شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-01-26
 

مفهوم الحرية في فلسفة أنطون سعاده - المدرحية القومية الإجتماعية 8

يوسف المسمار

الحـرية هي الأحـرار في مجتمع حـر

إن الحرية هي الأحرار. وإن الأحرار هم الأمة الحرة. والأمة الحرة هي الأمة الواعية مسؤليتها ، والقوية بوعيها ، والنظامية بحـريتها ، والحـرة بنظاميتها ، والعادلة بحقها ، والمحقة بعـدالتها، والخيـّرة بجـمال نفسيتها ، والجميلة بـخـيـِّر انتاجها وابداعها.

الأمة الحـرة هي التي تعـرف حقـوقها وحقـوق غيـرها من الأمم وتحترم هذه الحقوق وتناضل من اجل الحفاظ عليها . فلا تتنازل عن حقوقها لغيرها ، ولا تعتدي على حقوق غيرها.انـها الأمة التي تـعـرف واجباتها ومسؤلياتها وتمارس مسؤلياتها وتقوم بواجباتها ليس اكراهاً ولا طمعاً ولا خداعاً وغشاً بل تقوم بكل ما تتطلبه الحرية العصية على القهـر .

الأمة الحرة تـدرك وحدة حياتها ومصالحها واغراضها ومقاصدها ومـثـلها العليا وتجاهـد في سبيل تحقيقها بكل ما تستلزمه الحرية من وعي وعزم وارادة وجهاد دون الاعتداء على غيرها لأن الاعتداء هو الباطل . وهي لا تقبل اعتداء غيرها عليها لأن قبول الاعتداء والخنوع له هو أشد أنواع الباطل فظاعة .

هذا هو مفهوم الحرية في فلسفة انطون سعاده المدرحية القومية الاجتماعية الانسانية . لأن الحرية اجتماعية انسانية ولا وجود لها بالنسبة لنا كبشر خارج نطاق الاجتماع الانساني .

الأمـة الحـرة هي التي تعـمـل من أجل اكـتـشـاف أعـداء الإنسان والحـرية لتطاردهم وتحاربهم وتنتصر عليهم بانقاذهم من نفسية التعدي والعدوان وايقاظ جوهر الانسانية فيهم . انها تـحـمـل رسـالة الهـُدى والحياة والحرية الى جميع الأمم والشعوب ، واضعة ً حـدا ً لأطـماع الجماعات الهمجـيـة المتوحـشـة ، مساهمة ً في انشاء المدنية الإنسانية وبنائها وتـرقـيتـها ، مـبـدعـة ً ومبـتكرة ً أروع وأجمـل ما تُؤهـلها نـفسـيتها العظيمة على ابتكاره وابـداعه من خِـطـَـط التـفـوق الإنســاني .

لن نسـتـطـيـع أن نكـون أحـرارا ً ، ولـن نسـتـطيع أن نـنـعـم بالحـرية وفي شعبنا مواطن فرد واحد جائع أو جاهـل أو مُهـان ، ومن أرضنا شـبـر واحـد مُغـتَصَب . ولن نستطيع أن نكون أحرارا ً أيضا ً وأمتـنا ليس لها دور في صناعة أوالمساهمة في صناعة وكتابة تاريخ مـدنية الإنسان على هـذا الكوكب لسبر أغوار هـذا الكون الامتناهي الماثل أمامنا واكتشاف ما يمكن اكتشافه من أسرار الوجود ومخبآت الآفاق.

الحرية تعـني الحياة الجـيـدة لكل مواطـن ، وتـعـني أيـضا ً ســيادة الأمــة الكاملة على نفسها وعلى وطـنها . وتعني الخـروج من الظلمة الى النــور، ومن الضلال الى الهُدى ،وتعني نهوض الأمم وتعاونها فيما بينها لخلق الإنسان البشري الإنساني .الإنسان ـ النـوع النـوعي الذي شاءته العناية الخالقة متميزا وسـيِّدا ً وممثلا ً لها على الأرض في هذا الوجود وليس في غير هذا الوجود .

الحـرية تعني تحقيق وتحقق ارادة حياة الحق العزيزة الحـرة التي يكون انتصارها كما قال فيلسوف المدرحية القومية الاجتماعية أنطون سعاده : " الانتصار لا يكون الا بالحرية . فالحرية صراع . ليست حرية العدم، بل حرية الوجود. والوجود حركة. هي حرية الصراع. صراع العقائد في سبيل تحقيق مجتمع أفضل ولا معنى للحرية وراء ذلك . ويل للعقائد الباطلة من الحرية، لأن الحرية صراع ! الصراع امتحان العقائد والقيَم ، وهو امتحان النفوس ! ونهايته دائما غالب ومغلوب !

