شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-07-06
 

اليسار انطون سعاده تناجي والدها الزعيم

الامين لبيب ناصيف

المقالة التي كان نشرها الاعلامي رؤوف قبيسي في "النهار" بتاريخ 06/11/2013، تحت عنوان "اليسار انطون سعاده تناجي والدها الزعيم" فيها من المعاني ومن العبر، وكثير من الالم والمعاناة، وفيض من العواطف التي تراكمت في نفس الطفلة "اليسار"، ونمت.

في ذكرى الثامن من تموز، نقرأ للامينة اليسار سعاده ابو ناصيف، وفي اعماقنا عواطف من سخط وغضب، يرافقهما اعتزاز اننا ابناء هذا العظيم، في عقيدته، ومُـثله، وتعاليمه ونهجه ومآثره، وفي كل ما شعّ من مواقف تبقى راسخة في تاريخ أمتنا.

ل.ن.

*

" ها قد اجتمعنا أخيراً يا والدي. هل أنت من أرسل إليَّ هذا الزائر القادم من وراء البحار، يدخل بيتي ويفتح خزائني الموصودة، يهز قلبي ويقرعه قرعاً عنيفاً؟! تعرف أنني حاولت غير مرة أن أكتب إليك، فكانت أناملي تخونني كلما أمسكت بالقلم. هل من حسن طالعي أم من سوئه، أن جاءني هذا الزائر الذي لم أره ولم أسمع به من قبل؟ بدأ يسألني أسئلة غريبة محرجة جارحة كأنه يعرفني منذ ألف سنة. حين سألت عنه صديقة لي تعرفه، قالت إنه هجر الصحافة، لكنه يكتب بين حين وآخر كلمات على هواه. هي فرصة أبتهلها على كل حال، لأترك نفسي على سجيتها وأخاطبك ملء جوارحي. أحبك يا والدي وأشعر ببعاد عينيك. أتصورك ظلاً لما لا أرى وأتساءل: لماذا كُتب عليَّ وعلى شقيقتيَّ صفية وراغدة، أن نحتمل هذا القدر الذي يكاد ثقله يحبس علي أنفاسي؟

كنتَ فاجعتنا الأولى، ثم ماتت والدتنا بعد صراع مر مع المرض. فقدتُ زوجي الأول، ثم فقدتُ زوجي الثاني، وقبل سنوات فجعتُ بولدي سعادة، ولم يبق لي من زواجي إلا ابنتي الوحيدة. سمّيتها جولييت على إسم جدتها، وهي تسكن بعيدة عني ألوف الأميال. كيف لطفلة وامرأة مثلي أن تنسى أمها وأن تنسى ولدها الوحيد؟ هو جرح سيرافقني إلى آخر الطريق، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كما يقول المؤمنون. أنا كثيرة الشكوك كثيرة الظنون، يا أبي، ولا أملك من السماء ملاءة أستطيع أن أحتمي بها. تمر أيام فأنسى أن كان لي ولد وكانت لي والدة. أنسى وجودي، لكن لا أخفيك أني ما شعرتُ مرة أنك غبت عني. ما الذي فعلته في حضورك وفعلته بعد غيابك، حتى صرت كبيراً في حياتي إلى هذا الحد؟ غريب أمري معك ولا أعرف سرّه. رافقتُ والدتي ثلاثين عاماً، ورافقتُ ولديّ ثلاثين عاماً ورافقت زوجي سنوات طويلة. احياناً أنساهما لبعد ما افترقنا، لكن ما مرّ يومٌ ونسيتك، على الرغم من أني لم أرافقك إلا أربع سنوات من طفولتي، لا أذكر منها إلا النزر اليسير.

كثيراً ما تساءلت: لماذ تركتني ووالدتي وشقيقتي بهذه السرعة؟ سمعتُ أن بعض من انضووا في حزبك ساءهم أمر زواجك. منهم من امتعض وتساءل: أما كان أفضل لو أن الزعيم لم يتزوج؟! هكذا البشر، لا يصبحون حكماء إلا بعد فوات الأوان. الآن صرت أفهم سبب امتعاضهم. أما كان أفضل لو بقيت عازباً؟ أقطع بأنك لو كنت عارفاً بمصيرك وما سوف تخبئه لك الأقدار لعدلت عن الزواج. هل تذكر الدقائق الأخيرة من حياتك، حين سألت جلاديك أن يسمحوا لك بأن ترى زوجتك وبناتك الثلاث، فجاء جوابهم بالرفض. هذا وحده سبب كاف كان ليجعلك تتمنى لو أنك لم تتزوج، وترزق بنات ثلاثاً، ويجعلني أتمنى لو لم آت إلى هذه الدنيا.

