شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-05-19
 

من مآثـر رفقائنا في الشام.

الامين لبيب ناصيف

عرضنا في عدد من الحلقات بعنوان "من مآثرنا" لكيف تعاطى القوميون الاجتماعيون في الشام اثر حادث اغتيال العقيد عدنان المالكي، وفيها الكثير من وقفات التحدي، والصمود رغم ما تعرضوا له من تعذيب في المعتقلات والسجون.

في مذكراته "جنوح الاشرعة" يروي الرفيق جهاد جديد ما حصل معه ومع عائلته، في اليوم التالي لإغتيال المالكي (السبت 23 نيسان 1955) يقول في الصفحات 231 ــــ 232 ــــ 233 ـــ 234:

" صباح يوم السبت في الثالث والعشرين من نيسان عام 1955 وقبل التوجّه الى الثانوية، عرّجت على مكتبة "عريف" في شارع "هنانو" باللاذقية. كانت الصحف المعلّقة في الواجهة، وعلى جانبيها، تحمل عنواناً رئيسياً مكتوباً بالاحمر الفاقع "اغتيال العقيد عدنان المالكي" ومنذ ذلك اليوم سارعت بعض الصحف المتآمرة لاتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي.

" توقفتُ قليلاً، طغى عليّ الارتباك والقلق... صدمني هذا الخبر الصّاعق، ابتعدت قليلاً عن المكتبة ولم أعد ارى او اسمع ما حولي. ليس اسم عدنان المالكي جديداً عليّ، فقد سمعت به منذ فترة قصيرة، حين رُوّجت إشاعات مبكّرة تزعم أنه على خلاف حاد مع القوميين، وتعتبر ان المالكي هو المسؤول عن تهميش موقع غسان جديد في الجيش ثم عن استبعاده وتسريحه.

" قلّبت الامر كثيراً على وجوهه المحتملة كلّها، وخرجتُ بنتيجة مقنعة ومؤكدة، استقرّت في وجداني وأعادت إليّ توازني. لا يمكن ان يُقدم حزبنا على هذا الاغتيال الظالم المجافي لعقيدته والمضرّ بمصلحته. وغسان جديد ذلك القائد القومي الاجتماعي المؤمن بحق الاختلاف، يحاور خصومه ويقاوم ما يراه انحرافاً، ويواجه بتحدّ وجرأة من يتربص به شراً. إنه الفارس الذي لا يطعن أحداً في ظهره.

" وهكذا عدت الى المكتبة، لم أجد جريدة "البناء" فاشتريت "الرأي العام" ومضيت نحو المدرسة. ظلّت صورة المالكي التي تتصدّر الصفحة الاولى مرتسمة على شاشة ذهني: وسامته، ابتسامته، نظرته الرانية الى الاعلى. حاولتُ استبعادها، واستحضرت الى حين صور سعاده، عصام المحايري، غسان جديد، وغيرهم من الذين يجسّدون مبادئي وقناعاتي. للحقيقة لم استطع إزاحة تلك الصورة.

" دخلت باحة المدرسة، وتوجهّت الى ملتقانا في الزاوية، كان رفيقي وصديقي حسن خير بك ينتظرني. لم يستقبلني، كعادته، بجملة مازحة او نظرة ضاحكة. تصافحنا وابتعدنا قليلاً عن زملائنا، ثم دار بيننا حديث مُغلّف بالضيق والتوجّس. سألته عن قيس فاضل ومحمد عبد الوهاب وانور جديد(1) ورئيف كوسا وتوفيق جنيكة وغيرهم، فأخبرني انهم جميعاً لم يحضروا.

" قُرع الجرس، ودخلنا قاعة الدرس، توجّهت الى مقعدي مع الرفيق جميل محمد. وقبل ان يستقرّ الطلاب في مقاعدهم سمعنا صوت الاستاذ زهير يعلن: "نهار أمس ارتكب السوريّون القوميون أكبر جريمة... اغتالوا العقيد عدنان المالكي في الملعب البلدي بدمشق". حاصرتنا الاعناق والوجوه، وهاجمتنا النظرات المستغربة والمستنكرة والحاقدة. صارت كلّها تصوّب علينا سهام الاتهام. حاولت ان اثـبّـت بصري باتّـجاه الاستاذ متفادياً نظرات الظن الآثم، ومحافظاً على قدرٍ كافٍ من الثقة التي تدفع الشماتة. بعد قليل خيّل إليّ ان الاستاذ، الذي يحدجني، يستهدفني وهو يلحّ ويُـسرف بنبرات خطابه المحرّض، وضربات يده المتتابعة بغضبٍ أحمق على الطاولة. لم يُتح لي ان أهمس لجميل ولو بكلمة واحدة. وقد كان هو الآخر يعاني ما أعاني(2).