الحق والحرية هما قيمتان انسانيتان من قيَم الانسان-المجتمع ! كل مجتمع يفقد هاتين القيمتين يفقد معنى الحياة السامي ! الحياة بدون هاتين القيمتين عدم!"

وقال أيضاً سعاده:" ليست قيمة الحق ولا قيمة الحقيقة والخير والجمال مادية ، فهي لاتقاس بالسنتيمترات ولا بالأمتار المربعة أو المكعبة، ولاتوزن بالأواقي والأرطال ، ولا تحدُّ بمكان وزمان معين، إنها قِيَمٌ إنسانية- نفسية إنها قيم مجتمعية ".

الحرية هي نور الحق نيّةً وممارسةً ونغماً يحرّر النفوس من أوهام الباطل ، وعبودية تيه الجهالة ، وضلال التشبث بأضغاث الاحلام، وسموم الارتماء في مقابر الاتكالية وسراب المنى. الحرية لا تنتصر الا بالحق والحق لايثبت الا بالحرية.فمجتمع الحق هو مجتمع الحرية والمجتمع الحر هو مجتمع الحق . وكلام السيد المسيح الى أتباعه هو الحكمة الخالدة: "أعرفوا والحق والحق يحرركم " (يوحنا 8: 32) .

هذا هو مفهوم الحرية كما أراه في فلسفة أنطون سعاده المدرحية القومية الاجتماعية . ان الحرية هي احدى القيم الانسانية النفسية المجتمعية وفي مقدّمة القِيَم . لا قيمة للحياة الا بالحرية. ولا حرية الا بالحق. ولا انتصار الا بالحق والحرية. ولا معنى للحق والحرية الا اذا كانتا قيمتين انسانيتين من قيم الانسان-المجتمع اللتين تجعلان حياة الانسان حياة هدى متصاعد ، ورقيّ متنامي ، وسموٍّ متألق .

الحرية من حيث هي كلمة مؤلفة من حروف هي كلمة مبهمة وليست شيئاً على الاطلاق.أما اذا اقترنت بصفة الحريّ،فان المعنى يتجه نحو الوضوح ويقترب من التعريف والمعرفة لأن المقصود بالحريّ هو الجدير وجدارة الجدير تعني أنه مستعد وقادرعلى فعل الأجدر.وفعل الأجدرلايقوم به انسان جزئي جاهل أو غبي أبله أو خامل أو متخاذل أو مجنون أو شرير أو مخرّب يائس من الحياة ،بل يفعل الفعل الأجدر والأحسن هوالانسان التام الكامل الواعي النبيه الفهيم المتزن والعامل المبادر الشجاع، والعاقل الخيِّر الواثق من نفسه ، والمحب للحياة والمصارع على الدوام من أجل النهوض بالحياة ، وترقية الحياة وتسامي الحياة مع الأيام والسنين والعقود والقرون والعصور.

وهذا الانسان الكامل هو الانسان التفاعلي المنفعل الفاعل الذي لم ينشأ في الفضاء بل نشأ على الأرض وليس في كل الأرض بل في بيئة معيّنة حيث بدأ انساناً - مجتمعاً أنشأ ثقافته وحضارته وصنع تاريخه ولم تستعبده الأرض بامكاناتها بل كيّف امكانات الارض وأطلقها فحرر نفسه من الاتكالية والروتينية ، وحررالأرض من الاهمال والاختناق فبانت له حقيقة نشوء الحياة بتفاعل قوى المادة مع الروح ، والجوهر مع الوجود ، والزمان مع المكان، والأبد مع الأزل فأدرك بانسانيته المجتمعية أن أساس الارتقاء هو الأساس المادي - الروحي أي المدرحي ، واكتشف بهذا الادراك المدرحي - الاجتماعي -القومي الانساني أنه هو الانسان الحريّ والجدير والحر لتحقيق كل ما هو أحرى وأجدر وأجود، وانه باستمرار فعل الأحرى والأجدر والأجود عبر أجياله هو الحر القادرالمنطلق من قوة المعرفة ومعرفة القوة الحقيقية الملتزمة دائماً وابداً بانتظام ونظام فكرٍ ونهج كلما ارتقى وتعمّق واتسع فيه الفكر كان مفهوم الحرية فيه أرقى ، وكلما ارتقى مفهوم الحرية كان مفهوم النهج أصوب وأصح ، وكلما صار مفهوم النهج أصوب وأصح اتحدت الحرية بالواجب واتحد الواجب بالنظام واقترن النظام بالقوة حتى انعدمت الحواجز والفواصل بين الحرية والنظام والقوة والواجب في مدار فلك القيَم الانسانية العليا التي تصعد أو يصعد بها الانسان- المجتمع من الأرض باتجاه السماء قمة بعد قمة بعد تحقيق انتصاره على الأرض.

