إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

وعد بلفور.. التحرير فقط لا تفاهة تعويضات واعتذار!

هاني الحلبي - البناء

نسخة للطباعة 2016-11-05

الارشيف

بعد 99 عاماً من ارتكاب العقل السياسي البريطاني، بواسطة وزير خارجية المملكة الانكليزية، جريمة ما سُمّي وعد بلفور، تُدهش المتابع الحصيف بلاهة بعض السياسيين والقانونيين، بخاصة الفلسطينيين منهم، فضلاً عن المشارقة، واستطراداً العرب إذا كانوا مهتمّين.

ومن نافل التذكير أن ما سُمي وعد بلفور في 2 تشرين الثاني 1917 نسبة إلى وزير خارجية بريطانيا آنذاك، اللورد أرثر جيمس بلفور هو وعد سياسي مصلحي لا حقوقي، بالسعي لإقامة ما سُمّي «وطناً قومياً لليهود» شرط الا تتعرض حقوق باقي المجموعات الدينية الأخرى! ونظرة سريعة على نص الوعد تتبين لنا العيوب التي تؤكد بطلانه كأنه منعدم الوجود:

«وزارة الخارجية

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

«إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر».

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح.

المخلص

آرثر جيمس بلفور».

هذا الوعد من جزءين. الرسالة الوعد وتتضمّن جزءاً ثانياً هو التصريح الحكومي البريطاني. ودور بلفور هو الإبلاغ وليس القرار او الإقرار.

وتضمّن الوعد أن الحكومة أصدرت تصريحاً يثبّت عطفها على أماني اليهود والصهيونية. بينما التصريح تضمن نقاطاً كثيرة. أهمها:

صدوره عن سلطة احتلالية ستصبح لاحقاً سلطة انتدابية مكلفة من عصبة الأمم المتحدة لإدارة ما تبقى من تركة الرجل العثماني المريض. والسندان القانونيان الدوليان لحالة الاحتلال ولحالة الانتداب لا يجيزان وهب أي ملكية عامة او خاصة ولا التنازل عنهما. وبالتالي لا يمكن تثبيت أي ملكية لقيام إسرائيل سنداً للوعد.

اقتصر التصريح على حدود التعاطف مع الأماني الصهيونية بقيام وطن قومي يهودي، وأن تلك الحكومة «ستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية»، وبالتالي هي لن تقيمها، لكنها ستفسح المجال لقيامها وتدعم هذا القيام. وبالتالي يتحمّل مسؤولية الخطة الصهيونية الجهة التي وضعت هذه الخطة والتي نفذتها وبدرجة ثانية الجهات التي سهلت من انتداب أجنبي وانتهاز بعض ارستقراطيي وبورجوازيي البلاد الذين رأى بعضهم في ازدهار شراء الأراضي فرصة إثراء شخصي.

كما أن الاحتلال والانتداب لا يعطي حقاً في ملكية البلاد المحتلة أو المنتدبة فهو مجرد أمر واقع قابل للزوال ما إن تُهزم أو تزول او تزال القوة التي أوجدت تلك الحالة.

القوة وحدها هي التي ثبتت المشروع الصهيوني وليس أي حق تاريخي. فتسلمت الجيوش الصهيونية المنظمة والمدربة جداً والعالية التسليح بمقاييس تلك الفترة، الأراضي لتقيم معسكراتها ومغتصباتها وتأخذ بالتوسع باستراتيجية بقعة الزيت لتتصل البقع شيئاً فشيئاً لتشكل إقليماً أرضياً كقاعدة أرضية لكيان ما.

لا يوفر التصريح الحكومي الانكليزي أي حق بطرد سكان البلاد الأصليين من بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم، ولا تهجيرهم ولا قتلهم بالمجازر الجماعية، كما في دير ياسين وكفرقاسم وغيرهما. بل اشترط للمقام الصهيوني في فلسطين عدم انتقاصه من حقوق الطوائف الأخرى المقيمة في البلاد، التي لم تحترمها قوة الاحتلال «لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين»، ولا بالمقابل أن يؤثر على «الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر»، كحالهم في أوروبا او البلاد العربية. فكي لا يؤدي نزولهم في فلسطين إلى تهجيرهم من بلاد أخرى كنوع من الثأر.

