إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أسباب «شرق أوسطيّة» وراء التلكّؤ الأميركي في معالجة الإرهاب

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2017-05-29

الارشيف

يعالج التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية الإرهاب في «الشرق الأوسط» منذ نصف عقد تقريباً، منوّعاً ضرباته بين قصف جوّي دائم وإنزالات بريّة متواترة… تراجع الإرهاب قليلاً، لكنّه ظلّ يحافظ على انتشار واسع منكمشاً حيناً، ومتقدّماً حيناً إلى حدود تنفيذ عمليات في قلب أوروبا.

فهل صحيح أنّ واشنطن تحتاج إلى عقود للقضاء على الإرهاب الإسلاموي؟

خبراء الأمن القومي في واشنطن يعرفون أنّ الإرهاب فكر وميدان. لجهة معالجة مصادر الفكر المنتج للإرهاب، يقول فريد زكريا، أحد كبار المعلّقين في «واشنطن بوست»، إنّ «السعودية «البلد الرئيس» لنشر هذا الفكر، نجحت في صرف نظر الأميركيّين عن اتّهامها بالترويج للإرهاب، علماً أنّ أسامة بن لادن مؤسّس القاعدة كان سعودياً، تماماً كما كان إرهابيّو 11 أيلول التسعة عشر الذين فجّروا في 2001 أبراج نيويورك».

وهناك تقرير استخباراتي ألماني يُظهر أنّ «الجمعيات الخيرية المرتبطة بالسعودية وقطر والكويت، تموّل المساجد والمدارس والأئمّة بهدف نشر الإسلام المتطرّف في ألمانيا». وفعلوا الأمر نفسه في كوسوفو، حيث ربط السعوديّون مساعداتهم للعائلات التي تحضر الخطب في المساجد وترتدي نساؤها أزياء إسلامية، وهناك مراسلات للوزيرة الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، تتهّم فيها السعودية وتركيا بإنتاج ودعم الإرهاب في العالم الإسلامي.

هنا يتّضح أنّ موافقة الرئيس ترامب مع السعوديين على اتهام إيران بإنتاج الإرهاب وتصديره، ليست إلّا هروباً من إدانة حليفته السعودية التي اشترت الصمت الأميركي مقابل عقود وصفقات أكلافها قد تزيد عن خمسمئة مليار دولار. ولمزيد من البرهان، فإنّ مؤسسة «كينجز كولدج كندن» كشفت في تحليلات وبيانات حديثة أنّ 94 من ضحايا الإرهاب هم من السنّة المسلمين الذين قتلتهم منظمات «داعش» و»النصرة» التي تحاربها إيران. فكيف يستقيم اتهام إيران وتبرئة السعودية؟

لذلك تبدو الاستدارة الأميركية واضحة في تجاهل التصدّي للأسباب الفكرية للإرهاب، ومحاولة رمي تبعاته على دول أخرى لا تتوافق سياساتها مع النفوذ الأميركي في «الشرق الأوسط»، وهي بالتأكيد إيران التي نجحت في ثلاثة عقود من اختراق العالم الإسلامي بتحالفات مفيدة للدول والمنظّمات المتعاونة معها، على الرغم من العقوبات الغربية القاسية المفروضة عليها وحالة الحصار الخانق.

على مستوى الميدان، فإنّ هناك يقيناً من التورّط السعودي التركي، بتغطية أميركية، الذي ساعد على اجتياح مساحات ضخمة في سورية والعراق، تنوف عن مئة وخمسين ألف كيلو متر مربّع. ومثل هذا التوسّع لا يحدث إلّا بتفكيك داخلي مذهبي طائفي، وتهديد بانهيار الجيوش وفتح الحدود التركية لكلّ أفّاق ومتشرّد ومتسربل بلبوس الدين مع آلاف العربات المدرّعة والعسكرية، ومئات الأطنان من المدافع والأسلحة والتموين بالغذاء والطاقة والتمويل، وهذه تحتاج إلى إمكانات دول، وإعلام غربي وعربي…