لا أحد يستطيع أن يكون حراً الا اذا كان مجتمعه حرّاً.والمجتمع الحر لا يمكن أن يكون حراً الا اذا تحرر بالمعرفة، ونهض بالمعرفة، وقام بواجب تعميق المعرفة، ومارس نظام المعرفة، وقوّى نفسه بالمعرفة، فاكتسب بحرية المعرفة وواجب المعرفة ونظام المعرفة وقوة المعرفة حياة مناقب وقيم وفضائل الحق والخير والجمال التي يرتفع بها الى الحياة الأجود والعالم الأجمل والقيَم الانسانية الأعلى والأسمى .

لقد ركزت فلسفة انطون سعاده المدرحية القومية الاجتماعية على تحقيق نهضة الأمة وعلى حريتها في نهضويتها لتشمل نهضة المجتمع جميع أبناء الأمة في جميع أجيالها ليتمتعوا جميعهم بحرية النهوض وحرية التقدم وحرية الرقي لكي لا يخجل الآباء من أجدادهم ولا الأبناء من آبائهم ولا ألأجيال القادمة من جيلنا ، ولكي لا تكون حريات الأمم عاراً عليهم.

الحرية لاتكون الا بالواجب والنظام والقوة

الحرية لا تكون حرية الا اذا كانت واجبة .وهي ليست حرة في ان تكون او لا تكون ،بل ان الحرية لتكون حرية حرة يجب أن تكون . والحرية الحرية هي الحرية الواجبة. والواجب الواجب لا يكون من غير نظام . أما الحرية غير الواجبة فانها ليست حرية بل هي الفوضى.والفوضى نقيض النظام. والنظام ليس نظاماً ان لم يكن واجباً يؤدي رسالة الحرية. وتأدية الرسالة ونجاحها لا تكون الا في القوة التي تحرِّك النظام . في العقيدة التي وراءه وفي الهدف الذي أمامه . .والقوة لا تكون من الخارج بل من الداخل لأن الخطر من الداخل وليس الخارج . القوة الحقيقية هي قوة الحياة التي تنبع من داخل النفس وليست قوة التراكم المتراكم من خارج النفس . القوة اندفاع مهاجم وليس مقاوم .الحرية انبثاق شعاع يمزِّق الظلام ولا يبقى من الظلام الا ما اختبأ في الدهاليز والكهوف والسراديب.

هذه هي الحرية الحرية التي يجب أن تكون . وهذا هو الواجب الذي لا يكون الا بالنظام . وهذا هو النظام الذي لا يحقق النجاح الا في القوة التي تحرّكه . وهذه هي القوة التي تنطلق من داخل الانسان صراعاً واعياً هادفاً حراً في سبيل حياة أفضل وأهداف أنبل ومُثُل أجمل وعالم أمثل .

لا معنى للحرية الا اذا كانت واجبة . ولا مغزى للواجب اذا لم يكن في النظام . ولا جدوى من النظام اذا لم تحرّكه القوة . ولا قيمة للقوة الا اذا قامت على المعرفة . ولا فائدة من المعرفة اذا لم تتحول الى عقيدة . ولا نفع من عقيدة اذا لم تنبثق من نظرية أصلية أصيلة جلية واضحة للوجود تحرّك مكامن الابداع في نفوس أبناء الأمة فينطلقون بثقة ويقين وايمان لتحقيق حياة أجود، ونشر فضائل أنبل ، وترسيخ قيم أعلى ، وبلوغ عالم أجمل .

الحرية في مفهومها المادي-الروحي القومي الاجتماعي في فلسفة أنطون سعاده هي بطولة عاقلة وعقلٌ منفتحٌ على كل حق وخير وجمال وعدالة ومحبة .

** انتهى


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه