إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

صراع الوسط السوري: ملء المشاع الاستراتيجي

نزار سلّوم - البناء

نسخة للطباعة 2017-05-30

الارشيف

ترتسم ساحة المواجهة الراهنة الآن، ما بين تدمر والحضر والركبان. بالمعنى التاريخي والاستراتيجي، قد تكون نتيجة هذه المواجهة ذات تأثير حاسم أكثر من أية مواجهة سابقة، حتى من تلك التي وقعت على أبواب دمشق أو تلك التي انتهت في حلب أو التي لا تزال قائمة ومستعرة في الموصل.

تحمل المواجهة الراهنة، وفي هذا المكان تماماً، معنى جيوسياسياً خاصاً ينطوي بدوره على معنىً تاريخي استثنائي، وذلك لسببين رئيسين:

الأول: أنها تحصل في منطقة التجويف السوري الذي اتخذ معنى «الفراغ الاستراتيجي» المزمن نتيجة المواجهة التاريخية بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية. وهو الفراغ الذي شطر البدر وأحاله إلى هلال خصيب شرقه أرض الرافدين وغربه بلاد الشام. كان من شأن المشروع التدمري في منتصف القرن الثالث، لو قيّض له النجاح أن يزيل هذا الفراغ، ولكن هزيمته أدّت إلى ترسيخ الفراغ كـ لعنة تلاحق هذا الجسد الجيوسياسي الذي يدافع عن وجوده على مدار الوقت منذ تلمّس ذاته تاريخاً قائماً.

الثاني: منذ إعلان قيام دولة الخلافة الإسلامية في 29 حزيران 2014، بدا على نحو واضح أنّها «كيان وظيفي» وليست «كياناً دعوياً» إلاّ بالمعنى الذي يضع الدعوة في خدمة الوظيفة. وعلى ذلك، تحدّدت وظيفة دولة الخلافة بكونها مجمل الفعاليات المؤدية إلى إنتاج: الحقل/ الحاجز/ القاطع بين العراق والشام، وذلك على هيئة مشاع استراتيجي سائب خالٍ من الملكية السياسية المعترف بها.

جاء قيام دولة الخلافة الإسلامية، بتصميمها وأصل مشروعها وسياق فعاليتها كـ حالة مثالية لإنتاج مثل هذا المشاع ، وذلك لكونها غير قابلة للتعضي مع أي نظام إقليمي أو دولي، ولعدم قابليتها على إنتاج نفسها على هيئة كيان سياسي حقوقي قابل للانتماء إلى الخريطة السياسية القائمة أو المحتملة بأية مواصفات جاءت فيها. وابتداءً من أيلول 2014 بدا التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن بمثابة المرتسم الفوقي لدولة الخلافة التي وصلت الأراضي التي استولت عليها في منتصف العام 2015، ومن الجمهورية العربية السورية، إلى ما يناهز 95000 كم مربع، أيّ ما مقداره نصف مساحة الجمهورية تماماً في إطار وظيفة تحويل الجغرافيا السياسية السورية إلى مشاع.

في إطار مقتضيات هذه الاستراتيجية، عمل التحالف الدولي طوال هذه المدة، على تكريس واقع المشاع الاستراتيجي في انتظار الوقت الذي يتمكن فيه من تقرير إعادة تدوير الملكيات وفرزها وتطويبها بما يضمن استمرار الوظيفة الرئيسية لدولة الخلافة، حتى وإن تمّ إعلان موتها. وعلى ذلك يصبح تقرير تحرير الرقة مثلاً من عنديات واشنطن، حيث حق التحرير يرادف حق التمليك، كما يصبح الهجوم على الجيش السوري الذي يقترب من التنف، من قبل الطائرات الأميركية، حقاً في الدفاع عن قوى عشائرية موالية لواشنطن ومدرجة في اللائحة التي تتضمّن أسماء الممثلين المحليين للمُلاك الكبار في هذه المنطقة.

في ضوء هذين المعنيين المرجعيين يمكن مقاربة الأحداث التي تجري في الوسط السوري. وهي مقاربة تُفضي على نحو أولي إلى ملاحظة أنّ المواجهة الراهنة هي تحديداً بين قوى محور المقاومة وحلفائه من جهة وقوى التحالف الدولي وحلفائه من جهة مقابلة على أرض دولة الخلافة الإسلامية ، في صراع على المشاع الاستراتيجي بغاية إعادة إنتاجه، كملك سياسي حقوقي.

الآن، ثمة مناسبة استثنائية بالمعنيين التاريخي والاستراتيجي، مناسبة يعزّزها القرار الواضح من قبل قوى محور المقاومة بالتحرّك على التوازي ضمن إطار القوس الممتدّ من الحضر إلى تدمر إلى التنف، ما وضع واشنطن في مواجهة مكشوفة ومباشرة ستفضي إلى إحدى نتيجتين حاسمتين: إما تكريس الواقع الوظيفي لدولة الخلافة الإسلامية، وإن تمّ استبدالها بهيئة أخرى واسم آخر يعود للمرابعين الجدد، بكون هذه الوظيفة دائماً في خدمة ترسيخ التجويف السوري واقعاً استراتيجياً. وإما انتصار محور المقاومة ما يؤدي إلى إزالة المشاع الاستراتيجي الذي تحرسه دولة الخلافة الإسلامية على الأرض وقوى التحالف من السماء، والتي اضطرت أن تنزل إلى الأرض أيضاً، حيث من شأن إزالة هذا المشاع أن يكون بطعم تاريخي يصل حافة هزيمة المشروع التدمري 273م الذي آنذاك يعود إلى سياقه في الطريق إلى ردم التجويف السوري وإعادة صياغة جسد الأمة سياسياً ابتداءً من مركزها.

المواجهة حتمية… تدمر والحضر كلتاهما من مدن الشمس، وما بينهما ضياء لا يمكن أن تلتبس تحته الاستراتيجيات مهما تلوّنت وتزيّفت وتقنّعت بـ دولة خلافة أو بخلافة دولة!!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017