إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

«عيد الأم»: عواطف نبيلة وعقدة ذنب اجتماعية!

نصار إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2017-03-21

الارشيف

ما أن يقترب الواحد والعشرين من آذار حتى تنفلت العواطف وتتفجّر المشاعر تجاه الأمّ كفيضانات الأنهر… وكأنها تكون محبوسة طوال العام ولكنها تنتظر هذا اليوم لتعلن عن نفسها… لست بطبيعة الحال ضدّ هذه الانتفاضة الوجدانية والعاطفية… كما لست ضدّ الهدايا… ولكن في غمرة هذا الانفعال النبيل أحاول أن ألاحق بعض الأسئلة الاستفزازية الماكرة والمشاكسة، ليس من باب المناكفة أبداً ولكن من أجل أن ألاحق فكرة ما… السؤال هو: لماذا يا ترى نخصص يوماً للاحتفاء أو الاحتفال بالأمّ… وكأنها مناسبة تاريخية، كمعركة عين جالوت مثلاً… نستذكرها في يوم محدّد من كلّ عام!؟

لماذا نحتفي بالأمّ في يوم محدّد بالضبط مع أنها كشخص ودور تشغل حياتنا حتى قبل أن نولد، ثم تواصل دورها على مدار الأيام والأعوام والعمر!؟

هذا السؤال المنهجي يعيدنا إلى كلّ هذا النمط من المناسبات التي تتعلق بالأدوار الاجتماعية أو المهنية: يوم المرأة، يوم المعلم، يوم العمال، يوم الطفل… وهكذا.

بقليل من التأمّل والتدقيق نجد أنّ الاحتفاء بهذه المناسبات، يأتي في العمق كتعبير عن تعويض ما، أو لنقل إنه اعتراف مراوغ بأنّ هذه الفئات بما في ذلك الأمّ تعاني من ظلم ما، أو قهر أو استغلال تاريخي متراكم بحكم التمييز ومنظومات السيطرة والثقافة السائدة.

هذا لا يعني أنّ العواطف تجاه الأمهات غير صادقة بالمعنى الشخصي والفردي المباشر… بالتأكيد إنها نبيلة وصادقة… ولكنها تأتي في سياق عقدة ذنب اجتماعي جمعي.

ولهذا تمّ تخصيص يوم محدّد يعبّر فيه «المجتمع» عن شعوره بالذنب، أيّ بالضبط كنوع من تفريغ أو تعويض نفسي معنوي ووجداني.. وبهذا يعلن المجتمع عن «نبله وكرمه»… ولكن رغم كلّ هذا الفيض من المشاعر فإنّ هذه الاحتفالات لا تغيّر من واقع الأمر شيئاً… إنها فقط «تحرّر» المجتمع، أقصد تحرّر الثقافة والقوى المهيمنة من عقدة الذنب المضمرة…

قد يجادل البعض في هذه الفرضية، وقد يرى فيها البعض الآخر تجاوزاً ومبالغة، وقد يصفها آخرون بالثرثرة… أو بالفلسفة الزائدة التي لا معنى لها.

حسناً… ليواصل الجميع الاحتفال.. ليكن.. ولكن ونحن نحتفل لا بأس بإخضاع الفكرة للنقاش قليلاً… ولو من باب الرياضة الذهنية.

لو عدنا للتاريخ سنلاحظ أنّ معظم هذه المناسبات ترتبط بالأصل بحدث اجتماعي نضالي جوهره المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية… هذا الأمر واضح وثابت بالنسبة ليوم المرأة العالمي، ويوم العمال العالمي، وأيضاً بيوم الأطفال والمعلم… إنها بالأصل ليست أعياداً كما أصبحت عليه اليوم ففقدت نقطة انطلاقها… لقد كانت دعوة لتفعيل النضال والحركة الاجتماعية لتحسين ظروف العمل والحياة والتأكيد على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق على مختلف المستويات بما ينهي التمييز والاستغلال وعلاقات القوة التي تؤدّي إلى تهميش واستغلال هذه الفئات… بمعنى أنها كانت مرتبطة بأحداث تستهدف تغيير الواقع.

ما جرى لاحقاً أنها مع الزمن وبذكاء من منظومات الهيمنة والسيطرة والاستغلال تمّ حرفها بالتدريج عن سياقاتها بحيث تحوّلت إلى مجرد أعياد رمزية ليس لها أيّ مضمون يتعلق بتغيير الواقع الاجتماعي المختلّ على أكثر من عيد وبصورة درامية… بل أكثر من ذلك جرى تحويلها إلى فرص تجارية لجني المزيد من الربح… وبالتالي مزيد من الاختلالات… وماذا في ذلك… سنعوّض عن الأمر في عيد مقبل… بمزيد من الهدايا الرمزية وبمزيد من فيض المشاعر.

كلّ هذا لا يهمّ… ما دامت الأمّ كمرأة أو معلمة أو عاملة أو… أو… ستبقى موضوعاً للاستغلال والسيطرة السياسية والاقتصادية والاستلاب النفسي والجنسي والحقوقي.

ذلك لأننا في 21 آذار المقبل سنقدّم لها الشكر وسنقول لها بعاطفة: كم هي إنسانة رائعة ومميّزة مع قبلة، وفي السياق سنستغل التنزيلات ونقدّم لها ما تيسّر من طناجر وقلاّيات وصواني وأفران وفناجين قهوة… وعصارات فواكه وفرّامات ملوخية وبقدونس… مع بعض المفاجآت: باقة ورد وقارورة من العطر والأهمّ كريم مطرّ لليدين…

سيمرّ 21 آذار… وفي اليوم التالي… أي في 22 آذار ستستيقظ الأمهات وينظرن بحنان إلى بقايا وآثار يوم 21 آذار… سيتذكّرن الهدايا والكلمات الجميلة… ولكنهن بعد ذلك سيعدن إلى واقع الحياة… إلى ذات السياقات حيث منظومات الاستغلال الاقتصادي والتمييز والهيمنة التي تحتفل بعيد الأمّ لكنها لا تخجل من مواصلة استغلالها في مختلف المجالات.

بعد كلّ ما تقدّم أقول: كلّ عام وكلّ الأمهات ومشاريع الأمهات وكلّ النساء وهن أكثر حرية وبخير.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017