إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

النبت الصالح 1949 ما أشدّ اعتزازي بكم 4

أياد موصللي - البناء

نسخة للطباعة 2017-02-25

الارشيف

عندما نسأل أنطون سعاده ماذا فعلت وعندما كتب المؤرخون والباحثون.. كتبوا عن فكر وتنظيم أوجده سعاده وأعطى به للأمة والأرض هويتهما وحدّد خط سير هذه الأمة بما يؤدي إلى استعادتها كامل كيانها وشخصيتها..

سعاده وما فعله لم يقتصر على ما كتب من أبحاث، الحديث عما فعله سعاده، نبحثه في الفرد والجماعة في الإنسان القومي الاجتماعي.. في نبت نما في حمى فكر وخلق ومناقبية جعلت منه إنساناً جديداً. ويقول سعاده: «النبت الصالح ينمو بالعناية أما الشوك فبالإهمال، وأثبتت الوقائع والأحداث التي مرّ بها الحزب خاصة مؤامرة 1949 التي أدّت وقائعها الى استشهاد سعاده والعديد من رفقائه، أثبتت عظمة عناية المربّي بمن ربّى.

فعندما أقف الآن لأسجل تلك المرحلة الخطيرة الدقيقة من عام 1949 لمن لم يعايشها ويريد أن يعايشها في لحظاتها تلك لن يتوقع مهما كانت معلوماته وتقديراته ان يسجل أولئك الرفقاء ما سجلوه من مواقف في تلك الفترة الضبابية القاتمة الحرجة. انّ من يلمّ بتكوين هذه المجموعة ثقافياً واجتماعياً ومعيشياً… لا يتصوّر أبداً ان يعطي هؤلاء ما أعطوه وبمثل هذا السخاء في العطاء وهم ينظرون إلى أفق أسود مسدود، ومستقبل قاتم، حزب مشرّد، قادة مبعثرون، زعيم اغتيل، أصدقاء ورفقاء سجناء ملاحقون أو مقتولون، ماذا بعد وماذا يفعلون وهم من هذه الشريحة من الأمة مسحوقة في مجتمعها، مدانة بقوانينه، خبزهم كفاة يومهم، ماذا يفعلون، وماذا كان فعل غيرهم سوى التوسل والصراخ والركوع معلنين التوبة طالبين الصفح والغفران لتفتح لهم الأبواب ويعودوا إلى تقبيل الأيادي والبحث عن مورد الرزق الذي قطع، ماذا ينتظرون، وماذا تنتظر عائلاتهم وأولادهم غير الشفقة وكرم المحسنين…؟

سعاده: أيّ معجزة صنعت وأية اعجوبة في هذه الأمة أحدثت؟

لا… هؤلاء غير هذا النسيج، هؤلاء من جيل جديد نما ونبت بالعناية، أما قال سعاده: «النبت الصالح ينمو بالعناية أما الشوك فبالإهمال…»

اليوم وأنا اكتب وأسجل تفاصيل تلك الفترة أيّ بعد 67 سنة تنتصب أمامي تلك اللحظات، وأستعيد ما أحسسنا به من لواعج وتفاعلات وما مرّ علينا، وبدون زيادة أو نقصان أقول كان في نفوسنا حزن، كان في أرواحنا أسى، كانت انفعالاتنا كثيرة متنوّعة، عرفنا مصير زعيمنا أما مصيرنا؟ فسؤال لم نطرحه على أنفسنا لا أنا ولا سواي، كلّ اهتمامنا الزعيم والحزب…

هنا تبرز عظمة هذه المدرسة وهذه الرسالة وهذا الإيمان وهذه العقيدة التي ولدت هذه البطولة… فإذا نظرنا إلى هذه المجموعة التي انحشرت في قاووش سجن الرمل في بيروت.. تجمّعت من شتى المناطق من كلّ الفئات والأعراق والطوائف والمذاهب والمراتب الاجتماعية وتنوّع المهن والمستويات العلمية، تنتدب لأداء مهمة إيمانية تفشل بفعل عمل خياني تقع في قبضة خصمها… الذي يعاديها ويريد سفك دمائها، هي في تنظيم حزبي حُلّ ولوحق وسجن أعضاؤه وقتل زعيمه فماذا بقي؟ وإلى أين؟ سؤال، في موقف كهذا جوابه، قلق على المصير وخوف على الذات وتبعثر للمقدرات والقرارات بما ينتج عنه من انهيار وسقوط… هذا هو الناتج الحتمي لأيّ موقف مماثل، وماذا بعد…؟ فهل هذا ما حصل عند القوميين؟ في تلك اللحظة واللحظات التي تبعتها، سنتابع الوقائع والحقائق ونقول انّ ثبات العقيدة في حزبنا واستمرار الحزب في طريق الحياة بدأت منذ استشهاد سعاده وموقف تلامذته في النكبة. تلك الوقفة التي أثبتت أننا ننتمي لأمة أبت أن يكون قبر التاريخ مكاناً لها في الحياة، كانت تلك اللحظة وقفة العز في حياة الحزب والأمة، معان وأفعال مارسناها وطبقناها ذاتياً وتلقائياً بفعل إيمان فاعل متولّد من إرادة الحياة التي غرستها العقيدة وتعاليم سعاده في نفوسنا والتي أثبتت الأحداث المتتالية صحتها وفعاليتها، وإنني اجزم انّ تلك الوقفة وذلك الثبات من أهمّ دعائم صمود الحزب واستمرار زخمه، لأنها كانت التجربة الأولى والامتحان الفعلي والحقيقي لكلّ الأقوال والنظريات والطروحات التي كان الزعيم يقولها وينادي من أجلها أبناء الامة… فهل تصمد هذه المؤسسة وهل حقيقي ما قاله «ليس عاراً أن ننكب ولكن العار أن تحوّلنا النكبات من رجال أقوياء إلى رجال ضعفاء»… في تلك اللحظات وفي جميع المراحل التي مرّت لم نشعر ولا أيّ فرد منا بالوهن أو الفشل أو الضعف أو التخاذل، وأثبتت العقيدة في أول تجربة معمّدة بالدم صدق فعلها وثبات الإيمان في نفوس المؤمنين العقيدة انتصرت وحقق سعاده، ما رآه مسبقاً عندما قال: ما أشدّ اعتزازي بكم وما أروع الانتصار الذي اسير بكم اليه… وهل هنالك انتصار أفعل وأقوى وأهمّ من الانتصار على الذات والثبات على القوة الفاعلة فينا وترجمتها حية أمام التعذيب والترهيب والقتل، انّ فيكم قوة لو فعلت لغيّرت مجرى التاريخ… وها هي القوة قد فعلت، فأفشلت كلّ المؤامرات والمحاولات الرامية إلى وأد هذا الوليد الرضيع بإبعاده عن ثدي أمه ولكنه شرب حليبه من هوائها وعنفوانها وعزتها ومناعتها.