" حين قرع جرس الاستراحة كان الاستاذ مسترسلاً في سرد تاريخ الاجرام السياسي، وحين بدأ الطلاب يتحرّكون أشار إليهم ان ينصتوا، وأكمل: "لا ينبغي لهذه الجريمة ان تمر بدون عقاب، القوميون كلهم مدانون"، ثم استرسل في اتّهاماته الجائرة مركّزاً على وجوهنا نحن القوميين الذين يعرفنا ويتابع نشاطنا. وقبل ان يكمل الجملة الاخيرة وقف الرفيق إبراهيم ملّوك(3)، ومشى باتجاهه، فأدركني خوف مباغت وأسرعت لأمسك بإبراهيم وهو يصرخ: من أخبر هذا المحقق بأننا القاتلون ؟. وبعد جهد استطعت ان اقنعه فخرجنا وهو يقول: أما رأيته يصوّب علينا؟ هل يعقل ان ينتقم مدرّس ذو رسالة، كما يدعي، من طلابه اليافعين ؟ .

" كنا ثلاثة: جميل وابراهيم وراوي هذه الوقائع، خرجنا من القاعة محزونين وغاضبين، ولمسنا فور خروجنا ان الطلاب في الساحة مشغولون في هذا الموضوع، وسمعنا عبارات السخط والشتيمة، وأدركنا بالفطرة والملاحظة، ان الانتقام قد تقرر وتعمم، وان تبعاته سوف تلاحقنا وتؤذينا. ابتعدنا عن طلاب صفنا. حتى لا نثير الانتباه. ثم اقتربنا من معبر الهروب الى خارج المدرسة، وبعد ان قرع جرس الدخول، راقبنا ما حولنا، ومن حولنا، وبقوة استثنائية تسلّقنا السور وقفزنا الى الشارع.

" توجّهنا الى منزل كمال خير بك(4) القريب جداً من الثانوية، استقبلنا بلهفةِ الاخ الاكبر، وأدخلنا غرفة وجدنا فيها عدداً من الرفقاء يناقشون هذا الامر الطارىء.. كان الحوار بيننا هادئاً وحذراً ومتقطعاً، وبدا لأكثرنا أننا متورّطون، لان الخلافات التي استفحلت، والاشاعات التي راجت كانت كلها تهيئ الجميع وتحضّرهم لقبول الاتهام. وهذا بالضبط ما أشار إليه كمال، وهو يدفع عن قيادة الحزب هذه الفرية المعدّة والمركّبة تركيباً مشبوهاً، ومحكماً في الوقت نفسه.

" تداولنا في تلك الجلسة شؤوننا المدرسية، لأننا وجدنا أنفسنا مهدّدين باعتداءات لا نستطيع الردّ عليها، وخرجنا برأي يدعو الى التريّث أسبوعاً قبل استئناف الدوام. نذهب الى منازلنا ثمّ نرجع السبت القادم الى صفوفنا، ومعنا الوثائق الكفيلة بتبرير الغياب. وخلال هذا الاسبوع يستطلع بعضنا المكان، ويتسقّـط الاخبار، وسوف تكون الامور أهدأ وأكثر طمأنينة.

" وصلتُ القرية مساءً كان منزلنا يغصّ بالاقارب والاصدقاء وبعض أهل الرفقاء، أطلّت صورة "سعاده" التي تتصدر واجهة الغرفة، منحتني ابتسامته المشرقة، التفاؤل والطمأنينة، وغمرتني نظراته بالاعتزاز والقوة.

" استقبلتني والدتي بلهفة غامرة، احتضنت صغيرها اللائذ بحضنها ثم غمرته بجرعات من الحنان والكبرياء. قرأت في عينيها اسئلة متعددة، وهموماً تأبى ان تبوح بها. وحين دخل والدي من الغرفة الثانية، احسست انه يغالب حزناً ويقاوم دمعاً، وتوهّمت أنه، بعد السلام الحار، قد يذكّـرني بتلك النصائح التي كان يردّدها، ويلحّ عليها، ويدعونا من خلالها الى الحيطة والابتعاد عن مقاومة الدولة. لكنّني لاول مرّة، سمعته يخاطبني، ويخاطب الزائرين، بلغة جديدة تدعو الى ممارسة الحياة الحرّة الأبية، وتدعو الى المواقف النابعة من كرامة الإنسان والأمّة.