قلت إنني اقطع بذلك، غير أنني لا أشك للحظة واحدة، أنه لو عاد الزمن إلى الوراء، وخيِّرت بين طريق القدر المحتوم الذي أدى إلى إعدامك رمياً بالرصاص، وبين أن تعيش بيننا بأمان، أستاذاً جامعياً أو كاتباً في المهجر أو في الوطن، وحولك زوجة تصونك وترعاك، تحبّها وتحبّك، وبنات صغيرات يتسلقن كتفيك ويكبرن أمام ناظريك، لاخترت طريق القدر المحتوم، على رغم علمك بما سوف يكتنف هذا القدر من عذاب ستعانيه زوجتك في السجون وخارج السجون، وما ستعانيه بناتك الصغيرات، من ألوان الحزن والبؤس والشقاء.

هذا ما قلته للزائر الغريب. هل تعرف كيف عرفت الجواب؟ سوف أجيبك: لقد أصغيتُ كثيراً لما كانت والدتنا تقوله عنك، قرأتُ كل كلمة كتبتَها، وسبرتُ أغوار نفسك، وفهمتُ ما كانت الأرض تعنيه لك، وما كانت تعنيه تلك النهضة التي أردتها جبارة "برجالها ونسائها العاملين على حياة سوريا ومجدها".

أعرف ذلك لأن سوريا المنشودة الموعودة كانت لك أهم من نفسك ومن زوجتك وبناتك. "ألست أنت من علمنا مبادىء الحياة وقواعد البطولة وشق للأمة طريق الشهادة وأعطاها دماءه الطاهرة"، كما كتب أحد رفاقك، ثم ألست أنت من كان يقول: "إن الدماء التي تجري في عروقكم هي وديعة الأمة فيكم متى طلبتها وجدتها؟". ولأنني أعرف ذلك، أحببتك زعيماً قبل أن تكون أباً، وأحبتك والدتنا زعيماً وباعث نهضة قبل أن تكون زوجاً وعاشقاً، وأبت بعد رحيلك إلا أن تسير على دروب الكفاح، حيث الوطن، تفانياً وعشقاً وتضحية ونكران ذات.

كثيرة هي المرات التي جلستُ وحيدة أسأل نفسي: لماذا كُتب عليَّ وعلى شقيقتي أن نرحل عن مسقط رأسنا في تلك البلاد التي يعني إسمها أرض الفضة (الأرجنتين) ونأتي إلى بلاد الحديد والرصاص والدم والعدم؟

سألني الزائر الغريب إذا كنت أذكر شيئاً عنك. كيف أذكر وقد كنت في الثالثة من عمري؟ أذهب في التذكر كل مذهب. أحاول أن أسترد أصداء أصوات بعيدة، فيأتيني صوت يشبه هفيف الموج ينساب بين ثنايا الصخور، أو همس النسيم يلامس أوراق شجر الحور. أحاول أن أتبين شيئاً من تلك الصور والخيالات فلا أظفر من ذلك كله بشيء. أقهر نفسي وأجبرها على التذكر. أتمثلك تحملني بين ذراعيك القويتين. تسرح شعري، تضمني وتلاعبني. تطبع قبلة على خدي، تدب على الأرض وتحملني فوق ظهرك وتقول: هذا حصانك يا أليسارتي. لا أخفيك يا والدي أنني كنت ولا أزال أحس بشعور غريب كلما تأملتُ في صور بيضاء سوداء لك مع أولاد وبنات صغار، فتعتريني غيرة بريئة لا أقدر على وصفها، وأتمنى لو كنت واحدة منهم. لا أعرف شيئاً عن علاقتي بك إلا ما كانت تسره لي الوالدة. سمعتها مرة تقول إن عينيك لمعتا بدمع الفرح ساعة اجتمعنا بك للمرة الأولى عند مجيئنا إلى لبنان. كنت في الثالثة من عمري حين وصلنا إلى بيروت. كانت الباخرة التي حملتنا من الأرجنتين وعبرت بنا الأطلسي كبيرة، تحمل الناس والحقائب والحنين، وكانت كبيرة إلى حد أنها حجبت عن عيني الصغيرتين ذلك المحيط الذي سمّاه العرب بحر الظلمات. غريب كيف يرتكب العرب كثيراً من الأخطاء، لكن ما أعظمهم حين يصيبون بلغتهم كبد الحقيقة!