لقد جسد تلامذته كلّ تعاليمه وأقواله تجسيداً إيمانياً حياً فإذا بهذه النهضة تثبت انّ الحياة في العطاء حيث يتغذى البقاء من دماء الشهداء الذين هم الفداء لحياة الأمة، نموت لنحيا هذا هو دستور القومي الاجتماعي والبقاء للأمة… انّ ما قام به سعاده قبل تسليمه إلى قتلته يعطي الصورة الواضحة عن عمق إيمانه بهذه الأمة، «إن مصير الأمة مربوط بخفقات قلوبكم ودوران دمائكم ومتانة أخلاقكم انها تنتظر سيركم الظافر…» وأثبت بالفعل: «نحن نصارع دائماً في سبيل غايتنا وكلما تراكمت علينا الصعاب تجدّدت قوانا وسحقت ما اعترضنا من صعاب…» ماذا يعني وجودي ماذا تعني حياتي غيركم أنتم ايها القوميون الاجتماعيون غير عزّ هذه الأمة وكرامتها ومجدها…

هكذا قال وعمل سعاده وأثبت القوميون بتنوّع انتماءاتهم الروحية والجهوية أنه يمكن لهذه الأمة ان تتوحد وتُغني التاريخ… استشهاد سعاده في تلك البطولة وثبات حفنة من المؤمنين كتبت الحياة الأبدية المستمرة لهذه العقيدة ولهذه المدرسة وصار ذلك التاريخ قدوة لجميع المؤمنين…

انّ ارتكاب الأخطاء وحدوث الانحرافات وركوب موجة الاستغلال والانتهاز في بعض المراحل والمواقف هي حالات لا تفسد جوهر العقيدة لأنّ تلك الأعمال تبقى أعمالاً ذاتية فردية تنبذها النهضة. وقفنا في ثبات لم يسجل التاريخ مثيلاً له ،انّ وقفتنا هذه وقفة سعاده ووقفة الصدر عساف كرم في ساحة سحمر ابان احتدام المعركة واختياره الموت ليحيا، العقيدة التي جمعت هؤلاء الذين قدّموا دماءهم لأمتهم مؤمنين هي تأكيد انّ الدماء التي تجري في عروقهم هي وديعة الأمة فيهم متى طلبتها وجدتها وقد طلبتها وأعادوها لها…

هذا الجيش الصغير، غيّر تاريخ هذه الأمة وأثبت انه في الوحدة القومية تضمحلّ العصبيات المتنافرة وتنشأ الوحدة القومية التي تتكفل بإنهاض الأمة.

هذه المجموعة شريحة من هذه الأمة بكلّ تكاوينها لبنانيون، شاميون، فلسطينيون، من دمشق، حلب، حمص، منبج، قطنا، معرة النعمان، درعا، فلسطين، الأردن، بيروت، برج البراجنة، مشغرة، جديدة المتن، عبية، الشوف، البقاع الغربي، القرعون، مجدل بلهيص، بعلبك الهرمل، عيناب، راشيا الوادي، كسروان، بحمدون، دير القمر، عين عنوب، المتين، ضهور الشوير، بيت مري، جل الديب، الغبيري، الشياح، طرابلس، الكورة، عكار، البترون، جبيل، مسيحيون، دروز، شيعة، سنة، علويون، أكراد، أرمن، شركس، أولاد عائلات إقطاعية، الغالبية، عمال عاديون… هذا النسيج المكوّن لهذه الشريحة من أبناء الأمة تنادوا ولبّوا نداء قضية تساوت مع وجودهم وهبّوا لنصرتها لا يفرّقهم دين أو مذهب أو عرق أو عائلة أو مرتبة اجتماعية…

تنوّعوا في التوصيف وتوحّدوا في التصنيف، هم هم قوميون اجتماعيون إيمانهم واحد وطريقهم واحد ليس لهم من عدو يقاتلهم في حقهم ودينهم ووطنهم إلا اليهود…

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017