لا تعويضات ولا اعتذار: عبّرت اوساط عدة رسمية وصحافية وشعبية عن تصوراتها في فعاليات إحياء الذكرى بعنوان مئة عام من الظلم. الحقيقة لا ظلم أبشع من ظلم ذوي القربى، ولا أقسى من تهوين أبناء البلاد بقسوة ما لحق ببلادهم ليكتفوا باعتذار. وهو غير متوفر أيضاً!!. هل وعد بلفور شتيمة فردية ليكفي اعتذار على الهواء؟ هل وعد بلفور خصام شخصي أو قبلي أو أسري لتعقد الراية بين شيوخ وحكماء الحلف فيغسل الدم بالدية والتعويض؟ من يعوّض على مئات الآلاف الذين استشهدوا؟ على الجرحى المعوقين لعقود؟ على من تدمّرت حياتهم بالتشرد والفقدان والثكل واليتم والدم والدمع والبكاء والإذلال من عيون السلطات ورجال أمنها، أمام مخافرها وأسلاك حدودها؟ من يعوّض وكيف على الأم أو الأب اللذين فقدا كل ضناهما وأرضهما وأولادهما والأمان وعانيا انفصام شخصية الفلسطيني بين وعد العودة والتحقق واستحالة الواقع المتردي حتى الدرجة الحيوانية؟ من يعوّض على الأبناء والبنات الذين فقدوا أباهم أو أخاهم بطلاً في المعارك ولم يعرفو ما تعني الأبوة ولا الأخوة؟ من يعوّض على من انتُهكن في السجون وعلى من اغتصبوا فيه، جوعاً وكرامة وألماً وفقدوا الحق في الحرية والحب والتعبير والانتماء؟

الخطة السياسية والاسترتيجية المنظمة والقوة الفعلية هي التي أوصلت المشروع الصهيوني إلى تكوينه كياناً «إسرائيلياً». في المقابل لا يزول هذا الكيان إلا بخطة سياسية نظامية دقيقة ودؤوب وشاملة وباستراتيجية قيام مجتمع حربي قومي متكامل في حياته كلها، لتكوين قوة فعلية ذات وزن في تقرير المصير القومي. ما لم تتوفر الخطة والاستراتيجية والقوة عبثاً تعارضون. بينما كانت المعارضة السورية المشرقية والفلسطينية من ضمنها، بالمظاهرات، ولم يتجه أهل البلاد السوريون إلى القوة والسلاح إلا في العام 1936 عبر ما سمي بثورة القسام التي استمرت ستة أشهر. لكن في مواجهات حائط البراق العامين 1922 و1927 لم تتعدَّ الاستباكات المحدودة بما يُسمى سلاحاً أبيض، ربما لقلة السلاح بين أيدي الناس ومنع اقتنائه من السلطات النافذة.

فعلى من يتكلمون في الوطن وحقه وسيادته، والانتماء له، وفي ما تهدده، أكانوا مواطنين فقط أم مسؤولين، فعلى المسؤولين تقع مسؤولية كبرى، إن قدّروها.. يجدر بهم جميعاً المزيد من العلم، المزيد من الوجدان، المزيد من حفظ حق الأجيال القادمة، فالوطن ليس فقط نبع ماء او طريقاً التفافية او مؤسسة اونروا .. هو ما لا يتقادم في العصور والدهور ولا يتم استهلاكه، تماماً كالنور والهواء والماء..

وعد بلفور إدانه قاطعة.. واول من تدان به الحكومات والبرلمانات المشرقية الخرساء منذ مئة عام حتى اللحظة.. وتتقاتل على جنس الملائكة!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017