وعندما استردّت الدول الوطنيّة أنفاسها في سورية والعراق واليمن، عادت إلى الإرهاب عند خطوط دفاع رأت جيوشها ومقاومتها أنّها صالحة للدفاع عن الأوطان، لكنّ واشنطن أسّست تحالفاً دولياً لضرب الإرهاب ضمّ ثلاثين دولة تقريباً. وكان المعتقد أنّ القصف الدولي لهذا التحالف قادر على إنهاء الإرهاب ميدانياً وببضعة أشهر. ما شكّل هذه القناعة، هي تلك البيانات اليومية لقوّات التحالف الغربي، التي كانت تتحدّث عن آلاف القتلى من الإرهابيين وخسائر لا تُحصى من السلاح والمعدّات. ومع تكرار هذه البيانات واستمرار الإرهاب بالانتشار والسفك والقتل، لم يعد أحد يصدّق ما يجري، وكأنّ فيلماً أميركياً بالألوان ينتهي مفعوله مع آخر مشهد له إلى أن يظهر فيلم آخر يشبهه من البداية إلى النهاية.

أمّا الأسباب التي فرضت على واشنطن ضرورة التحرّك الفعلي نسبياً، فهو دخول حزب الله العسكري في الأزمة السوريّة، الذي أسّس لتدخّل منظمات إقليمية أخرى مع المقاومة، ممهّداً أيضاً لدور روسيّ كبير. نجحت هذه التدخّلات بانكماش فعليّ للإرهاب وهزيمته المدوّية في حلب وأرياف حمص وحماة وتدمر ودرعا، وأرياف دمشق، بمعدّل يصل إلى عشرات آلاف الكيلومترات، مقابل خسائر وهمية للإرهاب أعلن عنها التحالف، لكنّ موسكو كشفت عن صور للأقمار الاصطناعية تُظهر مئات الشاحنات وهي تنقل نفطاً سوريّاً إلى تركيا من دون أن يعترضها أحد، ونشر الإعلام الروسي أخباراً عن حدود أردنية وتركية مفتوحة بدورها لحركة الإرهاب.

وجاء الضغط الآخر من العراق، حيث لا تزال واشنطن حتى اليوم تحاول تبطئ حركة الجيش العراقي وعرقلة حركة الحشد الشعبي بإثارة الفتن الشيعيّة السنّية والكردية العربية. وآخر الأدوار الأميركية التركية، عقد اجتماع منذ أيام عدّة لسياسيين عراقيين في تركيا، أعلن قطع العلاقة السياسية مع الجبوري بسبب دعوته لوحدة العراقيين وقبوله بدور قتالي للحشد الشعبي في العراق كلّه. والطريف أنّ المؤتمرين طالبوا بنشر قوات «سنّية» في الموصل والأنبار وتلّعفر والميادين والقيروان، ببراءة عثمانية شديدة.

يتّضح إذن أنّ هناك مشهدين متناقضين تكوّنا على المسرح السوري العراقي في السنوات المنصرمة، مشهد قوات التحالف الدولي ومعها بلدان الخليج التي تلوّح بالضرب ولا تضرب، وتصرخ في وجه الإرهاب لكنّها لا تهاجمه، مقابل مشهد روسي سوري إيراني مع حزب الله وحلفائه في المنطقة، يضرب الإرهاب في كلّ زاوية و»زنقة».

ويظهر أيضاً أنّ واشنطن لم تعمل على مكافحة الإرهاب على مستوى الفكر والإرهاب، والدليل أنّها وعلى الرغم من تيقّنها من الأدوار السعودية التركية القطرية بإنتاج الإرهاب ودعمه مباشرة ولوجستياً، فإنّ الرئيس ترامب آثر الاستفادة بـ500 مليار دولار مقابل تحويل الاتهام بالإرهاب إلى الجهات التي تناوئ بلاده في العالم الإسلامي.

