمشاريع التفتيت منذ بداية التدخل الأوروبي في شؤون السلطنة العثمانية مطلع القرن التاسع عشر وصولاً إلى تماهي "القوات اللبنانية" بقيادة بشير الجميّل مع الغزو الصهيوني للبنان سنة 1982. وقد شكلت تلك الحرب ذروة "النجاح" للعلاقات التاريخية بين القيادات الانعزالية والحركة الصهيونية... لكنها في الوقت نفسه أسسّت لما يمكن أن نسميه نهاية المشروع الانعزالي الذي كان يرى في لبنان "وطناً مسيحياً" منفصلاً عن محيطه الطبيعي، وكياناً رديفاً للتوجهات التفتيتية في المنطقة.

النموذجان الكردي (على أساس عنصري) والماروني (على أساس طائفي ديني) لم يكونا فريدين في بلادنا. إذ كيفما نظرنا، جغرافياً وتاريخياً، نجد أن الأقليات التي لم ترتقِ بعد إلى مرحلة نشوء الوجدان القومي ولا تشعر بالانتماء إلى هوية واحدة موحِّدة لا تجد في وعيها الجمعي ما يمنعها من توظيف قدراتها في خدمة دول إقليمية ذات مصالح قومية واضحة. وهذا الكلام ينطبق على الغالبية في الجماعات الدينية والطائفية والعرقية في الهلال السوري الخصيب، من الدروز إلى الشيعة إلى الشركس إلى البدو إلى الأشوريين إلى السنّة... لم يبق طرف من هؤلاء إلا وانخرط - في مراحل تاريخية متفاوتة - بعلاقات تبعية ذليلة مع قوى إقليمية ودولية مختلفة.

نحن لا ننظر إلى "علاقة" أي طرف سوري مع العدو الصهيوني من منظور السياسة فحسب. فهذا تشويه لمفهوم العمل السياسي من حيث هو فن خدمة أغراض الأمة. إن الخلل، في رأينا، يكمن في تنامي نزعات التفتيت وتحولها إلى "هوية" متعارضة مع الواقع الاجتماعي للأمة. وطالما أن هذه النزعات تتمتع بأوضاع خصبة تساعدها على النمو والانتشار، فإن طرقات "الخيانة والتطبيع" مع الأعداء ستظل سالكة على أكثر من صعيد... وفي كل الاتجاهات!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017