" ولم ينس والدي ان يجزم بنبرة قاطعة ان القوميين مؤمنون بأمّتهم، وأنهم صادقون في دعوتهم، وأنهم أبرياء من التهم التي يروّجها خصومهم. وازدادت هذه النبرة قوة ورصانة حين بدأ يعدد المزايا النبيلة للضابط غسان جديد، فأسهب مشيداً بأصالته ووسامته وقوة إرادته، واشاد ايضاً ببراعته وشجاعته اثناء قيادته احد افواج جيش الانقاذ الذي استبسل في مقاومة الصهاينة عام 1948، ثم انهى كلامه بتكذيب الجريدة التي ارادت ان تشوّه صورة الحزب وسِمعَـته.

" بعد ان انفضّ الساهرون، عدا ثلاثة رفقاء، جمعنا والدي وأوصانا بالصبر والتكتّم، لان رجال الامن سوف ينشطون، ولأن المخبرين والمأجورين والحاقدين سوف يفترون ويتاجرون. ثم طلب إلينا ان نجمع المطبوعات الحزبية كلّها، من كتب ومجلات وجرائد ووثائق ونشرات وصور وغيرها، وباشرنا جميعاً العمل على إخفائها. وضعناها في اكياس طحين، ثم في اكياس خيش، وحملناها على الدواب الى مخبأ سرّي آمن. وحين انجزنا هذه المهمة، علّق والدي آسفاً ومازحاً: اتمنى ان تستعيدوا هذه الثروة في وقت قريب.

" عدنا الى المنزل قبل انبلاج الفجر، استقبلتنا صورة جديدة للزعيم وضعتها والدتي بإتقان في صدر الغرفة محل الصورة التي حملها والدي الى المخبأ. رأيت والدي يبتسم وفي نظراته فخر وفرح وكثير من اعتزاز.

*

وتابع في الصفحتين 235 و236، فيروي التالي:

" قاسية كانت تلك الايام الطويلة التي تلت اغتيال المالكي. تبادل افراد أسرتنا عبارات التشجيع المخمّر بالحزن، كلّ منـا يشجّع الآخر.

" ليلة امس سمعتُ صوت امي الهامس. كانت تعاتب اختي الصغرى وتلومها لأنها تبكي. وفي الصباح همس والدي في أذني: لا ضرورة للعودة الى الثانوية، مطلع الاسبوع القادم. العام الدراسيّ يوشك ان ينصرم. ولم يبق للامتحان الا اسابيع محدودة.

" كنت واثقاً ان اخي عبد الكريم قد زجّ في سجن "المزة" الذي كثر الحديث عنه، وكنت قلقاً بشأن أخي منير الذي لم يأتِ من حلب الصاخبة والناقمة. وبالفطرة احسست اننا ضحايا مؤامرة كبرى. نعم مؤامرة. منذ ذلك الوقت بدأت هذه المفردة الجديدة ترد كثيراً في احاديث الرفقاء ناشئين وناضجين. وفي الفترة ذاتها كثر الحديث عن ظاهرة الاعتقالات السياسية التي لم تكن قد استفحلت بين العامة. بعد ايام تأكدنا ان "المكتب الثاني" قد اعتقل كافة القوميين الاجتماعيين الذين كانوا تلامذة غسان جديد في كلية ضباط الاحتياط، وكان منهم اخي عبد الكريم وادونيس وبشير الجزائري واحمد شميّس والياس عبيد وآخرون. قيل لنا حينذاك: ان الزيارات مستحيلة. ثم بدأت الاخبار تتسرب عن الوان التعذيب الموروثة والمستحدثة. لان المرحلة السياسية الواعدة تستدعي اساليب تناسب كتل الحقد والكيد، وتستجيب لرغبة مُـبيّـتة في استئصال الحزب. وكانت اخبار الصمود الأبيّ تتوالى فتجدّد ثقة القوميين برفقائهم وبأنفسهم. وتعيد لأسر المعتقلين مناعة الصبر ومقوّمات الزهو والفخر.

