إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

محاولات لإنعاش الحريرية السياسية على حساب تحجيم الرئيس عون!

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2017-03-31

الارشيف

المذكّرة الخماسية التي أرسلها إلى القمّة العربية في الأردن رئيسان سابقان للجمهورية وثلاثة رؤساء حكومة سابقون، تشكّل باللغة السياسية العميقة تجاوزاً دستورياً للسلطة التنفيذية، واستهدافاً مباشراً لولاية الرئيس ميشال عون.

الأسباب ليست بعيدة.. فقد تمكّن المرحوم رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري من وضع يده على الدولة، بانياً تحالفات في كلّ الاتجاهات وممسكاً بحركة توزيع المال العام، ما أدّى إلى اتّساع نفوذه باتجاه المسيحيين والدروز والشيعة بعد استئثاره الكامل بالسنّة، وكان صعباً على أيّ رئيس حكومة أتى من بعده أن يحدث تغييراً في بُنية الدولة، وهكذا نشأت الحريرية السياسية على أساس الولاء للسعودية والسيطرة على لبنان.

لكنّ تحالف التيار الوطني الحر وحزب الله والأحزاب الوطنية، نجح في إلزام كلّ القوى السياسية بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، فشكّل ذلك قطعاً بين المرحلة الحريرية ومرحلة جديدة لم تحظَ بتسمية سياسية بعد. إلّا أنّ ملامحها بدأت بالتبلور وتقوم على أساس استرجاع عون للقوة المسيحية المنجذبة إلى الحريري، وهي الكنيسة المارونيّة، القوات اللبنانية ونوّاب مستقلون من مختلف المذاهب المسيحية.

ونجح العونيّون في إنجاز قسم كبير من مشروعهم المسيحي الداخلي، خصوصاً بعد تحالفهم مع القوات اللبنانية. هذا ما أثار اضطراباً لدى «الحريرية السياسية»، أو ما تبقّى منها. فحاولت تنفيذ حركات لا تثير انتباه العونيين أوّلها دفع رئيس حزب الوطنيين الأحرار ومجموعات مسيحية أخرى إلى استحداث حركة 14 آذار جديدة بإضافة كلمة «مستمرّون» إليها، وضخّت فيها قيادات وإعلاميين من حزب المستقبل الحريري السعودي، زعموا أنّهم مستقلون. وبذلك تكون الحريرية قد أبقت رجلاً لها في «بور» المسيحيّين المتمرّدين على الرئيس عون، ورجلاً أخرى في فلاحة رئيس الجمهورية. وتستطيع بذلك أن تترقّب تطوّرات الأوضاع، فإن بالغ الرئيس في «تغريبته الحزب الإلهية»، فإنهم مستعدون لإعادة إحياء 14 آذار مع بعض المسيحيين الذين وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل بعد نجاح عون وارتفاع رصيد التيار الوطني في الجسم الاجتماعي المسيحي. واكتفى الحريري بهذه الخطوة الاحترازية التي بدا أنّها تشكّل «ربط نزاع» إلى أن تنجلي الأمور بوضوح.

وسرعان ما رفدت جولة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج، ثامر السبهان، في لبنان جهود الحريرية السياسية. فقد غطّى السبهان كلّ المحاور السياسية اللبنانية، عازلاً حزب الله فقط في جولته، ومركّزاً على «القوات اللبنانية» والكتائب والمسيحيين المستقلّين، ومتمكّناً من إعادة تنشيط الدور السعودي لدى بعض المتردّدين، وناجحاً في لمّ المحاور السنّية المتصارعة. ذهبت محاولاته في إطار إعادة بناء حريرية سياسية سعودية، ولكلّ القيادات السنّية أمكنة وازنة فيها، من تمام سلام إلى نجيب ميقاتي وعبد الرحيم مراد وأشرف ريفي وآل كرامي. أراد أن يضع كلّ الأمتعة في حقيبة سعودية واحدة، على أن يرفدها بقوى مسيحية في مراحل لاحقة، والتأكيد على نجاح محاولته يتجلّى في انضمام رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي إلى الموقعين عليها، بالإضافة إلى رئيس الحكومة السابق تمام سلام الذي كان يتّصف بالاعتدال والترفّع عن السياسات الكيدية.. لكنّها من فنون السبهان! على الرغم من أنّ سلام برّر لرئيس المجلس النيابي نبيه برّي بأنّ الرئيس سعد الحريري هو من طلب منه التوقيع على المذكّرة التي استهدفت دور حزب الله في مجابهة الإرهاب التكفيري في سورية.

وللمذكّرة أبعاد سياسية، أوّلها أنّها تصوّر وكأنّ السلطة التنفيذية اللبنانية لا تتمتّع بثقة اللبنانيين، ولا تمثّل طموحاتهم.. وتوحي بأنّ البلد منقسم على نفسه إلى حدّ الاقتتال. أمّا الأكثر خطورة فهي أنّها تشكّل جريمة دستورية كبيرة قد تصبح «سابقة سياسية» لكثير من اللبنانيين الآخرين، الذين أصبح بإمكانهم التوجه إلى مؤسسات دولية وإقليمية وعربية لتسجيل اعتراضات وشكاوى ومواقف تناهض مواقف المسؤولين اللبنانيّين الدستوريين. وهذا يعني سياسياً رفضاً كبيراً للدولة الحالية، وانتقاصاً من صلاحيات الرئيس ميشال عون الذي نجح في انتخابات رئاسية نزيهة، وكان من بين مؤيّديه حزب المستقبل ورئيس الحكومة السابق ميقاتي.

أمّا رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، فاقترع بورقة بيضاء في حين أنّ الموقّع الخامس على العريضة الرئيس السابق أمين الجميّل لم يعُد نائباً ولا يحقّ له التصويت.

هذا عن البعد الدستوري للمذكّرة، فماذا عن البعد السياسي؟ انتظرت الحريرية حتى أطلق الرئيس عون قنبلته السياسية التي أعلن فيها تأييد سلاح حزب الله في الدفاع عن لبنان، منوّهاً بدوره في محاربة الإرهاب التكفيري. وكانت المفاجأة التي قصمت ظهر البعير، وجعلت الحريرية تنتبه إلى أنّ هناك مشروع عونيّة سياسية لا يمكن أن تقوم إلّا على أنقاض الحريرية السياسية، فوضعت كلّ جهودها لإعادة جذب القوى المسيحية إليها من القوات اللبنانية إلى المسيحيين المستقلّين، وعقدت صفقات سريّة مع آل الجميّل، وهي بالمجمل صفقات «انتخابية» استفاد منها أيضاً حريريّو طرابلس المرعوبون من ريفي، فضغطت السعودية لتقريبهم من نجيب ميقاتي ولاحقاً مع أشرف ريفي وذلك بهمّة سعودية…

في إطار هذه الأجواء ظهرت المذكّرة، وادّعى رئيس الحكومة سعد الحريري أنّه لم يعرف بها، إلّا أنّ وزير خارجيته نهاد المشنوق اندفع في التهجّم على مضمونها أكثر منه، فاعتبر أنّها أكثر من خطيئة سياسية كبيرة… فهل هناك أجنحة سعودية تتقاتل فيما بينها؟ وتسببت ببروز أجنحة متنافسة بين الحريري والمشنوق من جهة، والسنيورة والريفي من جهة ثانية. وهل هناك دور أميركي ما أنتج المذكّرة لأنّها تستهدف حزب الله؟ لكن كلّ هذه التساؤلات تتهاوى عندما يؤكّد الرئيس سلام تعرّضه لضغوط من الحريري أدّت إلى توقيعه على المذكّرة. هذا يعني أنّ هناك تقسيم أدوار في أسلوب تحايلي يرمي إلى إثارة اضطرابات سياسية داخلية للنيل من السمعة السياسية للرئيس عون، ومنعه من استثمار قوّته في سبيل إعادة تجميع قوّة المسيحيين السياسية والاقتصادية والإدارية في تكتّل واحد يدفع في اتجاه تحسين أوضاع «المسيحية المشرقية» في كلّ من لبنان وسورية والعراق، ولاحقاً مصر على السواء.

هناك إذاً استهداف للعهد مع الإصرار على تحجيمه وجعله مجرّد «ميشال سليمان» آخر يصدّق ما يقوله في «خطبه العصماء»، وهو شامخ الرأس بشكل كاريكاتوري.

فالحريرية السياسية مهجوسة بصعود العونية السياسية، لأنّها وبكلّ بساطة مشروع بديل منها في إدارة المؤسسات العامّة والخاصة، ولها القدرة أن تنتزع مواقع حتى داخل البيئات السنّية والشيعية والدرزية. وهذا ينبئ ببدء حروب قاسية تشرف على الاندلاع بينها على مستوى كامل مناطق لبنان، وقد يكون مطلعها الصراع على قوانين جديدة للانتخابات النيابية، كما يبدو في المفاوضات المتلاحقة، لأنّ من يمتلك نوّاباً أكثر، يسيطر على مجلس النوّاب والحكومة ورئاسة الجمهورية باعتبار أنّ المجلس هو الهيئة الدستورية المنتجة للسلطات التنفيذية والتشريعية…

لمجمل هذه الاعتبارات، تخوض السعودية حرب «داحس والغبراء» في الداخل اللبناني، وتتستّر خلف الريفي السنيورة وآخرين غيرهما، كما أنّها تنفخ أحياناً في صدر جعجع ليتمرّد على حلفه مع التيار الوطني، وتدغدغ طموحات «فتى الكتائب» الأغرّ «بوعود همايونية» غير قابلة للتحقيق.

ولأنّ الرياض تعمل على المستوى الاستراتيجي، فإنّها تعتبر معركتها في لبنان معركة في وجه ما تسمّيه «النفوذ الإيراني». وترى أنّ لجم حزب الله في لبنان يخفّف الضغط عن حلفائها في التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق، كما يمهّد لتجريد حزب الله من سلاحه في الداخل اللبناني، أو على الأقل إثارة توتّر اجتماعي لإثارة الفوضى التي تسيء إلى الدور الإيجابي الذي يمارسه الحزب في لبنان وسورية.

وبالمحصّلة، فإنّ الحريرية السياسية لن تتمكّن من أداء دورين متناقضين تؤيّد في أحدهما الرئيس عون، وتحاول في الدور الثاني نسفه، وما اتّضح لها، هو أنّ حجم التيار الوطني الحرّ أكبر من أن يتمكّن جوف الحريرية السياسية من ابتلاعه، فيما الإمكانية الوحيدة المتاحة هي إمّا تبنّي حالة لا طائفية تنسحب على كلّ الأطراف، أو اعتماد حالة طائفية تحترم المذاهب بعضها بعضاً من دون تأثيرات مالية وانتخابية. وهذا يعني تنفيس الاحتقان السياسي الزائد لدى الحريرية السياسية، مع البحث عن حلول حديثة للبنان المستقبل، لا يكون فيها خادماً مطيعاً لأنظمة القرون الوسطى ورقصة العرضة والحكم المستبدّ.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017