إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

التصعيد الأميركي ضد إيران وتداعياته القومية

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2017-02-08

الارشيف

إلى أي مدى سيصل التصعيد الأميركي ضد إيران في ظل إدارة الرئيس الجديد دونالد ترامب الذي لم يُخفِ قط عدائيته المطلقة لإيران، ورفضه لسياسة سلفه باراك أوباما خصوصاً في ما يتعلق بالاتفاق النووي؟

من الصعب الآن تقديم صورة واضحة المعالم ومتكاملة الأبعاد لهذا "المدى". غير أننا قادرون على تلمس الملامح الأساسية للسياسة الأميركية الجديدة على المستويين القومي والعربي، وهي تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: التماهي مع السياسة الإسرائيلية، التصدي للنفوذ الإيراني في الهلال الخصيب ومنطقة الخليج العربي، ومكافحة ما تصفه إدارة ترامب بـ"الإرهاب الإسلامي".

تدرك الإدارة الأميركية الجديدة أن هذه الملفات شديدة التعقيد، وأنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيات إقليمية ودولية متشابكة. فالولايات المتحدة التي انفردت على مدى عقدين برسم أحداث المنطقة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تواجه في الهلال الخصيب وجوداً روسياً نافذاً إنطلاقاً من الدور الكبير الذي تلعبه موسكو على الساحة السورية، وذلك بالتعاون الوثيق على مستويات عدة مع طهران التي عززت خيوط نفوذها في لبنان وسوريا والعراق تحديداً.

إذن لا يمكن لإدارة ترامب أن تأخذ تصعيدها ضد إيران إلى مداه الأقصى من دون الأخذ بعين الاعتبار المصالح الروسية الحيوية في المنطقة، حتى ولو تعالت أصوات إسرائيلية وعربية داعية إلى مزيد من الضغط والعقوبات والحصار للمصالح الإيرانية. وهذا يعني بكل بساطة أن ملف العلاقات الأميركية ـ الإيرانية سيكون في طليعة الملفات التي ستطرح على طاولة المفاوضات بين موسكو وواشنطن عندما يحين الوقت المناسب للطرفين.

الموقف الروسي حتى اليوم واضح تماماً في ما يتعلق بالدور الإيراني. فموسكو ترفض التصريحات الأميركية التي تصف إيران بأنها "أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم". كما تؤكد على ضرورة الالتزام بالاتفاق النووي (تدعمها في ذلك الدول الأوروبية والأمم المتحدة وبعض مسؤولي الإدارة الأميركية الجديدة). والأهم من ذلك أن موسكو ترى في إيران شريكاً حيوياً في مكافحة الإرهاب، وبالتحديد في سوريا والعراق وأفغانستان وبعض جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية حيث الخاصرة الروسية الضعيفة!

على طاولة المفاوضات الأميركية ـ الروسية المتوقعة قريباً ستخضع كل الملفات لمبدأ المساومة والتسوية... واحتمال عدم التوافق طبعاً. وهذا يدعونا إلى التعامل بحذر مع طبيعة الملفات الأخرى وموقعها على سلم أولويات كل من الطرفين الأميركي والروسي. ولا شك في أن أزمة أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا وتمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو) وصولاً إلى الحدود الروسية تحتل موقعاً متقدماً جداً في الأولويات الاستراتيجية للحكومة الروسية. والسؤال الحساس الذي يفرض نفسه هنا هو: هل تشعر موسكو بأن التوصل إلى تفاهمات مفيدة لمصالحها حول هذه المسائل يبرر لها تقديم تنازلات في مسائل أخرى، ومنها إيران؟ وهذا يستدعي سؤالاً آخر أكثر أهمية لأنه يرتبط ببلادنا: ماذا ستفعل طهران إذا شعرت أن أي توافق أميركي ـ روسي سيكون على حسابها في الهلال الخصيب؟

من المتفق عليه أن إيران تمكنت خلال العقود الثلاثة الماضية من بناء علاقات وثيقة مع قوى محلية شديدة التأثير، بعضها ينتمي إلى جماعات الإسلام السياسي (الشيعي والسني) وبعضها الآخر يحمل إيديولوجيات مختلفة، في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين. ومن المتفق عليه أيضاً أن الدول الإقليمية المعادية لإيران سعت إلى إقامة شبكات محلية في هذه الدول، إنطلاقاً من الاستقطاب الديني والمذهبي الحاد، غايتها الأساسية التصدي للنفوذ الإيراني بكل السبل المتاحة. وقد أظهرت الأحداث اللبنانية والسورية والعراقية، وكذلك اليمنية والبحرينية، أن كل الساحات على أهبة الانفجار بمجرد أن تتطلب المصالح الإقليمية النزول إلى الميدان.

نعود الآن إلى طاولة المفاوضات الأميركية ـ الروسية. من الصعب تصور أن إدارة ترامب ستتخلى بالكامل عن "سياستها الإيرانية"، خصوصاً في ظل وجود عدد من غلاة المتطرفين في البيت الأبيض، حتى ولو كان التراجع عن الاتفاق النووي بعيد المنال في المرحلة الراهنة. وكذلك من غير المعقول التصور أن موسكو ستضع ثقتها الكاملة بإدارة أميركية جديدة يمكن أن تتغير بفعل الضغوط الداخلية، بل ويستطيع الكونغرس عرقلة تقاربها مع روسيا في أية لحظة. كما أن روسيا لن تفرط بحليف أساسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية مميزة. لكن علينا توقع الوصول إلى تسويات وتفاهمات ستكون، حكماً، على حساب القوى الإقليمية.

الشيء الوحيد المؤكد هو أن تغيراً محورياً سيطرأ على الأوضاع السياسية والأمنية في منطقتي الهلال الخصيب والخليج العربي، وأن الجميع يترقب ذلك التغيير ويستعد له ويجند كل قواه لمواجهة تداعياته. صحيح أن ضابط الإيقاع الروسي ستكون له الكلمة العليا... لكن المشكلة المفصلية تكمن في كثرة العازفين على أوتار أزماتنا القومية!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017