إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

زمن العار

أسامة العرب - البناء

نسخة للطباعة 2017-03-11

الارشيف

استطاع المقاوم الشهيد باسل الأعرج، أن يشعل نيران الانتفاضة ضدّ التنسيق الأمني الفلسطيني «الإسرائيلي»، نافثاً فيها أنفاسه الرافضة للاعتراف بالكيان «الإسرائيلي» وللدعوة إلى عودة الاشتباك مع قوات الاحتلال لتحرير الأراضي المغتصبة، حتى رمقه الأخير، راسماً بمشهد استشهاده بجوار بندقيته وبقايا ذخيرته، بداية جديدة لطريق الانتفاضة الفلسطينية، ليكون شوكة في حلق أعدائه حياً وشهيداً.

من الصعب الإحاطة بشخصية مناضل شهم مثل الشهيد باسل الأعرج الذي شهدت حياته تحوّلات كانت أحياناً جذرية ومفصلية، نقلته من صيدلي مُثقَّف إلى مقاتل شرس يؤمن بالسلاح وسيلة لتحرير بني قومه من ظلم الصهاينة، فإلى مُثقّف للأحرار يسعى دوماً لتوعية الشباب العربي والإسلامي ضدّ مخاطر التطبيع والاستسلام للاحتلال. اشتهر بمقالاته العميقة الداعمة للمقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي والداعية لمقاطعة جميع أشكال التسوية معه في فلسطين وخارجها.

آمن الأعرج بأنّ المقاومة المسلّحة هي السبيل الوحيد للحصول على الحرية، فمزج الكلمة بالدم، وعاش ساخطاً على السلطة، وقدّم دروساً في كيفية تحويل الكلمة إلى فعل في مواجهة العدوان الصهيوني الذي يستهدف الشعب الفلسطيني محاولاً اقتلاعه من جذوره وأرضه، فدعا إلى فكرة الكفاح المسلح، بإعادة تسليط الضوء على العمليات ضدّ «إسرائيل»، مناشداً بقطع أيّ تواصل معها داخل فلسطين أو خارجها، عبر مقالاته التي تحدث فيها عن حرب العصابات بعنوان «قاطع طرق بمشروع سياسي»، بالإضافة إلى المراحل التي مرّت بها ثورة 1936، وكتيبة الجيش العراقي التي قاتلت في فلسطين عام 1948، ونموذج ريف مدينة جنين في المقاومة قديماً وحديثاً، وأهمّ عمليات المقاومة الحديثة عام 2002 في وادي النصارى بمدينة الخليل.

كما آمن بأنّ المقاومة بالفكر، والمقاومة بالسلاح ضرورتان متلازمتان ومتكاملتان، فالأولى أساس للثانية، والثانية ثمرة الأولى، وأحياناً كثيرة تكون حصانتها ومجالها الحيوي للتحقّق والانتصار. ومن هذا المنطلق، دعا إلى إنهاء اتفاقيات أوسلو المذلّة والتي لطالما عارضها وواجهها بالقلم والدم، فتصدّر التظاهرات الشعبية الداعية لمواجهة «إسرائيل»، ومن أبرزها المظاهرات الرافضة لزيارة وزير دفاع جيش الاحتلال السابق شاؤول موفاز عام 2012، حيث تعرّض خلال تلك التظاهرة للاعتداء على يد عناصر من الأمن وأصيب إثرها بجروح بليغة. كما عمل على توثيق أهمّ مراحل الثورة الفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وصولاً للاحتلال الإسرائيلي من خلال تنظيم رحلات ميدانية لمجموعات شبابية متنوعة للتعريف بالثورة على أرض الواقع. معتبراً أنّ هذا التراث، هو عصب النسيج الاجتماعي والهيكل الأساسي للشخصية الفلسطينية، وهو الكفيل بألا يدع الهزيمة تمرّ واليأس يتسرّب إلى النفوس والى القلوب، فإرادة التحرّر أقوى بكثير من أبواق اليأس والقنوط.

كان يعوّل على المقاوم الواعي بدوره في خلق حالات الاشتباك وفي رفض الواقع الاحتلالي، منطلقاً من مقولته الشهيرة: «بدك تصير مثقف، بدك تصير مقاوم ما بدك تقاوم بلا منّك ومن جهلك«. فغاص بمفهوم «المقاومة» بأبعادها وممارساتها المتعدّدة: في الفكر، والثقافة، والهويّة، لتأكيد وحدة المفهوم وتنوّع الأساليب، وتكاملها مع الممارسة العمليّة سواء بالسلاح أم بالكلمة، ولتُقَارَن ما تَمُرّ به الأمة بتجارب غيرها من الأمم للإفادة منها، ولتعزيز حركات المقاومة وفعلها، ولتأصيلها وتعميمها وتطويرها، وتوسيع قاعدتها شعبيّاً، وعلى مستوى النخب الثقافية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

كما أسف بأنّ القضية الفلسطينية لم تعُد على رأس أولويات الدول العربية منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، حيث بات العرب يرونها كعبء عليهم وعلى تطوّرهم وعلى ارتهانهم للامبريالية الأميركية، الأمر الذي جعل القرار العربي مشرذماً وأغرق معظم الدول العربية بمشاكل متلاحقة نتيجة فقدانها قضية تناضل من أجلها ولارتهانها لخيار التسوية الأميركية المذلّة. كما أسف الأعرج بأنّ موقف السلطة الفلسطينية الضعيف والمرتبك والمهرول للحلول الاستسلامية، ساعد بتنصل الدول العربية من مسؤولياتها التاريخية، الأمر الذي بدا واضحاً في كلّ مؤتمر قمة عربية، حيث كانت تصدر القرارات ولا تنفذ لا اقتصادياً ولا سياسياً.