لو عرفت قبل رحيلنا عن الأرجنتين ما سوف تسوقه لنا الأقدار في لبنان، لن أجد وصفاً أدق من ذلك الوصف الذي أطلقه العرب على ذلك المحيط الهائل. بحر الظلمات. يا للأمر من مفارقات عجيبة غريبة. لم تكن يا والدي في انتظارنا ساعة وصلت الباخرة إلى مرفأ بيروت. لم أعرف السبب إلا بعد سنوات، حين قرأتُ وفهمتُ من والدتنا أن رجال الشرطة كانوا يبحثون عنك ذلك اليوم، ويطاردونك من مكان إلى آخر. شعرت بحسرة لأنك لم تكن على المرفأ. كان في انتظارنا كثيرون من رفقائك. لا أنسى ساعة انطلقوا بنا نحو الجبال ووصلنا إلى ضهور الشوير، حيث كنت معتصماً وتحت الحراسة. كان الناس حولك، وكانوا يتكلمون بلهجات لم أفهم منها شيئاً، تختلف عن العربية الفصحى التي علّمتنا أن نتخاطب بها في بيتنا في الأرجنتين.

سألني الزائر الغريب إذا كنت أذكر شيئاً من طفولتي في تلك البلاد؟ أحاول فلا أرى غير أطياف وخيالات، وظل سيارة مسرعة. كنت في الثانية من عمري حين عدوت خارج البيت إلى حيث الشارع الطويل. صدمتني سيارة كان يقودها رجل عجوز وسقطت على الأرض كجثة هامدة. ركضت شقيقتي صفية إلى أمها والرعب في عينيها، تبكي وتصرخ: "ماما ماما السيارة قتلت أليسار"، وإذ أنا فاقدة الوعي، وثيابي ملطخة بالدماء، وعيناي متورمتان. ظنت أمي الواجمة المبهوتة التي كادت تفقد الوعي أني فارقت الحياة. حملوني إلى الطبيب وإلى المصح، وخضعت لفحوص كثيرة بالأشعة وغيرها. وحين أطل فجر اليوم الثاني عادت إليَّ نسمة الحياة، وفتحت عيني وكانت أول كلمة لفظتها بابا، فإذا بوالدي يسألني ما بي فقلت له "عندي واوا" فسأل "من أين هذا الواوا" فأجبت "من السيارة البشعة".

* * *

سألني الزائر أيضاً عما إذا كنت تمنيتُ مرة لو أنك لم تدعنا يا والدي للمجيء إلى لبنان، ومكثت وحدك في الوطن، تصارع الجلاّدين وشيوخ القبائل والعشائر والمنافع والطوائف، وتجهد ما وسعك الجهد لتنثر بذور الوعي القومي في أرض ذلك الهلال الذي ظننته خصيباً، أو أردته أن يكون خصيباً! لو فعلت ذلك لبقينا في الأرجنتين، وتفادينا المآسي، وتفادت والدتنا عذاب السجون، أليس كذلك يا والدي؟ هل تعرف أنه لم يحدث مرةً أن حاورتُ نفسي على هذا النحو. قد يكون السبب جهلي سر القدر وأسرار الحياة والموت، وقد يكون أنني أضعف من أن أطرح على نفسي مثل هذا السؤال الذي يطرحه عليَّ هذا الزائر الغريب.

سألني الزائر أيضاً عما إذا كنت أذكر شيئاً من طفولتي في بيروت ودمشق، حيث قضيت معظم سنوات عمري. أذكر أول بيت سكنّاه عند وصولنا إلى لبنان. كان في راس بيروت، في الطبقة الأولى من بناية شقير، على بعد خطوات من حيث كان مستشفى خالدي. سكنّاه سنة واحدة (1948- 1949). من ذاك البيت أذكر المكتب البني، وغرف النوم والرواق الذي يفصل بين الغرف، وأذكر خيالك في صورتين، واحدة جالساً إلى المكتب وأمامك كتب وأوراق، والثانية واقفاً في الحمّام تحلق ذقنك. أذكر وجهك البشوش وابتسامتك الآسرة. أذكر أيضاً مرةً، كنت وشقيقتي صفية قرب البيت نلعب "الإيكس" مع رفيقاتنا في الحي، فرأيتك قادماً نحونا والفرح يلمع في عينيك، اقتربت مني وحملتني بين ذراعيك مثل جرو صغير.

في دمشق سكنّا بيتاٌ قديماً في شارع أبي ذر الغفاري. عشت هناك خمس سنوات، من الخامسة إلى العاشرة، في ظل أشباحٍ، من الخير ألا أفصح عنها حتى لا أنكأ جروحاً! لم يكن يخفف من صعوبة عيشنا إلا أمّ حنون، كانت كل شيء في حياتنا. عندما ساقوا والدتنا إلى السجن أخذوا أختي صفية للدراسة في معهد الفرنسيسكان، وأدخلوني روضة الأحداث. كنت الوحيدة التي تنام في المدرسة. قبل ذلك وفي دير سيدة صيدنايا حيث بقينا أشهراً عانينا كثيرا في طعامنا ونومنا وشرابنا. أذكر أنني كنت أصعد في المساء إلى سطح الدير، ساعة يكون الجو صافي الأديم، أرقب القمر والنجوم وأتوسل إلى العناية أن تحفظ والدتي. كان في حوزتي صندوق يحوي بعض أشيائك، سُرق جزء منه وضاع معظمه، بفعل التنقل من بيت إلى بيت. ما زلت أحتفظ بمنديل لك أبيض، وساعة ومنظاراً وعلبة شطرنج.

