إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

لبنان في محنة مستمرّة: الطائفيّون يواصلون تدمير المستقبل!

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2017-03-10

الارشيف

استهلكت الفتن المذهبية والطائفية قدرات الأحزاب في لبنان على تبنّي تغيير فعلي ينقل البلاد إلى مستوى حديث من التفاعلات المدنيّة، فتجمّدت عن حدود الدفاع عن النفس بأساليب التحشيد التقليديّة التي تسبّبت بأضرار طائفية ومذهبيّة كبيرة تتحمّل مسؤوليّتها القوى اللبنانية مجتمعة.

وباستثناء الأحزاب القومية والوطنية التي تواجه ضغط «الإقليم» المسيطر على «لبنان الطائفي»، لم يجد اللبنانيّون بديلاً يركنون إليه، فانخرطوا تحت ضغط الحاجة والخوف المتبادل في الأطُر الطائفية، متحوّلين أدوات في أيدي تنظيمات تشبه المافيات والعصابات. لكنّ قسماً محترماً من المواطنين راهن على حركتَين: «المقاومة» التي تتصدّى للإرهاب التكفيري في سورية ولبنان من دون أن تحظى بمقابل سياسي في بلادها، والثانية هي «التيار الوطني الحر» في حركته المتدحرجة التي كانت تطرح «المدنيّة» عنواناً لمشروعها السياسي إلى جانب الديمقراطية وسيلة للحكم.

لقد نجح هذا التحالف في التعبير عن تعاضده، فأوصل العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية بالعناوين التي تبنّاها في المرحلة السابقة من دون تنازلات، ولم يتراجع الرئيس ميشال عون لاحقاً عن التزامه بالمقاومة رغم الضغوط الأميركية والسعوديّة التي تعرّض لها، فلم يكتفِ بتأييد المقاومة، بل اعتبرها وسيلة مشروعة لتحرير الأرض المحتلة والتصدّي للتهديدات إلى جانب الجيش اللبناني، ما باغت قوى الإقليم التي كادت أن تنفجر لجرأة رئيس مسيحي يطلق موقفاً شجاعاً مناهضاً لتحالفها مع «إسرائيل»، معلناً ولادة زعيم «ماروني» يمثّل بجدارة التيّار الوطني المشرقي في المنطقة العربية.

بهذه الصفة عومل الرئيس في مصر والخليج والأردن، لكنّ هذا التقدّم اللبناني على مستوى السياسة الإقليمية لم يتواكب مع جهود مناسبة لبناء الأُسس القانونية التي تُنتج عادةً الإدارة السياسيّة للبلاد. والمعروف أنّ التيّار الوطني الحرّ يرفع شعارات الوطنيّة والديمقراطية مع النأي النسبي عن المشاريع الطائفية. بمعنى أنّه ينطلق من تصحيح الخلل الطائفي، ليصل في ما بعد إلى المرحلة المدنيّة. وبدا العماد عون متقدّماً على الجميع بإصراره على «النسبيّة» في أيّ مشروع جديد للانتخابات النيابيّة، وجاراه حليفه حزب الله في هذا المطلب.

إلّا أنّ مباحثات القوى السياسيّة حول القانون الجديد للانتخابات، كشفت عن شبه إجماع حول ضرورة تعميق الطائفية بإنتاج قوانين انتخابية تعبّر عن الخصائص المذهبيّة بأدقّ تفاصيلها. فبدا التيار الوطني الحر في المحادثات وكأنّه يفتّش عن «إمارة» مسيحية له بين إمارات الطوائف الأخرى، فمرّة يطرح الوزير جبران باسيل قانوناً مختلطاً يشبه ترقيع أسمال بالية، وحيناً آخر يمرّر المشروع الأرثوذكسي الذي لم يسبق أن رأى اللبنانيّون مثيلاً له منذ استقلال بلدهم في 1943، والقاضي بانتخاب أبناء المذاهب لممثّليهم حصراً، وينزلق في بعض الأحيان إلى القبول بنسبية في انتخاب قسم من النوّاب، على أن يتمّ انتخاب الباقين على «الأكثري». فلا أحد يعرف أسباب هذا التقسيم وحيثيّاته، وكأنّ الناخبين أجساد من ورق يمكن استعمال مقص لشرذمتهم، أو عناد جنبلاط للإبقاء على إمارته ذات العمق الدرزي والواجهة المتعدّدة، أو حرص المستقبل الحريري على عدم إغضاب جنبلاط، متعاونين بذلك مع الرئيس نبيه برّي الذي يشترط لتمرير أيّ مشروع الموافقة المسبقة لكلّ الطوائف والمذاهب، وعلى رأسها صديقه جنبلاط.

أما حزب الكتائب، فهو يريد قانوناً عجيباً بوظيفة حصريّة تتعلّق بإيصال سامي الجميّل اللامع إلى سدّة النيابة والوزارة، وربما الرئاسة، وإلّا فهو قانون معادٍ «للوطن والله والعائلة».

في المحصلة، يمكن القول إنّ المتابعين صُدموا للتباين الحاصل بين رئيس الجمهورية المصرّ على النسبيّة، وصهره الرئيس الحالي للتيّار الذي «يتثعلب» لتأمين غالبيّة مسيحيّة للتيّار الوطني الذي يترأسه حالياً… والتأسيس لترشّحه للانتخابات الرئاسية المقبلة بعد أقلّ من ست سنوات، متحالفاً مع «أصدقائه الشيعة» ومنافساً لحليفه الحالي سمير جعجع. ويلعب هذا الأخير ورقة توسيع جبهته النيابيّة عبر الجنوح نحو حزب المستقبل من دون إغضاب التيار الوطني، ويؤيّد الحكيم قانوناً للانتخاب مختلطاً يستفيد منه على «الطالع» مع عون، وعلى «النازل» مع المستقبل.

وهناك سِمة مشتركة بين المشاريع كلّها، وهي الالتزام بقانون طائفي يؤدّي تلقائياً ومن دون كبير جهد إلى إعادة إنتاج النظام الطائفي المكوّن من فدرالية مذهبيّة وطائفيّة هي أشبه بالإمارات التي تتحاصص خيرات القطاع العام، وتسطو على القطاع الخاص وتتحالف مع المصارف، ولا تنشر إلّأ ثقافة طائفية تزيد من توسيع الشرخ الداخلي في البلاد عبر مؤسّساتها المدنيّة والدينيّة والإعلامية. وللتوضيح، فإنّ مدّة العمل بقوانين الانتخاب هي ربع قرن تقريباً، وربما تستمر أكثر في ضوء الاستمرار في استلاب قوة المجتمع، أيّ الوسائل التي تدافع عنه، مع حاجة قوى الإقليم إلى أجواء مذهبيّة وطائفية في لبنان للاستمرار في توتير الأوضاع وتشنيجها.

وإلّا كيف نفسّر أنّ السيّد جعجع أطلق تصريحات معادية لحزب الله وسلاحه بعد ساعات قليلة من مقتل أقباط مصريّين في شبه جزيرة سيناء على يد منظّمات تكفيرية؟! ألا يندرج دفاعه عمّا يسمّيه «الثورة السوريّة» التي قتلت المسيحيّين والسنّة والشيعة والدروز والايزيديّين والعلويّين في إطار «التوجيه الإقليمي والدولي»؟

ولا نستثني هنا وليد جنبلاط الذي ينام طويلاً ليستفيق على تصريح جديد يوجّه فيه تحياته «للثورة السورية»، محذّراً من إزعاج السعودية «التي ترعى العالم العربي»، كما يقول سيد المختارة لا فُضّ فوه.

إنّه محفل تتبارى فيه قيادات الطوائف في أسر لبنان ضمن «صندوق فرجة»، وتزايد على بعضها بعضاً ضمن الالتزام بقوى الإقليم ومبادئ الفتنة السنّية الشيعية. والمتفحّص للمشاريع المعروضة في بازار الانتخابات، يلحظ أنّها قادرة على تجميد لبنان ضمن النظام الطائفي لنصف قرن على الأقلّ. ما يعني فساداً وتعليماً مشبوهاً، وقطاعاً عاماً في خدمة مصالح الطبقة السياسيّة، ويعني استتباعاً لمزيد من الطائفية والجهل والفساد مع غياب وظائف البُنى التحتيّة والوحدة الوطنية كلها وتوقّف كامل لحركة التطوّر، أمّا المتحرّك الوحيد فهو العائد الناتج من اغتراب اللبنانيّين لتحصيل لقمة عيشهم.

ويبدو أنّ هذا الأمر مهدّد بدوره من قوى الطوائف التي تفرض «أتاوات» على المغتربين الذين يريدون الاستثمار في مناطقهم، إلى جانب وجود خطة سعودية أميركية لإعادة العاملين اللبنانيّين الذين يعتقدون أنّهم مؤيّدون للعماد عون وحزب الله إلى بلادهم بهدف إسقاط آخر ما تبقّى من نظام اقتصادي لبناني.

أين الحلّ إذن؟ لا شكّ في أنّ قوى الطوائف تُمسك بمواقع القوة كلّها في لبنان، المادية والمعنوية، فتبدو عمليّة إزاحتها دفعة واحدة من المستحيلات، لذلك فإنّ الحلّ موجود عند تحالف حزب الله والوطني الحرّ الذي يتحضّر مجدّداً لإعلان تحالف جديد له مع حركة أمل، والطريقة تبدأ بجذب أكبر عدد ممكن من الأحزاب اليساريّة والقومية والوطنيّة، لتبنّي نسبيّة لا تستبعد المناصفة الطائفية والتمثيل المناطقي لدورة نيابيّة واحدة أو لدورتين على الأقلّ.

وهكذا، ندفع البلاد نحو مشروع وطني فعلي قد يأخذ وقتاً، لكنّه يسير وفق منهج علمي يؤدّي في خاتمة المطاف إلى إلغاء الطائفية، أي المرض السرطاني الفتّاك الذي يهدّد كلّ اللبنانيّين، وإلّا فإنّنا ماضون إلى عصر طائفي ظلامي يرى في آل سعود معجزات العصر، ويعتبر «إسرائيل» صديقة وفيّة لكلّ الطائفيّين الباحثين عن مظلّة تقيهم أخطار شمس.. الحرية.

والأمل كبير أن لا يتمّ تبنّي أنظمة انتخابيّة قد تتسبّب بإنتاج حروب داخلية تهدّد الكيان السياسي واستمرار لبنان في آن. فهل تصل الرسالة إلى الطبقة السياسيّة؟ بضعة أيّام فقط ويتّضح إلى أين نحن ماضون: نحو السجن الطائفي الكبير، أو نحو حرية تدريجيّة تقتل المرض الفتّاك؟

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017