إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

قانون انتخاب جديد يُنتجه الطائفيّون احتواء التغيير بأساليب بهلوانيّة!

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2017-01-31

الارشيف

تنبثق من دخان المفاوضات المتصاعدة بين الأحزاب الأساسية في البلاد أسئلة كبيرة تكشف مدى هزالة ما يدور بين زعماء الطوائف حول مستقبل أهمّ «آليّة» دستورية لإنتاج السلطات في لبنان. يؤكّد السؤال الأول أنّ المباحثات تدور لانتقاء نظام انتخابات يحافظ على مصالح القوى الأساسية، على أساس تحصين نفوذها في طوائفها مع بعض الامتدادات في ما بينها، فيبدو المطلوب خياطاً بارعاً يفصّل «القانون» على مقاسات استمرار نفوذ هؤلاء الزعماء لمدّة العمل بالقانون، فيضيف ويقصّ «أناساً» وليس «قماشاً»، ملبّياً الحاجة إلى تكريس الطائفية وتعميقها، تأميناً لاستمرار نفوذهم، ويتمّ إنتاج «بذلة» الانتخاب بأكتاف قد لا تتناسب مع الأرجل، وقبضات من فولاذ تجسّد «القرون الفولاذية» للنظام الطائفي، ومن دون قماش كافٍ يستر العورة.

أمّا السؤال الثاني فيتعلّق بمدى قدرة الطبقة الطائفية على «السماح» لقوى غير طائفية بمشاركتها السلطة، فيبدو السؤال عجيباً وغريباً في آن معاً، لأنّ القوى الطائفية لا تشارك أحداً نفوذها، بل تحتويه لإضفاء «لمسات جميلة» على نظامها البشع. وهذا ما يحدث منذ وصول الحريرية السياسية في 1992 إلى السلطة، فنرى نوّاباً كانوا في الخطوط اليسارية وأصبحوا بقدرة قادر أبواقاً لآل سعود، مرتحلين من «ماوية» الصين إلى القرون الوسطى، ما يؤكّد على أنّ المشاركة ممنوعة والاحتواء مستحبّ. هذا ما يجري حالياً في إطار المفاوضات بين القوى الأربع الأساسية في البلاد، وفي إطار تحديد عدد الذين لا ينتمون إلى النفوذ الطائفي المباشر، والمسموح لهم الوصول إلى المجلس النيابي، وذلك لضرورات التجميل فقط.

صراع الأحزاب يدور إذاً حول عدد «النوّاب المستقلين»، وإلى أيّ من الطوائف يجب أن ينتموا. وهذا يجعل القوى الكبيرة قادرة على «ردّ الدين» لبعض من يوالونها من الطوائف الأخرى، فيهبونها بوئام بعض ما تستحقّه.

ويذهب السؤال الثالث إلى الاستفسار عن قدرة أحزاب الطوائف على القضاء على قانون الستين، بما هو أداة من أدوات الحريرية السياسية، استطاعت بموجبه السيطرة على لبنان منذ عقدين ونصف تقريباً. لقد كان «الخياط» بارعاً في تلك المرحلة، يجمع بين القبضة العسكرية لغازي كنعان، والقبضة المالية للمرحوم رفيق الحريري.

الظاهر حتى الآن أنّ الرئيس ميشال عون يشعر بمظلومية المسيحيّين من هذا القانون الذي حوّلهم إلى مناطق نفوذ لحزبَي المستقبل الحريري والاشتراكي الجنبلاطي، مع استفادة شيعيّة «على الريحة».

وعنوان المباحثات هو الانتقال من نظام طائفي أعطى ثقلاً سياسياً لقوى إسلامية إلى نظام انتخابات طائفي يُنتج توازناً طائفياً جديداً برعاية جبران باسيل.

إنّ براعة المقاولين الطائفيين في تزييف النظام النسبي نفسه واضحة، فنسمع اجتهادات بهلوانية لا تمرّ على اللبيب من نوع «أكثري» في القضاء، أو المناطق للطوائف التي تمتلك ثلثي الناخبين فيها، «ونسبي» في المحافظة.. وحين يتبيّن أنّ السنّة لا يحوزون على ثلثي الناخبين في بيروت، يحاولون إنزال معدّل النسبية وصولاً إلى إلغاء النسبية، وربما الانتخابات نفسها.

ويظهر المشهد كالآتي: كلّ القوى الطائفية تُبدي تعاطفاً مع بعضها بعضاً، وتعتبر «المظلوميات» ذرائع لاستمرار النظام الطائفي، ما يدفع الجميع إلى الصراع بصوت واحد: إذا كانت القوى الطائفية مظلومة، فمن تراه يظلم الدروز والسنّة والشيعة والموارنة والكاثوليك والأرثوذكس؟ هل هناك قوى خفيّة تظلم الجميع وتسيطر على المال والوظائف والقضاء والقدر؟ ويصبح أركان الطبقة الطائفية محرومين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟

أمّا الذين ظلموا لبنان بأسره ولم يعالجوا النفايات المتكدّسة والمياه المقطوعة والكهرباء المسروقة والأمن السائب والسياسات غير المسؤولة، ليسوا من الحريرية السياسية بتحالفاتها في كلّ الطوائف. وإلّا كيف بقيت عكار بائسة، وطرابلس أفقر مدينة على البحر المتوسط، من دون أن ننسى جبل لبنان والأنحاء الأخرى؟! تُرى، أين ذهب المال العام؟ وتبخّر من دون حسيب ولا رقيب!

ضمن هذه المناخات البائسة، كيف يمكن إنتاج قانون انتخابات صالح؟ يقول الخبراء إنّ «البذلة» التي يجري تفصيلها ستكون شديدة الغرابة، وتصلح لمخلوق عجيب يمتلك مواصفات شيطانية وغير مسبوقة في كيان لم يكفِ القوى الطائفية التسلّط عليه، بل ذهبت إلى إحداث تعديلات فيه تناسب مقاسات القيادات المذهبية والطائفية، وهذا يستدعي السؤال الأخير: أين هي القوى التي تستطيع وقف هذه المهزلة التاريخية؟

لا شكّ في أنّ الحروب المندلعة في الإقليم تحول دون تركيز القوى السياسية على الوضع الداخلي في لبنان، وربما لا تستطيع ذلك، لأنّ منع امتداد التكفيريّين الظلاميّين إلى لبنان ومقاتلتهم في سورية، لها الحصة الراجحة التي تتطلّب التركيز على الهدف وإبداء مرونة داخلية في عقد تحالفات لها بُعدٌ وطنيّ على حساب التفاعلات الداخلية. وهذا أمر طبيعي حدث في بلدان كثيرة، كانت قواها مضطرّة إلى تقديم تنازلات سياسية واقتصادية للوصول إلى الوحدة الوطنية الضرورية لمقاتلة التيارات التكفيرية والعدو الخارجي.

لمجمل هذه الأسباب، يمرّ لبنان بمرحلة سيّئة غير مضبوطة بالقوى الشعبية، لكنها مرحلة انتقالية، تستمدّ قوّتها من اضطرابات الإقليم في المشرق العربي و»الشرق الأوسط»، لكن استمرار الحال من المحال.

وهناك أسباب إضافية تدفع في اتجاه تغيير كبير في لبنان، وتتعلّق بتراجع دور الإعلام التقليدي التابع للمال السياسي مع تقدّم إعلام التواصل الاجتماعي المفتوح للناس كافة ومجاناً. وللتوضيح، فإنّ متابعة الإعلام التقليدي في الصحافة المكتوبة تتطلّب تعليماً متوسّطاً وثمناً مادّياً ومالاً مشبوهاً. لذلك، فإنّ ارتفاع مستوى التعليم إلى درجة ما فوق العلوم الابتدائية كفيل برفع نفوذ إعلام التواصل الاجتماعي، علماً أنّ الإعلام التقليدي ممسوك أيضاً من القوى الطائفية ومراكز نفوذ المال السياسي في الإقليم، ويقدّم مع بعض الاستثناءات صورة مؤيّدة لأحزاب الطوائف لا تقبل المساومة.

وهناك معلومات عن اتجاه في الأحزاب المؤيّدة للمقاومة يدفع للضغط في اتجاه إنتاج قانون للانتخابات يراعي خصوصيات الطوائف وضرورات التغيير، وذلك بالانتقال التدريجي البطيء غير المثير للاضطرابات من المرحلة الطائفية إلى المرحلة الوطنية. الأمر الذي قد يؤدي بالمفاوضات السياسية الدائرة حالياً إلى إنتاج قانون انتخابي يترك فسحة لا باس بها لانتخاب ديمقراطي فعلي غير مقيّد بضوابط طائفية. وقد يُترجم هذا الضغط بوضع نحو 30 في المئة من المقاعد النيابية ضمن إطار نظام الانتخاب النسبي، فيتأمّن عدد معقول من نوّاب شعبيّين وطنيّين يؤدّون دور المراقب على أداء النظام السياسي بتشعّباته الاقتصادية والقضائية والعسكرية، وصولاً إلى السياسة الوطنية. وقد لا يستطيع هؤلاء تغيير التفاعلات السياسية، لكنّهم يستطيعون أداء دور الرقيب الذي يستعمل وسائل الإعلام، كبح الفساد الداخلي وإضعاف الولاءات السياسية للإقليم.

ونجاح القوى الوطنية في إيصال عشرين نائباً فقط، من العيار الوطني الفعلي، كفيل بتدمير نسبيّ لمعاقل الخلل في النظام السياسي اللبناني على المستويين الاقتصادي والوطني. ومن المؤكّد أنّ اللبناني لن يكون إلّا شاكراً لدور هذه القوى في الدفع الانتقالي للبنان من طوائف القرون الوسطى إلى الوطنية المعاصرة.

لم يعد مسموحاً على الإطلاق اعتبار لبنان مشروعاً لتكيّة خليجية أو مزرعة أبقار أميركية، ولم يعد جائزاً تمرير مشاريع لتقاسم ثروات لبنان النفطية والغازية. المطلوب قانون انتخاب يتيح مرور عشرات النوّاب المراقبين للوضع العام، ووضع ثروات لبنان في خدمة أهله لا في سبيل تراكم ثروات الفاسدين.

راجعوا آخر قانون جرى تمريره في المجلس النيابي منذ أسبوع، وقضى بأن تحصل زوجات النوّاب الذين يتوفون على كامل رواتب أزواجهنّ النوّاب، علماً أنّ كل موظّفي لبنان أصحاب الدرجات العليا، كالأساتذة الجامعيين والقضاة، لا تتقاضى زوجاتهم أكثر من أنصاف رواتبهم، وبعد خدمة لا تقلّ عن ثلاثين عاماً. وللدليل، فإنّ الأستاذ الجامعي يحصل على 85 من راتبه إذا قضى 40 عاماً في التعليم يا طويل العمر.. ويخرج إلى التقاعد في 64 من عمره.

لكنّنا بأي حال، اطمأننا إلى مستقبل زوجات نوّابنا، وهذا يكفي والحمدلله. ولكن المطلوب ايضاً إيقاف الأعمال البهلوانية للسياسيّين لمنع إصابتهم بتشنّجات عضلية، على أمل أن يشمل التغيير لبنان، وتستوي أوضاعه السياسية والوطنية ضمن مخطط التغيير الكبير.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017