إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

مشروع «ترانسفير» المسيحيين وسبل مواجهته؟

أسامة العرب - البناء

نسخة للطباعة 2017-04-19

الارشيف

إن تهجير المسيحيين من الشرق يُعدّ بمثابة مكسب للمشروع الصهيوني الذي يرى في إخواننا وأهلنا المسيحيين الشرقيين خطراً على مصالحه، باعتبارهم حصناً منيعاً ضد تقسيم المنطقة كيانات طائفية أو مذهبية، خاصة مع انتمائهم للعالم العربي ودفاعهم عن القضية الفلسطينية، وفي سبيل تحقيق ذلك كان من اللازم تنفيذ الجزء الأول من مخطط الشرق الأوسط الكبير، وهو نشر الفوضى الخلاقة، من خلال زعزعة الاستقرار في الدول العربية لإضعافها من جهة، وتفكيكها من جهة أخرى.

وتعتبر تسمية المسيحيين العرب، من بين التسميات الأقدر حفاظاً على الانتماء الشرقي، مما يحفظ للتنوّع الثقافي حقه وشرعيته في المواطنة، ويجعل المسلمين الشرقيين والمسيحيين الشرقيين جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي المحلي ذاته، يواجهون عدواً مشتركاً هو العدو الصهيوني، ويشاركون الفلسطينيين معاناتهم وآلامهم.

ومشكلة المسيحيين العرب أنهم أكبر برهان على عنصرية اليهودي الصهيوني الذي يأبى العيش بسلام ووئام مع غيره من الطوائف في كنف دولة فلسطينية واحدة، فعلى سبيل المثال في أعقاب حرب 1948 مُسحت عن الوجود قرى مسيحية بأكلمها على يد العصابات الصهيونية وطرد أهلها أو قتلوا. وهكذا فإن كنائس اللد وبيسان وطبرية داخل «إسرائيل» حالياً إما دمّرت أو أُغلقت بسبب عدم بقاء أي وجود لمسيحيين في هذه المناطق.

كما أنّ لبنان شكّل لفترة طويلة مصدر قلق وإزعاج لوزير خارجية أميركا الأسبق هنري كيسنجر، الذي سعى مراراً وتكراراً منذ العام 1973 لترحيل المسيحيين منه الى كندا وأوروبا وتوطين المسلمين الفلسطينيين مكانهم. وعلى الفكرة نفسها، نشأت نظرية هانتنغن لاحقاً لإشعال الصدام ما بين العالم الغربي والعالم الشرقي. هذا الصراع الذي بات يُعرف بصدام الحضارات أو الصدام بين القيم والمفاهيم الغربية المؤيّدة للمشروع الصهيوني، وبين القيم والمفاهيم الشرقية الممانعة له.

والمقصود دوماً أن يجسّد الغرب التقدّم والحرية والديمقراطية، في ما يجب أن يجسّد الشرق المنبع للتخلّف والعصبية الطائفية والمذهبية والإثنية، وعادةً ما يكون هذا الكلام أشدّ إيلاماً للشرقيين الذين يتوخّون التباهي بتعدّدهم الثقافي وإقامة مشاريع ائتلاف وشراكة بين مختلف الكيانات الشرقية على قاعدة المصالح المشتركة، مع التزام قضية فلسطين باعتبارها قضيتهم المركزية.

نقول هذا، ونتطلّع على حديث البعض عن الأسلمة، وعلى الجرائم التي ترتكب بحق مسيحيي العراق وسورية ومصر، ونتساءل: أليس بقاء العيش المشترك هو المستهدف؟ وأليست الشراكة في المواطنة بين المسلم والمسيحي هي المستهدفة؟ وأليست الجريمة الحقيقية هي تلك التي ترتكب بحق الدين الإسلامي القائم على الانفتاح والتسامح وعلى إدانة كل هذا التمادي والفجور لا بل الإجرام المروّع؟ وما حرية المعتقد إلا ترجمة عصرية لحكم الآية القرآنية الكريمة: «لا إكراه في الدين»، وما الديمقراطية إلا ترجمة عصرية للشورى في الإسلام.

وقد علّقت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية على تفجيرَي كنيستي مار جرجس والمرقسية بمدينتي طنطا ومحافظة الإسكندرية. وقالت إن التفجيرين الدمويين يستهدفان حقيقة زيارة البابا فرانسيس بابا الفاتيكان لمصر وللأزهر، والتي كانت مقرّرة نهاية الشهر الحالي من أجل تحسين العلاقات بين المسيحيين والمسلمين.

فالهدف إذن هو جعل البقية المتبقية من المسيحيين العرب أكثر قبولاً لفكرة الهجرة إلى الغرب، ما من شأنه أن يؤثر على التعايش الإسلامي – المسيحي في فلسطين، وبالتالي على شرعية الدولة الفلسطينية وحق العودة، ويجعل المجتمع الدولي أكثر انفتاحاً على فكرة يهودية الدولة «الإسرائيلية» التي تكون عاصمتها الموحّدة القدس، باعتبار أن الإعلام الغربي يروّج يومياً إلى أنها دولة ديمقراطية تسعى لنشر الحقوق والحريات، فيما الإرهاب الذي تمّ صبغه بهتاناً وعدواناً بصبغة إسلامية، هو الذي يُحيط بها من كل صوب وكل جانب.

والثابت أنّ الكل في الشرق الأوسط يعاني من ويلات الحروب التي يمكن تسميتها بحروب التقسيم وإعادة رسم الحدود، بالإضافة إلى فوضى التفكّك التي دمّرت الأوطان ووَضَعت الاستقطاب الطائفي والمحاصصة على رأس أولوياتها لإضعاف الدول العربية.

فلا غلوَّ والحال هذه أن نتساءل: إلى أين نتّجه؟ في العراق وسورية وليبيا مشروع يومي لإشعال الفتن المذهبية والإثنية ولتدمير وتخريب البلاد. أما في مصر، فمكائد لا تنتهي، خصوصاً بعدما بدأ «الإسرائيلي» يروّج لمشروع ترانسفير جديد للفلسطينيين من الضفة الغربية والقدس الشرقية باتجاه غزة وسيناء. فيما تنشط مشاريع الفرز الطائفي والمذهبي في لبنان بشكل لم نشهد له مثيلاً من قبل، بالرغم من أن الفرز الطائفي كان دوماً ملازماً للحياة السياسية في لبنان بدرجات متفاوتة.

ولا يفوت ذا فطنة، أنّ مشروع الشرق الأوسط الكبير يهدف أيضاً إلى تحويل وجهة الصراع من صراع عربي «إسرائيلي» إلى صراع سني – شيعي، وصراع عربي – كردي، فيما تبقى «إسرائيل» الكيان الوحيد الذي سيبقى صامداً متماسكاً فلا يقع في أتون الفتنة التي تدبّر للمنطقة، وبالتالي فلا ريب في أن هذا المشروع هو من صنع دولة الاحتلال. وفي حال نجح مشروع التفتيت والعياذ بالله، فإننا نخشى أن يلحق بلبنان وفلسطين ما سيلحق بأقطار المنطقة العربية، من دمار وتفتيت. ولهذا السبب بالذات، فإننا نجد بأن سياسة النأي بالنفس من شأنها أن تجعل مستقبل لبنان في مهبّ الريح، فيما التصدّي لمشاريع التفتيت والتقسيم هي الأجدر بأن تتصدّر الأولويات في لبنان وفي بقية الدول العربية، وذلك حفاظاً على وحدتها الوطنية وسلامة شعوبها وأمنها. وهنا، يُطرح السؤال البديهي: كيف سنتمكّن من مواجهة مشاريع الشرذمة والتفرقة والانقسام والتنابذ التي بدأت تحيط عملياً بالعالمين العربي والإسلامي؟

ولعلّ الإجابة على هذا السؤال قد تكون تشاؤمية في بعض الأحيان، ولكننا إذا ما نظرنا إلى التعددية الثقافية في سائر التكتلات لوجدنا بداية واعدة بالنسبة لنا، فعلى سبيل المثال الهويّات والانتماءات المختلفة بين خمس عشرة عرقية أوروبية مختلفة لم تمنعها من تشكيل اتحاد متكوّن من ثماني وعشرين دولة، كما أن الهويات المختلفة بين إحدى وثلاثين مجموعة عرقية أميركية لم تمنعها من تشكيل دولة فيدرالية أميركية قوية.

وبالتالي، فإذا ما قُدمت العروبة بمحتواها اللغوي والثقافي المنفتح، وإذا ما قُدِّم الإسلام في إطاره الحضاري الوسطي المُتسامح، فإن كثيراً من أخطار التفتيت يمكن تجاوزها، لا سيما أن المحور الذي سوف يجمعهما سوف يشكّل نموذجاً حضارياً للتعايش الإسلامي -المسيحي وللتعاون السني – الشيعي، ما سوف يساهم بكل تأكيد في مواجهة فعّالة للتيار التكفيري الذي يُصدر أحكام القتل يمنة ويسرة، ويؤدي إلى جمع رسالات الأنبياء والأئمة كافة حول قيم الإخاء والمحبة والرحمة والعفو والتسامح، ويمحو البدع الدخيلة على الدين الإسلامي والمشوّهة صورته.

أراني بكل بساطة، لا أفهم لماذا لا يلتقي مَن يتمتّع بصدقية الرأي من القائمين على الرسالات السماوية على خريطة طريق لخلاص الشعوب من التذابح والتناحر، ألا يُلقى عليهم جزءٌ من المسؤولية في ظل كل هذه الجرائم التي تُرتكب يومياً بحق الإنسانية باسم الدين، فيما الدين منها براء؟ ولا أجد تعليلاً لمن يسعى للمفاضلة بين الغرب والشرق، فأين هي القيم الحضارية الغربية التي تتعامى منذ أكثر من نصف قرن عن محاسبة دولة الاحتلال على مجازرها؟ وأين هي القيم الغربية التي تسخّر الشرعية الدولية لمصالحها الشخصية؟ وأين هي القيم الغربية التي تنشر مشاريع الفوضى والدمار وتفتيت الأوطان؟ أهذه هي الحضارة؟!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017