إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

هل يدشِّن ترامب سياسة المواجهة مع بكين؟

إنعام خرّوبي - البناء

نسخة للطباعة 2017-02-08

الارشيف

منذ بروز دونالد ترامب في السباق الانتخابي، بوصفه المرشح الأقوى عن الحزب الجمهوري، والعالم يحبس أنفاسه تجاه ما يطلقه الرجل من مواقف وطروحات غير منطقية تتناقض أحياناً مع بعضها البعض.

قد يصحّ القول إنّ هناك فارقاً بين برنامج «المرشح»، وبرنامج «الرئيس»، وإنّ علاقات الولايات المتحدة الدولية لن تتغيّر جوهرياً ولو أنها قد تتغيّر بعض الشيء. لكن، وعلى ضوء افتقاد الرئيس الأميركي الجديد للخبرة في الشؤون الدولية، يرى بعض المراقبين أننا أمام إدارة أميركية لا تعرف حقيقة كيف تتصرّف، حيث لا يمرّ يوم من دون صدور تصريحات عدائيّة من ترامب تجاه دولة ما، لا سيما الصين، التي يتهمها ترامب بـ«اغتصاب» بلاده تجارياً، معتبراً إياها مسؤولة عما وصفه بـ«أكبر عملية سطو في التاريخ».

ينطلق ترامب من خطاب شعبوي بنفحة شوفينيّة وعنصريّة، وإنْ كان بعض الخبراء الاقتصاديين يدرجه في خانة النظريات «النيوكلاسيكية» الاقتصادية. خطاب، لا ينفك ينظر إلى قضايا السياسة الخارجية من نظرة أحادية، انطلاقاً من الشعار الأساسي الذي حمله ترامب في حملته الانتخابية، والرامي إلى جعل أميركا «عظيمة مرة أخرى».

يدرك ساكن البيت الأبيض الجديد قدرات بلاده جيّداً على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. فالاقتصاد الأميركي يمثل 25 في المئة من الإنتاج العالمي، أسوة بما يمثله الاتحاد الأوروبي، بينما تمثّل الصين 15 في المئة. ويشكل الإنفاق العسكري الأميركي أكثر من 40 في المئة من الإنفاق العالمي 650 ـ700 مليار دولار تليه الصين التي زاد إنفاقها 130 في المئة خلال السنوات العشر الماضية 220 مليار دولار ، ثم السعودية 100 مليار دولار .

وبين عهد أوباما وعهد ترامب تبدو الصورة مختلفة حول الطريقة التي تسعى واشنطن من خلالها إلى إرساء هيمنتها. ففي عهد الإدارة السابقة كان التوجه نحو خلق هيمنة إيديولوجية بالإضافة إلى الهيمنة الاقتصادية والعسكرية من خلال الحريات والمنظمات غير الحكومية والثورات الملوّنة، علماً بأنّ هذه الثورات طالت بتأثيراتها الفئات البورجوازية خارج السلطة وحولها وفئة الشباب المتعلمين، أيّ الفئات الوسطى في هذه الدول وليس الفقراء والمهمّشين، وهو الأمر الذي عنى توسيعاً فعلياً للهيمنة الأميركية. وبفعل هذه الهيمنة أقيمت القواعد العسكرية في تلك الدول وعقدت اتفاقات اقتصادية وأمنية. أما ترامب، الذي يزعم أنه يهدف من خلال سياساته إلى إرساء توازن بين حاجات الداخل، والأعباء الخارجية، وإلى إعادة الاعتبار لـ«السياسات الحمائية»، والتخلي أو إعادة النظر في أسس ومرتكزات قيمية ومؤسساتية لطالما تصدّت واشنطن لحمايتها كحلف «ناتو»، و«مؤسسات العولمة»، إلى جانب بعض اتفاقيات التجارة الحرة مع دول منطقة المحيط الهادئ، ودول أميركا الشمالية نافتا ، فتذهب التحليلات إلى اعتبار فوزه، إشارة إلى أنّ سلطة أميركا الدولية قد تلقت بالفعل ضربة قوية، ليس إزاء الخصوم فحسب، بل إزاء الحلفاء أيضاً، خصوصاً الحلفاء الآسيويين. ومن تجليات العهد الأميركي الجديد، الانسحاب من اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ» الذي دفع بعض حلفاء واشنطن إلى التفكير جدياً بخيارات التقرّب التجاري من الصين، علماً أنّ تكلفة الانسحاب تدفعها الشركات المتعدّدة الجنسية العملاقة بعشرات مليارات الدولارات. وإذا كان أوباما قد كرّس جلّ سني ولايتيه الرئاسيتين من أجل عملية «إعادة التوازن الاستراتيجي باتجاه آسيا»، بما أفضى إلى زيادة تورّط واشنطن بنزاعات شرقها، كما هو الحال في قضية بحر الصين الجنوبي، تتفاوت الترجيحات بشأن ما ستكون عليه سياسة ترامب الآسيوية بين من يرى أنّ الرئيس الأميركي الجديد لن يكون مهتماً بالنزاع في بحر الصين الجنوبي تماشياً مع شعاره «أميركا أولاً»، وبين من يرى أنّ هامش مناورة ترامب بين موسكو صديقة البيت الأبيض وبكين أكبر دائن للولايات المتحدة محدوداً، باعتبار أنّ احتمالات نجاة الصين من الضغوط تصبح أقلّ بكثير في حال نجح الأخير في رأب الصدع مع روسيا.

وعن السياسات التجارية للإدارة الأميركية الجديدة، يرى محللون اقتصاديون أنّ هذه السياسات نابعة من السعي إلى خلق سوق وطني حرّ تتنافس ضمنه الشركات المحلية على تأمين الطلب الداخلي، بالتوازي مع تنظيم التبادل التجاري وحركة القوة العاملة من البلاد وإليها، ما يتناقض مع مصالح الشركات العابرة للحدود والقطاع المالي. وقد كان لافتاً الهدوء الذي تحلّت به الديبلوماسية الصينية تجاه فوز ترامب، الذي يحمِّل بكين مسؤولية «التغيّر المناخي»، متوعّداً إيّاها بفرض رسوم جمركية بنسبة 45 في المئة على السلع القادمة منها.

وبالنظر إلى إيجابيات سياسة «الإغراق» الصينية، يمكن القول إنّ توفر المنتجات الرخيصة القادمة من الصين داخل أسواق الولايات المتحدة، لفترة طويلة، شكل عنصراً ضاغطاً أدّى إلى انخفاض أسعار السلع عموماً ورفع القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المنخفض.

أما عن السيناريوات المرتقبة لسياسة حجب الواردات الصينية من قبل إدارة ترامب، فترجّح التحليلات أن ترتفع الأسعار، فيتراجع الاستهلاك ما يعيق النمو الاقتصادي فتتفاقم فجوة التفاوت، على نحو لن تحظى الولايات المتحدة فيه بالحماية من خسائر العمالة في قطاع التصنيع، لأنّ الوظائف سوف تذهب ببساطة إلى فيتنام أو بنغلادش، حيث تكاليف العمالة أقلّ حتى من حالها في الصين اليوم، في إشارة إلى أنّ الوظائف التي سوف يولّدها نهج ترامب، جرّاء إغلاق المصانع الأميركية العاملة في الصين، لن تعود بالضرورة إلى المواطنين الأميركيين، بل قد تعود إلى مواطنين أجانب في أماكن أخرى، أو إلى الروبوتات التي يرجّح أن يزيد استخدامها في أسواق الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، ذهبت وكالة «بلومبيرغ» إلى أنّ مصانع الصين لا تتخوّف من سياسات ترامب، معتبرة أنّ خطط الأخير الرامية إلى «إعادة المصانع إلى الديار» وخلق نحو 25 مليون وظيفة لن تنجح، نظراً لما تتمتع به السوق الصينية من مزايا، وخصوصاً العمالة الماهرة والمتخصّصة والقدرة الكبيرة على الابتكار والاستخدام الموسّع للتكنولوجيا، بعد تحوّلها من الصناعات التجميعية إلى صناعات أكثر تقدّماً، الأمر الذي لا يتوفر في السوق الأميركية. فالصين تعدّ اليوم أكثر الأسواق استخداماً للسلع التكنولوجيّة، مع نمو معدّل مبيعات تلك السلع بنحو 20 في المئة على أساس سنوي. وبحسب دراسة حديثة، فإنّ المصنّعين الأميركيين قد خفّفوا ميزانية الإنفاق على البحوث والتطوير، مقارنة بنظرائهم الصينيين الذين تفوّقوا عليهم.

ويبقى الأهمّ أنّ العلاقات الأميركية الصينية ما زالت عرضة للكثير من الأخذ والردّ، إلا أنّ «برودة» التعاطي الصيني مع الإدارة الأميركية الجديدة، تعطي مؤشراً على أنّ القيادة الصينية تدرك أنّ ترامب لن يجد حيّزاً كبيراً للاختيار غير الالتزام بالخطوط المرسومة له على رأس هرم السلطة التنفيذية في واشنطن، لا سيما أنّ احتمالات انحراف الرئيس ترامب عن الإجماع في مجال السياسة الخارجية، سوف تعترضه عقبات كثيرة يكفلها النظام الدستوري في الولايات المتحدة من جهة، وأنّ حجم العلاقات الثنائية بين بكين وواشنطن، على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية، يفرض الحرص على تطويرها قدماً، وليس زعزعتها، من جهة أخرى.

أما الصين ففي جعبتها الكثير لتقوم به إزاء أيّ سياسات تجارية أميركية «تصعيدية» كرفع كلفة الاستثمار في السوق الصينية أمام الشركات الأميركية، وتخفيف التعاقدات الحكومية مع تلك الشركات، إضافة إلى ما يمكن أن تبادر إليه بكين في ما يخصّ فرض رسوم على الواردات الأميركية، من الطائرات إلى المنتجات الصناعية والزراعية المختلفة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017