إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

عقيدة ترامب ردّ الاعتبار للقوة الأميركية

رضا حرب - البناء

نسخة للطباعة 2017-03-16

الارشيف

لا ينبغي التعاطي مع قرار ترامب الأول بحظر السفر المؤقت لرعايا 7 دول عربية وإسلامية يشمل سورية واليمن وليبيا وإيران والصومال والسودان والعراق يوم الاثنين الماضي أصدر قراراً تنفيذياً جديداً استثنى العراق مع بعض التعديلات ، على أنه قرار عنصري فقط، إذ لا جدال في ان ترامب وأعضاء إدارته عنصريون يروّجون ثقافة الكراهية لا سيما كبير مستشاريه وكاتب نص القرار ستيف بانون المعروف بمعاداته لكلّ الثقافات المخالفة. وفقاً لتفسيره للمُثُل المسيحية من منظوره الايديولوجي الضيّق، يرى بانون أنّ ما يجري على الساحة الدولية خصوصاً الشرق الأوسط هي معركة بين الخير والشرّ «العالم في خضمّ معركة بين الخير والشرّ وانّ قوة الخير ممثلة فقط بالحضارة المسيحية». هذه الرؤية تتقاطع مع الفكر الوهابي التكفيري الذي يرى نفسه يمثل الخير المطلق والآخر يمثل الشرّ المطلق.

بانون ليس الوحيد الذي يفسّر الأحداث من منظور ايديولوجي. مدير المخابرات المركزية الجديد مايك بومبيو المعروف بأنه «مسيحي متطرف» يرى انّ الإسلام يهدّد المسيحية والحضارة الغربية ويعتقد أنّ حرباً كونية على الإرهاب تؤسّس لحرب بين الإسلام والمسيحية.

ولا ينبغي بأيّ حال من الأحوال اعتباره «شأناً داخلياً وقراراً سيادياً» وفق التبرير الذي ساقه وزير خارجية إحدى دول الخليج العربية. الوزير المُشار اليه لا يدافع عن «قرار الحظر الموقت» فقط، بل يعبّر عن انسجام تامّ مع الاستراتيجية الأميركية «تحديات تواجه هذه الدول وعليها مواجهتها». على حدّ تعبير أحد الأصدقاء الغربيين هي «رسالة ولاء لترامب».

واخيراً، لا ينبغي تصديق المبرّر على انه قرار يتعلق بحماية الأمن القومي من الإرهاب لأنّ القرار شمل دولاً تحارب الإرهاب إيران وسورية والعراق واليمن واستثنى كلّ الدول التي أنتجت الإرهاب وغذته بايديولوجيا القتل والسلب والسبي، وموّلته، وساعدت على انتشاره، وأمّنت له الحواضن، وسهّلت تحركاته. توجيه الاتهامات لدول تحارب الإرهاب واستثناء المملكة العربية السعودية المتهمة بأنها «الأمّ البيولوجية» لا يقبله عاقل.

دعونا نعود قليلاً الى الوراء وبالتحديد عام 2007.

في لقاء تلفزيوني اجرته الصحافية آمي غودمان Amy Goodman مع الجنرال الأميركي ويسلي كلارك، القائد الأسبق لقوات حلف شمال الأطلسي 1997 – 2000 . في المقابلة كشف كلارك للرأي العام الأميركي والعالمي عن حروب كانت ادارة بوش ـ تشيني تعدّها للمنطقة عنوانها «إزالة 7 دول في خمس سنوات».

لنقرأ ما قاله الجنرال ويسلي كلارك بالضبط: «قمت بزيارة البنتاغون قبل أحداث 11 أيلول/ سبتمبر بعشرة أيام. رأيت الوزير رامسفيلد ووكيل الوزارة وولفويتز. نزلت الى الطابق السفلي لألقي التحية على بعض الأفراد في الأركان المشتركة الذين خدموا تحت امرتي. ناداني أحد الجنرالات «سيدي، يجب ان تدخل وتكلمني لثانية واحدة»، قلت له «عجباً، ألست مشغولاً؟» قال: «لا، لا»، ثم أضاف: «اتخذنا القرار، نحن ذاهبون إلى الحرب على العراق»، أجبت: «نحن ذاهبون إلى الحرب على العراق، لماذا؟»، قال: «لا أعرف، أظن ليس لديهم أيّ شيء آخر يفعلونه»، لذلك قلت: «حسناً، هل وجدوا معلومات تربط صدام بالقاعدة؟» أجاب: «لا، لا»، ثم قال: «ليس هناك جديد في هذا المسار، اتخذوا قرار الذهاب الى الحرب مع العراق فقط»، قال: «أعتقد أنّ الأمر على الشكل التالي، لا نعرف ماذا نفعل بشأن الإرهابيين، لكن لدينا قوة عسكرية جيدة وبوسعنا إسقاط حكومات»، وتابع: «أعتقد، اذا كانت الأداة الوحيدة بيدك هي مطرقة، كلّ مشكلة ستراها مسمار».

يكمل الجنرال ويسلي كلارك روايته قائلاً: «رجعت لأراه بعد عدة أسابيع، كنا قد بدأنا بقصف أفغانستان. سألت: هل لا زلتم ذاهبون الى الحرب على العراق؟» أجاب: «نعم، أسوأ من ذلك». مدّ يده الى مكتبه والتقط ورقة ثم قال: «تسلّمت هذه من الطابق العلوي اليوم» يقصد مكتب وزير الدفاع، ثم قال: «هذه مذكرة تصف كيف سنزيل سبع دول في خمس سنوات، نبدأ بالعراق ومن ثم سورية ولبنان، وليبيا والصومال والسودان، ونُجهِز على إيران.» قلت: «هل هذه المذكرة سرية؟» قال «نعم سيدي». قلت «حسناً، لا تعرضها علي». ثم رأيته بعد سنة فقلت له «هل تتذكر تلك؟» قال «سيدي، انا لم اطلعك على المذكرة! لم أطلعك عليها».

المقابلة موجودة على يوتيوب

بسبب مخاوفه من تداعيات حرب أميركية إيرانية، أسس موقع خاص «اوقف الحرب على إيران»

www.stopiranwar.com

الجغرافيا، كما كانت لا تزال أمّ السياسة وصانعة للاستراتيجيات. الخريطة تبيّن بشكل واضح الهدف من وراء مشروع «إزالة 7 دول في خمس سنوات».

ليبيا: لبناء أكبر قاعدة بحرية أميركية في العالم في خليج سيرت. الطموحات تعود الى أيام رونالد ريغان.

سورية: كسر ضلع من أضلع محور الممقاومة. هكذا يتمّ تدمير سورية وقطع خطوط الإمداد لحزب الله، وتنفيذ مشروع مدّ خط الغاز القطري عبر سورية إلى تركيا وتوقيع اتفاقية سلام مع «إسرائيل» يتنازل فيها الحكام الجدد نهائياً عن الجولان.

العراق: من أجل النفط وتقسيم العراق الى 3 دول تكون دولة نينوى والأنبار دولة «عازلة» بين شرق وغرب محور المقاومة تقطيع الهلال المقاوم شديدة العداء لمحور المقاومة خصوصاً لإيران.

اليمن: للسيطرة على باب المندب نظراً لاهميته التي تساوي مضيق هرمز.

إيران: كسر مثلث أوراسيا روسيا الصين – إيران، والسيطرة على مضيق هرمز وتأمين أمن «إسرائيل» وتثبيت دورها كقوة مركزية تدير شؤون المنطقة.

السودان: لتقسيمه، وقد تبيّن للأميركيين انّ البشير الذي تنازل عن جنوب السودان يمكن ان يتنازل عن دارفور وغيرها تحت الضغط.

الصومال: دولة فاشلة تطلّ على القرن الأفريقي.

من الملاحظ انّ اليمن حلّ محلّ لبنان لأسباب «إسرائيلية» تعود لنتائج حرب تموز 2006 وتداعياتها على ما يُسمّى «مفهوم الامن الاستراتيجي الاسرائيلي». بعد الهزيمة القاسية للعدو الصهيوني باتت ايّ حرب أميركية او اسرائيلية على لبنان تخضع للاعتبارات الاسرائيلية فقط، وفي هذه المرحلة ليس بوارد عند الاسرائيليين الدخول في حرب من اجل عيون آل سعود والعائلات الخليجية الاخرى لا سيما بسقوط الخطوط الحمراء التي حملتها رسالة الردع المزدوج ديمونا وخزانات الامونيا .

عقيدة ترامب: خلال الحملة الانتخابية كان واضحاً انّ ترامب ينوي إزالة وطمس إرث أوباما خصوصاً عقيدة أوباما «تيار الحرب ينحسر» لأنه كغيره من «دعاة الحرب» و»الصهيونية العربية» ظنّ انّ استراتيجية أوباما في إدارة الازمات الدولية ادت الى تراجع في القوة الأميركية وانحسار عن مناطق نفوذها، فضلاً عن اعتقاده بأنها فقدت الكثير من هيبتها العسكرية. لكن من الواضح ان تراجع ترامب عن سلسلة من وعوده لم يأتِ من فراغ بل لأنه بدأ يكتشف على نحو تدريجي انّ الجيوستراتيجيا الأوبامية كانت صالحة لاستمرار الهيمنة الأميركية على حلفائها في المنطقة وإخضاعهم أكثر من ايّ وقت مضى لمبدأ العلاقة بين «السيد والجارية». كما انّ الجيوستراتيجية الأوبامية أخرجت الجيش الأميركي من العراق بأقلّ التكاليف، ووسعت من مناطق نفوذها الى المجال الحيوي الروسي اوكرانيا وأدخلت الروسي في صدام ناعم مع أوروبا بسبب ضمّه شبه جزيرة القرم، وحوّلت فيتنام من عدو ايديولوجي الى حليف استراتيجي. فحديث الهواة عن التراجع الأميركي في عهد أوباما لم يكن تراجع في القوة او النفوذ او السطوة، او الانسحاب من المناطق الحيوية، بل خيار «حروب الوكلاء» بدل الانخراط المكلف وفقاً لمعادلة «الربح والخسارة». صحيح انّ استراتيجية أوباما أغضبت دولاً إقليمية بسبب الاتفاق النووي وبسبب عرضه لحقائق العلاقة التاريخية بين السعودية والفكر التكفيري، لكن العلاقة بين «السيد والجارية» لا زالت قائمة. فضلاً عما سبق، وهنا الأهمية، كان واضحاً انّ استراتيجية أوباما في إدارة الصراعات تقوم على «محاصرة الفوضى» في حيّز جغرافي محدّد كي لا تخرج عن نطاق السيطرة وبالتالي يفقد الأميركي القدرة على الحفاظ على دوره كلاعب وحيد ومؤسس لتوازن قوى جديد في المنطقة. كان أوباما يدرك جيداً حدود القدرات الأميركية.

ترامب خرج عن المألوف في كلّ سلوكياته ولذلك يمكن القول انّ عقيدته لن تكون مستثناة. من الواضح انّ عقيدة ترامب العسكرية تقوم على «تعميم الفوضى» وإخراج الصراعات الدائرة من الحيّز الجغرافي الذي رسمه أوباما، مما يستدعي لاحقاً مشاركة عسكرية أميركية في ظاهرها «من أجل عودة الاستقرار» وفي باطنها «ردّ الاعتبار للقوة الأميركية». بمعنى آخر، صناعة الحروب لردّ الاعتبار للقوة الأميركية ركيزة أساسية في عقيدة ترامب. ولكن يجب الانتباه الى انّ تعميم المشهد الفوضوي يتطلب أمرين أساسيين: الأول تقويض كلّ التفاهمات والاتفاقيات والأسس لأيّ حلّ سياسي، والأمر الثاني وجود دول قادرة على توظيف المال والإعلام والدين لتعميم الفوضى وعلى هذا الأساس تسعى الولايات المتحدة الى مشاركة أكبر عدد ممكن من دول المنطقة في «تحالف عسكري سني» يضمّ السعودية والإمارات والأردن استبعد انضمام مصر ترعاه الولايات المتحدة وتقوده «إسرائيل». نتنياهو اكد وجود ها الحلف، ففي مقابلة مع الصحافية المعروفة باربرا والترز قال بلغة الواثق: «لم يعد العرب ينظرون لإسرائيل كعدو لهم بل كحليف»، ورداً على سؤال يتعلق بإنشاء تحالف مع السعودية ضدّ إيران قال: «لا حاجة لنا لإنشاء تحالف لأنه موجود فعلياً». ستيف بانون كبير مستشاري الرئيس والفم الأقرب الى أذنه والصوت المسموع لديه قال بأنّ «الشرق الاوسط سيشهد حرباً كبرى جديدة»، وهو نفسه القائل خلال بث إذاعي لموقع بريتبارت عام 2016: «نحن ذاهبون الى الحرب في بحر جنوب الصين في السنوات الخمس او العشر المقبلة، لا شك بذلك». هذا السيناريو يمكن ان يقود العالم الى حرب عالمية ثالثة يراها بانون انها «تختمر». ينبغي علينا ان نصدق ما يقوله بانون لأنه صانع الحروب الايديولوجية في إدارة ترامب كما كان تشيني والمحافظون الجدد في إدارة بوش.

لا بدّ انّ ترامب يدرس خياراته. أيذهب الى بحر جنوب الصين لوضع حدّ لتصرفات الصين «غير القانونية» وفق ريكس تيلرسون، او يرسل لها الارهاب التركستاني؟ هل يذهب مباشرة الى مواجهة مع إيران او يذهب لمواجهة من يراهم أذرع عسكرية لإيران في مناطق نفوذها: الحشد الشعبي في العراق، الحوثيين في اليمن، النظام في سورية، وحزب الله في لبنان؟ ام يفاجئ العالم ويذهب الى القوقاز؟ كلّ الخيارات سيئة جداً وتهدّد الامن الدولي، فلمَ لا تُذبح البقرة الحلوب وأخواتها الصغيرات من مواليد القرن العشرين حتى يرتاح العالم، ويرتاح السُنة قبل غيرهم.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017