* * *

عانينا كثيراً بعد رحيلك. بعض من ظننت أنهم كانوا إلى جانبك خانوك، وكثيرون ممن كانوا في الحزب تفرقوا شيعاً، اما سورياك فغدت قبائل ناحرة ومتناحرة. هل خاب ظنك؟ أعرف أنك كنت تحذّر من مثل هذه النتائج التي تطفو حين تتغافل الأمة عن روحها وحقيقتها ومصالحها وحين تضعف نظرتها المتجانسة إلى الحياة. أعرف أيضاً أنك لو عدت اليوم وشاهدت ما يجري في سورياك، لقلت ما كنت تقوله في الأمس: "في أمتنا تقاليد متنافرة مستمدة من أنظمة مؤسساتنا الدينية والمذهبية، لها أكبر تأثير في إضعاف وحدتنا الإجتماعية". وسوف لن تنعى الأمة، بل ستعول كما كنت تعول في الأمس على روحها وتنبهها لوحدة حياتها ومصيرها وتقول كما كنت تقول: "القومية هي الشعور الواحد المنبثق من الأمة، من وحدة الحياة في مجرى الزمان. هي ليست عصبية هوجاء أو نعرة من اعتقادات أولية أو دينية، بل شعور صادق وعواطف حية وحنو وثيق على الحياة التي عهدها الأنسان. هي عوامل نفسية منبثقة من روابط الحياة الإجتماعية الموروثة والمعهودة، قد تطغى عليها في ضعف تنبهها زعازع الدعاوات والإعتقادات السياسية، ولكنها لا تلبث أن تستيقظ في سكون الليل وساعات التأمل والنجوى، أو في خطرات الإنسان في برية وطنه، أو متى تذكر برية وطنه". من ثم، ألست أنت من كان يقول "إن لم تكونوا أنتم أحراراً من أمة حرة، فحريات الأمم عار عليكم؟". كنت واثقاً من نفسك ومن أنك سائر على دروب الإنتصار. وحتى حين أخرجوك من السجن مقيّد اليدين ولمحت عمود الموت المنتظر، لم تجزع، كأن الإعدام نفِّذ فيك غير مرة من قبل، وقلت لجلاديك: "أنا اموت أما حزبي فباق، وأبناء عقيدتي سينتصرون، وسيجيء انتصارهم انتقاماً لموتي".

* * *

قلت إن الكثير من أشيائك سُرق مني وضاع، وهناك أشياء من جسدي وروحي ضاعت مني أيضاً، هي أغلى ما يمكن أن يبقى لنا منك. عنيت بذلك رفاتك. لا نعرف حتى هذه اللحظة مكانه. سمعنا أقاويل لا نعرف ما الصحيح منها وما هو غير الصحيح، وحاولنا مرات عدة أن نجد أثراً للرفات فلم نوفق. ما اقسى سواعد بعض الناس وما أقسى قلوبهم وأتفه ظنونهم يا أبي. يسرقون رفات عظيم مثلك، يخفونه عن رفاقه ومحبيه، وعن عيون بناته. آه لو يعرفون ما أعانيه ساعة أرى الناس يدفنون موتاهم، أو ساعة يزورون قبور موتاهم. آه كم أود أن أعثر على شيء من رفاتك يا والدي ويا زعيمي. أزورك ولو مرة واحدة في السنة. أحتفظ لك بدمعة، وأحمل إليك باقة زهور برية من خيرات أرضنا المعطاء. أضعها على ضريحك، أرفع يميني بالتحية وأردد نداءك: "لمن الحياة يا أبناء الحياة؟".

وحين تعتري بلادي كآبة خرساء كما يقول خليلك جبران، وألمح التشرذم يفتك بجسد هذه الأمة، لن أفقد الأمل. سأبقى على الماء، أمشي أمشي ولن أغرق، وأنشد المقطع الأخير الأثير من قصيدة "سلام على سوريا": لعينيك يا سوريا/ حماتك، لا لن تبور الحماة/ ستزرعنا الأمهات/ غنى من طفولة،/ كصحو الينابيع، كالزنبق،/ مواسم من قوة ورجولة،/ غداً نلتقي/ غداً في حصاد البطولة،/ ويهتف كل مع المشرق:/ سلام على سوريا.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه