إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

عدالة غوتيريش...

علي عوباني - البناء

نسخة للطباعة 2017-05-01

تُضرّج الطفولة بدمائها، وتتناثر أشلاؤها كلّ يوم، في عالم يدّعي التمدّن والتحضّر والرقيّ. بالأمس ذبحت براءتها بعد حصار جائر للفوعة وكفريا في حي الراشدين، وقبل شهر واحد وفي ليلة ظلماء افتقد بدرها بمقتل عشرات الأطفال على أيدي «التحالف الأميركي الدولي» في الموصل، ومنذ أكثر من سنتين وآلة القتل السعودية تحصد آلاف الأطفال في اليمن، وقبلها في البحرين ولبنان قانا الأولى والثانية ، أما في فلسطين فحدّث ولا حرج، فالقائمة تطول والتعداد لا ينتهي من محمد الدرة وفارس عودة الى ما لا نهاية…

كلّ ذلك والأجساد الطرية لا تجد لها ناصراً ولا معيناً في عالم «متوحّش» يستقوي بجبنه على براءتها وطراوة عظمها. وحتى المنظومة الدولية التي أوجدت لحلّ النزاعات وحماية القيم بعد الحروب العالمية، أضحت بأجهزتها الحقوقية والإنسانية المختلفة وبكلّ أسف أسيرة للضغوطات الصهيو – أميركية ومجرد شاهد زور، بل وصلت بضحالتها وخوائها إلى أبعد من ذلك الى حدّ «تقمّص» دور محامي الدفاع عن الجلاد القاتل بوجه الضحية البريئة.

تقتل الطفولة وتسفك دماؤها بدم بارد كلّ يوم دون أن تفقه أيّ ذنب ارتكبت، فيما يقف العالم متفرّجاً، وإن توزع الأدوار بين غرب يحاضر بعفة الحرية والحقوق والديمقراطية، ولا يطبق من شعاراتها شيئاً، وبين دول ومجموعات إرهابية تقتل الأطفال وتمشي في جنازتهم كأميركا والسعودية و«إسرائيل» و«داعش» و«جبهة النصرة»، وبين منظمات دولية رؤوسها متواطئة بالتغطية وإخفاء المعالم كي تكتمل عناصر الجريمة الكاملة وتضيع الحقيقة ولا تتحقق العدالة.

وتكبر الفضيحة أكثر فأكثر أمام فظاعة الصمت الغربي المطبق الذي يسود عقب كلّ جريمة إرهابية وآخرها المجزرة المهولة بحق أهالي الفوعة وكفريا الذين سالت دماؤهم وامتزجت بتراب الوطن في الراشدين. فأميركا والغرب الذين تباكوا حتى الأمس القريب على صور مزيّفة ومصطنعة في خان شيخون، وأغرقونا بدموعهم، ومشاعرهم الجياشة حتى كدنا نصدّق أنّ قلوبهم الرقيقة لا تحتمل أن تخدش إنسانيتهم من قساوة ما يجري، وقفوا وبكلّ أسف متفرّجين على مجزرة الإرهابيين في الراشدين رغم قساوتها.

ربما يكون الموقف الأميركي مفهوماً ومتوقعاً من دولة اعتادت قتل شعوبنا بأسلحتها كلّ يوم، لكن ما لا يمكن أن يفهم هو موقف «المؤتمنين» على معشر «الأمم الملتحفة» بالخزي والتبعية والعار، الخانعة للبترودولار، وعلى رأسهم الأمين العام الجديد للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش الذي اكتفى رغم هول وفظاعة المشهد ببضع كلمات، قيلت بالنيابة عنه ومضى، وكأنّ شيئاً لم يحدث، كلمات حدثنا فيها سعادته عن «عدالة دولية»، لكن أيّ عدالة تلك؟ بالطبع هي ليست عدالة على قياس ضحايا الفوعة وكفريا، فلم يحدث في تاريخ منظمته الدولية أن أنصفت صاحب حق. انها «عدالة غوتيريش» الجديدة، عدالة كتلك التي دفعته قبل شهر واحد فقط الى سحب تقرير أممي لـ الاسكوا يدين «إسرائيل» بتطبيق العنصرية على الشعب الفلسطيني. عدالة مثيلة لتلك التي انتهجها سلفه الكوري بان كي مون قبل عام واحد تقريباً حزيران 2016 ، حينما بادر الى سحب اسم السعودية من اللائحة السوداء للدول والمنظمات التي تقتل أطفال اليمن، هي عدالة زائفة على قياسه وقياس أسلافه وأسياده الدوليين ومصالحهم الرأسمالية الاستعمارية الكبرى التي لا تقف عند حدود إنسانية، والذين أمام بقائهم وهيمنتهم النفطية لا ضير لديهم بأن تفنى البشرية وتجرد من أحاسيسها.