لذلك، فإنّ التلكّؤ الأميركي في ضرب الإرهاب هو وسيلة لتحقيق أغراض أميركية استراتيجية تندرج في إطار مصالحها التاريخية. أمّا الدعم الخليجي التركي للإرهاب، فله علاقة بأحلام استعادة إمبراطوريات بائدة، أو للدفاع عن ممالك قرون أوسطية حالياً لا تريد دولاً قويّة بجوارها.

ماذا تريد واشنطن إذاً؟

مشروعها الدائم – القديم الذي لا يزال على نار حامية، هو تفتيت المنطقة للمزيد من السيطرة عليها من جهة، وتدمير النفوذ الإيراني والعودة الروسية إلى الفضاء السوفياتي القديم، وإيقاف نموّ العملاق الصيني.

تريد السياسة الأميركية إذاً تقسيم العراق إلى ثلاث دول، وللتأكيد تجب العودة إلى تصريح حديث للوزير الأميركي السابق غيتس، الذي قال حديثاً: «لا تسألوا إذا كانت كردستان ستنفصل، اسألوا متى الإعلان عن دولتها». وتسعى كذلك في سورية إلى أربع دول، واحدة مستقلّة وثلاث تتبع الحمايات التركية والأميركية و»الإسرائيلية الأردنية».

كما تدفع إلى تفتيت اليمن إلى أربع دويلات، من دون نسيان أفغانستان والصومال والسودان وليبيا والقضية الفلسطينية، وما يجري عند حدود إيران مع باكستان وفي مناطقها الكردية، ليس أمراً عادياً بقدر ما يندرج في سياسات تفتيت «الشرق الأوسط» بواسطة الفكر الإرهابي والأموال السعودية والخليجية.

بالاستنتاج، يتّضح أنّ الإرهاب هو الوسيلة الأميركية لتفتيت المنطقة على أُسُس مذهبية وقبلية وعرقية وجهويّة. الأمر الذي يفسّر غض طرف واشنطن عنه في السنوات السبع الماضية، وصولاً إلى حدّ دعمه بأساليب غير مباشرة وأحياناً مباشرة. فواشنطن تعمل بجهد كبير على بناء شرق أوسط جديد بكيانات صغيرة للزوم هيمنتها الدائمة لقرون مقبلة. وهذا غير قابل للتطبيق بغزو عسكري أميركي مباشر، بل بالتفتيت أولاً وتليه التدخلات العسكرية. لذلك، تستعجل واشنطن إنجاحه قبل تمكّن الروس والإيرانيين من التوسّع في حركتهم العسكرية في سورية، للوصول إلى العراق، ما يؤدّي إلى توسّع السياسة المناهضة للجيوبوليتيك الأميركي.

إنّ مقاومة اليمنيين تندرج في هذا الإطار وبشبه معجزة لا يضاهيها إلّا تقدّم الجيش والحشد العراقيين في الموصل ومناطق الحدود، أمّا انتخابات إيران فجاءت صفعة شعبية لديمقراطيات غربيّة أصبحت رأسماليات متوحّشة، وتحارب في الخليج عن ديمومة القرون الوسطى.

لجهة سورية، فهناك طائر فينيق يعاود اكتساح المناطق والبوادي لتحقيق الصمود القاتل للشرق الأوسط الجديد. وعلى الرّغم من أنّ دوائر أكاديمية عريقة تكشف أنّ التفتيت لن يستثني أحداً، بما فيها الخليج وإيران، فإنّ الصراع الأميركي الروسي ينحو إلى تصاعد ملقياً بالتفاهمات في مزبلة التاريخ. ما يعني أنّ مشاريع التقاسم والتحاصص لا مكان لها، والدليل أنّ الدول السبع الكبرى تحت رعاية أميركا تتّجه إلى فرض عقوبات إضافية على روسيا، لدوريها في سورية وأوكرانيا وأفغانستان وبوليفيا، ودول كثيرة أخرى بينها العراق وليبيا ومصر.

في المحصّلة، فإنّ المشروع الشرق أوسطي الأميركي ذاهب إلى خسارة مريعة، لأنّه يقاتل حكومات مدعومة من شعوب ومقاومات تمرّست في الدفاع عن مناطقها.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017