إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

لماذا لن تبيع روسيا سورية وأياً من حلفائها؟

محمد شريف الجيوسي - البناء

نسخة للطباعة 2017-02-21

الارشيف

يحاول البعض وبعض البعض من مثقفين أشاوس ومحللين كبار الترويج بأنّ روسيا الاتحادية بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين باعت سورية الدولة الوطنية بقيادة الرئيس بشار الأسد وحليفتها إيران، وربما بصدد الابتعاد عن الصين الشعبية… في مقابل كسب عثامنة آخر الزمان ومجانين البيت الأبيض بتوصيف الأميركان أنفسهم، بمن فيهم أعضاء كبار في الحزب الجمهوري و«سي أي آي».

لكن الحقيقة هي أنّ الرئيس الروسي بوتين لاعب سياسة محنك فوق درجة الشرف، يعمل أولاً للوصول إلى غاياته بالتسلّح بالشرعية الدولية وقطع طريق الذرائع ومنح الفرص للآخر، حتى إذا تعامل الآخر مع هذه الفرص بإخلاص كانت طوق نجاة لذاك الآخر، فلا يكون التزامه دون ثمن حفظ ماء وجه بأقلّ قدر من الخسائر ، وإلا فطوق انتحار سياسي.

منحت روسيا بوتين الولايات الأميركية بقيادة أوباما، فرصة للعمل المشترك لحرب حقيقية على الإرهاب، تخرج واشنطن وحزبها الديمقراطي من المنطقة بأقلّ قدر من الخسائر، بعد سنوات وحلفائها وأتباعها من الفشل المتصل، لكنها ظنّت أنه يمكن اللعب على روسيا، فخرج سيد البيت الأبيض السابق بأكبر قدر من الخسارة، ما أتاح للسيد الجديد استثمار هذا الفشل لصالح الفوز، رغم ما اعتور هذا الفوز من ملاحظات، فأميركا في حاجة للتغيير والتبديل ولو ظاهرياً تكتيكياً أو تمويهاً.

وفعلت روسيا الاتحادية الشيء ذاته مع العثامنة الجدد بقيادة أردوغان بعد وقت يسير بعمر العلاقات الاستراتيجية من إسقاط الطائرة الروسية بمنتهى الصلف التركي. وهي على علم يقيني أيّ روسيا وليس مجرد تخمينات بمدى العلاقات الحميمة بين العثامنة والعصابات الإرهابية على اختلاف مسمّياتها ودور أردوغان الشخصي في العدوان على سورية، لكنها على علم أيضاً بمدى ما أخذت تعانيه العثمنة من الإرهاب الذي دعمته ومن المشكلات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتزايدة في تركيا، وحاجة النظام التركي للاستقرار الداخلي، في وقت بدأ التوتر يحكم العلاقات التركية مع أوروبا، وتلاشي آمال الدخول في الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من تصدّعات متفاقمة تنذر بتفتته، وعلاقاتها مع واشنطن ليست أحسن حالاً، سواء على صعيد رفض الأخيرة تسليمها غريم أردوغان الداعية فتح الله غولن أو على صعيد اتهام البيت الأبيض بتدبير انقلاب، أو على صعيد إصرار الأخيرة على إقامة كانتون كردي في شمالي سورية، الأمر الذي يُغري أكرادها بما هو أكثر في جنوب شرق تركيا. فضلاً عن رفض أوباما إقامة منطقة آمنة في شمالي سورية.

روسيا فهمت المعادلة والمأزق التركي، فعرضت على تركيا العمل معاً على مناهضة الإرهاب الذي بات يشكل خطراً أيضاً على أنقرة، وأتاحت لها محاربة المشروع الكردي على الأرض السورية، ما يطمئنها، وفي آن يورّطها في المستنقع السوري والّفت بينها وبين إيران، وتشكل المحور الثلاثي الروسي التركي الإيراني، وكان القرار الدولي بالترحيب بالمشروع الروسي التركي لعقد أستانة، من دون أن تشارك في تقديمه إيران، إمعاناً في طمأنة أنقرة، ولكي لا تكون المعادلة على الأرض السورية كما يحاول البعض تصويرها ذات بعد طائفي شيعي، فأعطت تركيا السنية ما يعزّز موقفها بين السنة، وهامشاً للحركة في سورية ودوراً في الحلول السياسية المرتقبة، وللمعارضة المسلحة التابعة لها للمشاركة في الحرب على مشروع الكانتون الكردي المرعب لتركيا بقدر ما هو مرفوض سورياً وإيرانياً وعراقياً، وفي آن فلتتقاتل العصابات الإرهابية بينها على خلفية نتائج أستانة.

من جهته كان للثعلب أردوغان، غاياته وارتباطاته غير السهلة، فقطْعُ صرّة النظام التركي بواشنطن وأوروبا والناتو وإسرائيل، ليس أمراً سهلاً وله تداعياته، فضلاً عن مصالحه المرحلية مع الخليج لجهة العداء المشترك للدولة الوطنية السورية، فضلاً عن مطامعه في العراق، وارتباطاته الأيديولوجية بجماعة الإخوان المسلمين ومكتب الإرشاد العالمي، والذي يستمدّ منه قوته الداخلية بمواجهة معارضيه الإسلاميين وغير الإسلاميين.

ومن هنا فقد مضى العثامنة الجدد مع روسيا بالقدر الذي يقلق الحلفاء القدامى الاستراتيجيين والمرحليين ويشكل ضغطاً عليهم بتحقيق المنطقة الآمنة في شمالي سورية وتسليم المعارض التركي «الخطير» غولن، والتوقف عن اتهامها بقمع الحريات والديمقراطية ولأجل استمرار الحرب الإرهابية على سورية وإنْ أمكن شنّ حرب مباشرة عليها وإسقاط الدولة الوطنية فيها لصالح حالة تابعة لها تتيح تمدّد العثمنة، وإعادة الأمل بدخول الاتحاد الأوروبي، وتحقيق مطامعها في شمال العراق، وابتزاز الحلفاء المرحليين في الخليج والعصابات الإرهابية معاً.

ومن هنا رأينا أنقرة تحضر إلى «أستانة 2» متأخرة، وكذلك وفد العصابات الإرهابية، فهي تريد الحصول على مزايا المحورين والضغط على كلّ منهما وما يتصل بهما، بالآخر وما يتصل بهما من دول وأطراف.

روسيا الاتحادية بقيادة بوتين وحلفها ليست مأزومة، وهم في حالة صعود ومَن معهم على الصعد كلّها، فيما البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي والناتو والرجعيتان العربية والعثمانية، تعيش و«إسرائيل» في أزمات سياسية واقتصادية وحالات فشل على الصعد كلها بما في ذلك مجتمعاتها.

وعليه فروسيا الاتحادية ليست في وارد أن يلعب عليها ثعلب العثمانية الجديدة أو سواه، والذي يفترض منه أن يعمد إلى معالجة جراحاته ولملمة تناثرات نظامه وإعادة الألق الاقتصادي لبلاده والخروج من مأزق الإرهاب الذي وضع نفسه فيه وتصويب علاقاته مع جيرانه الذين لعبوا دوراً في تحقيق تقدّم تركيا الاقتصادي عندما كانت علاقاته جيدة معها.

وتغليب الوطني على الأيديولوجي الإخواني، والكفّ عن أوهام المراهنة على استعادة ما يظنّ أنه أمجاد عثمانية، فيما هي تخلّف وجهل وفقر متعدّد الأشكال وتطرّف طوراني وعنصرية مذهبية، وإعادة النظر في علاقاته مع محور واشنطن المتهالك، والذي كما أثبتت أحداث السنوات السبع الأخيرة أنه ليس بصدد تركيا أو سواها، فهو بالكاد يخرج من أزماته المتعدّدة، فضلاً عما ينطوي عليه من انتهازية والافتقار لاحترام الأصدقاء والعطف على التابعين الغلابى .

أما الذين نظّروا بأحادية لمشروع الدستور والذي جرت حوله أحاديث كثيرة ساذجة، كانت غالباً في غير سياقها مزاودة تكفيرية ، أبرزت أوهامها المكبوتة ضدّ روسيا فوجدت فيه فرصة للتشكيك، من دون أن تلحظ ما يجري على أرض الواقع السياسي والعسكري، والتخبّط العميق الذي يلفّ الأطراف الأخرى، وما أحدث المشروع من حرائق واختلافات مطلوبة بين العصابات الإرهابية ومَن تتبع له.

باختصار… فإنّ روسيا الاتحادية بقيادة بوتين لن تبيع سورية ولا أياً من حلفائها، لغير اعتبار، ومنها أنها لا ولن تستطيع ذلك .. فهي على أهلية كافية ومتاحة للوفاء العميق لأصدقائها وغير قادرة على انتهاك مصالحها الاستراتيجية. فروسيا اليوم ليست روسيا مطلع التسعينيات، وبوتين ليس غورباتشوف ولا يلتسين، وروسيا تجمع الآن بين يديها تكنولوجيا العصر والإرادة المستمدّة من الواقع والإمكانات المذهلة والقيادة الفذة والتماسك الداخلي واستثمار أزمات أعدائها، كما تمتلك إيجابيات تاريخها القيصري العتيق وأمجاد الاتحاد السوفياتي في تجلياته العليا.

وهي وحلفها الممتدّ القادر الوحيد على تغيير مسار التاريخ الراهن والذي بدأ بصمود سورية وإجبار قطار الخريف الأميركي والفوضى الخلاقة على التوقف، وما استتبع من ارتدادات ضدّ المشروع الأميركي الوهابي الإخواني، ما أقنع الحلفاء بجدوى الانتصار لسورية، والعمل جميعاً على إحداث التغيير الكوني لصالح الدول والأمم والشعوب والجماعات المتطلّعة للأمن والسلم والعدل والاستقرار.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017