كان يقول بأنّ سلاح المقاومة يجب ألا يغيّب، ويردّد «ماذا ستفعل مسيرة سلمية أمام صواريخ طائرات إسرائيل أف 16 والأباتشي والاستطلاع«، منبّهاً إلى أنه تمّ استخدام سلاح «المقاومة الشعبية» من قبل آلاف المرات، لكنه زاد العدو الإسرائيلي «غطرسة» وعدوانية وجعله يمضي قدماً بسياساته المعتادة في انتهاك الحرمات والمقدسات وفي قتل وتشريد واعتقال النساء والأطفال، ما يؤكّد ضرورة عدم التخلي عن المقاومة المسلحة. كما كان يدعو لصياغة استراتيجية وطنية جديدة لمواجهة التحديات الراهنة، ولتعزيز المقاومة المسلّحة بوجه المشاريع الاستعمارية بأشكالها الجديدة ورواسبها القديمة التي تستهدف فلسطين وجوداً، وهويّة، وتاريخاً، وجغرافياً، ودعا لمقاومة هذه المشاريع كلّها على أساس وعي المقاومة فكرياً وعملياً، ومن خلال توحيد طاقات الشعوب في تفعيل الانتفاضة والمقاومة، وترسيخ الوحدة الميدانية للردّ على جرائم الاحتلال.

ببساطة بالغة، كتب وصيته الأخيرة، فقال فيها «تحية للوطن وللتحرير، أما بعد، فإنْ كنتَ تقرأ هذا، فهذا يعني أني قد استَشهدت، وقد صعدت الروح أخيراً للقاء خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلب سليم مقبل غير مدبر بإخلاص بلا ذرة رياء. منذ سنين انقضت وأنا أتأمّل كلّ وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيّرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة… يا ويلي ما أحمقني! وهل هناك أبلغ وأفصح من كلمة الشهيد… هذا هو سؤالكم أنتم أيضاً، فلماذا أجيبكم، فلتبحثوا أنتم… أما نحن الشهداء فلا نبحث إلا عن رحمة الله».

ثم أشعل مشهد استشهاده فتيل الغضب الفلسطيني ضدّ التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية والقوات «الإسرائيلية»، خصوصاً بعد الذي نشرته صحيفة «معاريف» «الإسرائيلية» عن إرشاد أمن السلطة الفلسطينية للموساد «الإسرائيلي» إلى مكان الشاب، ما ساهم في استشهاده، وهو ما قابله أحرار الشعب الفلسطيني بتظاهرات للمطالبة بوقف التنسيق الأمني، وللتنديد بالانتهاكات «الإسرائيلية». فالشهيد كان يتخفّى في أحد المنازل منذ أن أفرجت عنه السلطة الفلسطينية التي اعتقلته في نيسان 2016 بتهمة تدبيره لعملٍ استشهادي ضدّ «إسرائيل»، إلا أنه حوصر فجر يوم الاثنين 6 آذار 2017 من قبل قوات الاحتلال «الإسرائيلي»، فأبى الذلّة والرضوخ وتصدّى وقاتل ببسالة طوال ساعتين كاملتين من الزمن، حيث عجزت مئات الرصاصات الصهيونية عن النيل منه، إلى أن قام الموساد «الإسرائيلي» بقصف منزله بصواريخ من نوع «اينيرجا» فاستشهد على الفور.

ورداً على جريمة اغتيال الشهيد انطلقت المسيرات التي جابت شوارع مدينة رام الله، من أمام المنزل الذي استشهد فيه باسل الأعرج، حيث رفع المشاركون صور الشهيد، وهتفوا ضدّ التنسيق الأمني، ودعوا لضرورة وقفه، هاتفين: «التنسيق الأمني ليش ليش وإحنا تحت رصاص الجيش»، ودعوا بهتافات تمجّد المقاومة: «الكفاح مش فنادق، خطف جنود وبنادق»، وتمجد الشهيد: «يا باسل يا شجاع يا محطم أمن الدفاع»، «خلي الشهيد بدمّه ألف تحية لأمه»، «يا باسل ارتاح ارتاح واحنا رح نواصل الكفاح»، «أوسلو ولّى وراح وإحنا ارجعنا للكفاح».

وختاماً، نقول إنه زمن العار، زمن العربدة والجريمة «الإسرائيلية»، الشهيد باسل الأعرج ككلّ شاب فلسطيني مقاوم حلم بزوال الاحتلال عن وطنه، فطورد من سلطة بلاده واعتقل وعذّب واضطهد واكتوى بنيران التنسيق مع الاحتلال، إلى أن ترك خلفه بندقيته وكوفيته ليدلَّ المقاومين على طريق الحرية الحقيقي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017