سيد غوتيريش…

هل هذه هي عدالتكم المزعومة والموعودة؟ أن تكتفي بعبارات إدانة وبيانات مقتضبة أمام جرائم يندى لها جبين البشرية والانسانية جمعاء؟ وهل يكفي أن تخبرنا بأنّ طفلاً يقتل كلّ 10 دقائق في اليمن في ظلّ الحرب الشعواء على هذا البلد، وتقف مكتوف اليدين، فيما تعتلي في المقابل منبر «المؤتمر اليهودي العالمي» في نيويورك معترفاً بـ«إسرائيل» ومطمئناً ومتعهّداً لها بالتصدي لما تسميه «الانحياز ضدها»؟.

وهل أفضت برأيكم مثل هذه «العدالة» الزائفة المنتهجة لدى أسلافكم منذ سبعين عاماً سوى إلى المزيد والمزيد من القتل والمجازر بدءاً من دير ياسين وكفرقاسم وصبرا وشاتيلا وجنين… مروراً بقانا أولى وثانية… وصولاً الى ولادة وحش «داعش» الدامي في عصرنا القاني، والذي أحال مشهد الدم والذبح مشهداً مألوفاً خدمة لطغاة الحروب وأجندات وسياسات القادة والملوك؟!

سيد غوتيريش…

لست ادري إن كانت مشاهد الطفولة البريئة وأشلاؤها المتناثرة في كلّ مكان لم تحرك فيكم ساكناً، فما الذي يحرككم؟ ولست أدري إن كانت مشاعركم لم تتحرك أمام مشهد تنفطر له قلوب الإنسانية جمعاء، فما الذي سيحرك ضمائركم؟! ولست أدري كيف أنّ من لم يحاكم الإجرام اللاحق بفلسطين واليمن منذ عشرات السنين كيف سيقنعنا أنه استيقظ من سباته شاهراً سيف عدالته بوجه «دواعش» فالتة من عقالها؟! ولست أدري كيف أنّ من يستمع لكلام وزير الحرب الصهيوني وهو يدعو لترك آلاف الأسرى عرضة للموت الجماعي جوعاً داخل الأسر ولا ينطق بكلمة، كيف ينام على فراش من حرير ويحاضر بـ«عفة العدالة» في الاساس؟

إزاء ما تقدّم، وأمام هذا الكمّ الهائل من القتل والذبح، ربما باتت منظومة القيم الغربية في نظرنا ونظر الكثيرين مجرد شعارات خاوية، ولم تعد كلّ «الهرطقات» القانونية والاجتهادات «الهمايونية» والمطالبات والدعوات «الخنفشارية» بالعدالة والمحاكمة الدولية تجدي نفعاً. لقد باتت إنسانية كلّ واحد فينا، وضمير كلّ منا على المحك، فعدالة اليوم لم تعد تقضي بأن ننتظر أحكاماً منزلة من سلاطين جائرة، ولا محاكم مسيّسة مسلطة لمآرب وغايات. إنسانيتنا تدفعنا اليوم لنكون وليكون كلّ واحد فينا، كلّ من يجري في عروقه دم كلّ من يحرّكه حسّ آدمي، كلّ من يؤمن بأخلاق وقيم، كلّ من لديه لهفة وانسانية، أن نكون نحن الحكم والحُكم، وبصحوة ضمير واحدة فإما نحن بشر وإما فقدنا أحاسيسنا وعقولنا.. واسمحوا لي حينها للتساؤل: ما الفرق بيننا وبين البهائم.. معاذ الله…؟!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017