" كم شعرنا بالسعادة حين وصلتنا باقاتٌ من شعر ادونيس كتبها في إحدى زنزانات المزّة 1955. قرأنا في تلك القصائد المهرّبة، مقادير الاحقاد والشرور المضمرة والمترجمة، وقرأنا آيات الإباء القومي متجليّة في وقفات العز العامرة بالصمود والمغفرة. وإنني اورد الان مقاطع قصيرة من قصيدة عمودية اخترتها من مجموعة كان الرفيق احمد شميّس قد نقلها عن اوراق ادونيس ورتّبها في دفتر خاص، لانه ارادها ان تكون صرخة حماسيّة معبّرة عن الاحتقان والغضب، ومعبّرة عن الاعتداد بقيم الإباء والسموّ والتضحية:

وراء شــــعبي نفـايـاتُ مـــــــــــــــروّعةُ تخطّفوا الحقد والتخريب، واقتسموا

ماذا؟ أنثأر منهم للذي صنعوا ولفّــقـــوا وادّعــوا؟ ماذا؟ أنـنـتـقم ؟

عفو الحقيقة فينا، فهي ما خُلقت إلا لتـفـتـح أبـواب الضحــى لـهــــــــم

لأنـنا ثــورةٌ كالحـتــم صاعــــــــدةً لأنــنـــا الـزهــــر واليـنـبـــوع والقـــــســــــــم

نــســـــاق للذبـح افــواجــــاً مكـبّـــلة وبالعـلــوّ علـى الاحـقـــاد نُــتّــهــــــــــــــــم

ما هـمّــــنـا، وأصيل الشعب يحضننا كـأنــنــا فـي ثــنــايــا نــفــســــــه حــــــــــــــرم

يا فاتحين دروب الشـمــس، كـل غــدٍ لكــم صــلاةٌ، وعــيـنـــا شــــاعرٍ، وفمُ.

*

قبيل عودتي الى اللاذقية، زارنا بعضٌ من اهل خطيبة أخي عبد الكريم ليعربوا عن مشاعر متعاطفة ومواسية. فاجأت أكبرهم المرحوم محمد خير بك صورةٌ زاهية للزعيم، تطلّ بابتسامة مشرقة من اعلى المكتبة. تمنّى الصديق البعثيّ المحب ان نخفي الصورة، حتى لا تكون سبباً في المساءلة والاساءة. أجابت والدتي بتوتّـرٍ عالٍ: هذه الصورة ستبقى في محلّها. هذا الزعيم الذي يحبّه اولادي. استشهد من اجل وطنه. لا نستطيع ان نخفيها. هو في قلوبنا وعيوننا.

كان موقفها درساً في مبادىء المحبة والاعتداد، فأربكت الاهل، واحرجت الضيوف الاعـزّاء، وجعلتني اشعر بغصّة حرّى فأوشك دمع الفرح والكبرياء ان يسيل.

*

هوامش:

(1) انور جديد: تولى لاحقاً مسؤوليات محلية ومركزية. منح رتبة الامانة. محامي معروف.

(2) تلك الحالة نتجت عن اغتيال العقيد عدنان المالكي، واستمرت لسنوات ثم انتهت مع بدايات السبعينات، وحلّت مكانها علاقة صداقة متينة، فيها الكثير من الثقة والتعاون.

(3) ابراهيم ملوك: اورد المؤلف التفسير التالي في الصفحة 232: عرفته في الثالث الإعدادي، في ثانوية الشيخ سليمان الاحمد في "كلماخو". عرفت انه قد ورث عن ابيه مسؤوليات اسرة كبيرة، فصار وهو فتى، ربّ البيت وصاحب الكلمة بين اهله الاقربين يحاسب ويعاقب ويحسم. كان ابراهيم عريض المنكبين، عبل الساعدين، راجح الكفّين. له جبهة عريضة ووجه طافح وعينان واسعتان فصيحتان. يتحدث بلهجة صارمة وصوت مدوّ، وحين يتجهّم او يغضب يخشى من حوله ان يلوم او يعـنّـف او يعاقـب. كان ابراهيم ذا قلب رحب صاف. تستقر في وجدانه قناعات حاسمة. لا يداور فيها ولا يناور، لذلك كان طوال عمره القصير، مخلصاً لمبادئه، باراً بأسرته، وظل حريصاً على تمتين العلاقات مع الذين يصطفيهم من رفقائه واصدقائه وظل وفياً لهم. لكنه، وهو الصادق في حبّه وفي ولائه، لا يستطيع ان يكتم غيظه، او يكبح غضبه. احببناه رفيقاً ملتزماً مخلصاً. وأحببنا حبّه الذي قد يتجاوز الحدود، وأحببنا غضبه الذي قد يهدم الحدود.

(4) كمال خير بك: الشاعر، الامين الشهيد لاحقاً.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه